نظّم مركز كارنيغي للشرق الأوسط ورشة عمل بعنوان "إصلاح منظومة العدالة في العالم العربي: تجربة المغرب وتونس ومصر" في مدينة الرباط في المغرب. وسعت ورشة العمل الى استعراض تجارب الدول العربية التي باشرت إصلاح منظومة العدالة، من خلال التطرّق إلى الإصلاحات المؤسسية لجهاز القضاء والمهن المرتبطة به (المحاماة، التوثيق...)، وعرض العيوب والعوائق التي اعترت عملية الإصلاح العميق لمنظومة العدالة في كل هذه الدول.

الجلسة الأولى

لينا الخطيب، ومصطفى الرميد، ومحمد مصباح

قدّمت مديرة المركز لينا الخطيب صورة عامة عن معهد كارنيغي، وعن اهتمامه الخاص بموضوع إصلاح منظومة العدالة في العالم العربي، وأهمية النقاش بين الخبراء والباحثين وصناع القرار حول هذا الأمر. 

بدوره قدّم محمد مصباح صورة عامة عن الندوة، وقال إن موضوع العدالة كان من أبرز القضايا التي حرّكت الشارع في العام 2011. كما شخّص الأعطاب الأساسية للقضاء في العالم العربي بثلاث أعطاب بنيوية: العطب الأول سياسي يرتبط بالاستقلالية، والثاني أخلاقي يرتبط بالنزاهة، والثالث تدبيري يرتبط بالحوكمة والفعالية.

من جهته، قدّم وزير العدل والحريات مصطفى الرميد عرضاً مفصّلاً حول موضوع "الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة في المغرب".

تعديل دستوري

خصّص الدستور المغربي الجديد لسنة 2011-2012 فصلاً لإصلاح القضاء، كما أن خطاب ملك المغرب في 20 آب/أغسطس 2009 بسط خريطة طريق لإصلاح منظومة العدالة. 

منهجية الإصلاح

اعتبر وزير العدل أن إصلاح العدالة هو نتيجة حوار مجتمعي وليس إصلاحاً فوقياً، وهو يشمل مكوّنات منظومة العدالة كافة، ويلامس القضايا الجوهرية لاستقلال السلطة، ويروم معالجة قضايا الحقوق والحريات في جوهرها.

اتّبع المغرب منهجية جديدة في التعامل مع إصلاح منظومة العدالة من خلال "الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة"، شاركت فيه 190 مؤسسة رسمية وجهوية ووطنية، مع مكاتبات ومقترحات الأحزاب السياسية، انتهت بعد 14 شهراً من العمل إلى تقديم خريطة طريق في أيار/مايو 2013.

يشمل إصلاح منظومة العدالة مهن القضاء كافة (القضاء، المحاماة، كتاب الضبط، الموثقون، الخبراء، المفوض القضائي...) في الشكل والموضوع مع اعتماد التدريب المستمر.

استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية

ثمة سعي إلى فصل السلطة التنفيذية عن القضاء في القانون التنظيمي للمجلس اﻷﻋﻟﯽ ﻟﻟﺳﻟطﺔ اﻟﻘﺿﺎﺋﯾﺔ، من خلال نقل صلاحيات النيابة إلى الوكيل العام للملك بدلاً من وزير العدل، وهو ما اعتبره الرميد خطوة كبيرة في الفصل بين السلطات تفوق حتى بعض الدول الديمقراطية. 

إشكالية التخليق

تمثّل النزاهة الأخلاقية للقضاة العطب الثاني لمنظومة العدالة في العالم العربي. على الرغم من إقرار المداخلات بأن ليس كل القضاة فاسدين، إلا أن النزاهة تشكّل العنصر الحاسم في عملية الإصلاح. وطُرِحَت مسألة تطوير النصوص القانونية التي تؤسّس على محاسبة القضاة ومتابعة مسار ثرواتهم. 

الجلسة الثانية

توفيق بوعشرين، وأحمد الرحموني، وعبد العزيز النويضي، وعبد العزيز شنتوف، وفريدة مرتضى

الإرادة السياسية

اعتبر المحاورون أن الإرادة السياسية محدّدة في عملية الإصلاح، وأن الدساتير الجديدة منحت السلطة القضائية مساحة أوسع، إلا أن بعض المشاركين قالوا إن المشكل يرتبط بقواعد تفسير الدستور ليؤسس لفصل حقيقي للسلطات، ولاسيما مسألة استقلالية النياية العامة عن السلطة التنفيذية. إذ لاحظوا أن هناك تردّداً في عملية إصلاح القضاء بسبب غياب التوافق بين القوى الأساسية في المجتمع والدولة حول قواعد اللعب، وأن تطوير فهم القضاء يحتاج الى تغيير عقلية الحاكمين، وليس فقط إلى تعديلات في النصوص. 

كما اعترف المحاورون بوجود فساد سياسي ومالي في الجسم القضائي، بسبب مايسميه نادي قضاة المغرب بهيمنة السلطة التنفيذية على القضاء من خلال وزارة العدل. كما أن تفشّي الرشوة أدّى إلى بروز نوعين من القضاء، الأول موجّه نحو العموم والآخر نحو الفئات المحظوظة، وهذه الثنائية تضع الثقة في مؤسسة القضاء على المحك. 

الجلسة الختامية

حمزة المؤدّب ومحمد مصباح

توصّل المحاورون إلى أن إشكالية إصلاح القضاء مترسّخة في البلدَين (تونس والمغرب). كما اعتبروا أن القضاء ليس خارج الصراع السياسي والحسابات السياسية، وأن الدساتير حتى ولو كانت متميّزة، إلا أنها لاتصنع سلطة قضائية مستقلة، ولذلك، فإن نجاح عملية الإصلاح تقتضي نوعاً من التوافق بين الفاعلين الأساسيين حول فرص الإصلاح كسلطة مستقلة. 

التوصيات

  • التعاون بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتغليب الحسّ الوطني والمصلحة العامة في صياغة القوانين المُنظِّمة للسلطة القضائية، وإيجاد ضمانات كافية للقضاة في مواجهة المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
     
  • إعادة النظر في برامج التعليم في معاهد القضاء، وتدريس العلوم الإنسانية والنفسية في كليات الحقوق ومعاهد القضاء، لجعل مهنة القضاء متناغمة مع المجتمع.
     
  • تحويل المؤسسات المؤقّتة إلى مؤسسات دائمة في تونس، مثل الهيئة المؤقّتة للقضاء العدلي، والمطابَقة بين التصوّر الدستوري لهذه المؤسسات والنصوص التطبيقية.
     
  • التأكيد على استقلالية المحاكم وظيفياً ومالياً.
     
  • إعطاء المجلس الأعلى للقضاء فرصة ممارسة الصلاحيات الموكولة إليه في الدستور، وإخضاع عمله إلى المعايير الدولية.
     
  • الشفافية في تعيين القضاة.
     
  • وضع آليات لتصفية القضايا والحدّ من الاستئنافات، والتركيز على جودة القضاء ونجاعة الفصل في القضايا.
     
  • الحدّ من تبعية النيابة العامة لوزير العدل، والاعتماد على معايير الكفاءة والاستقلالية والنزاهة في ترقية القضاة.
     
  • ضمان الاستقلال المالي للمحاكم، واعتماد تحديد دقيق لمفهوم السلطة القضائية. 
     
  • ضمان استقلال القاضي عن مسؤوله الإداري والمجلس الأعلى، وإعطاء ضمانات للقاضي أثناء الإجراءات التأديبية.
     
  • تعميق معرفة القاضي للمجتمع في إطار مبدأ الصمود أمام الباطل وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، وتطبيق مفهوم المحاكمة العادلة.
     
  • تمكين المواطن من تنفيذ أحكامه من دون تأخير، خصوصاً الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية.