وصلت تعقيدات الملف اليمني إلى أوجها مؤخراً، مع بروز ظاهرة التفجيرات الجماعية للمساجد وتنامي عمليات الاغتيال السياسي، جنباً إلى جنب مع صعود نموذج خجول للسيناريو الليبي متمثّل في سلطتين متنافستين، تتمتع إحداهما بالشرعية بدرجة أكثر من الأخرى، لكنها لاتتمتع بسلطات أكبر في الوقت نفسه: الأولى سلطة جماعة الحوثيين في العاصمة صنعاء، والأخرى سلطات الرئيس هادي التي يقودها من عدن حاليّاً. ويحشد الطرفان بشكل لافت مؤخراً لجاناً شعبية تحتمل مسميات مختلفة، سواء تلك التي تخضع إلى سلطة الرئيس هادي في عدن أو تلك التي تخضع إلى سلطة الحوثيين في صنعاء. 

ومع تركز الجدل الدائر في اليمن حاليّاً حول رأس السلطة، إلا أن أحد أبرز ملامح الأزمة الحالية والمقبلة على الصعيد المحلي، هو ازدهار ظاهرة اللجان الشعبية في اليمن التي منحتها جماعة الحوثيين أسماء مختلفة كاللجان الشعبية حيناً، واللجان الثورية حيناً آخر. لكنها على أي حال لجان ميليشاوية مسلحة تفرض سيطرتها على الحياة العامة في العاصمة. وقد أدّى تنازع الصلاحيات بينها وبين مجموعة من جنود الحرس الرئاسي في منتصف كانون الثاني/يناير المنصرم، إلى ما أشعل شرارة معركة الرئاسة ومفاقمة الأوضاع في اليمن واستقالة حكومة خالد محفوظ بحاح ووضع هذا الأخير تحت الإقامة الجبرية، إضافةً إلى إدخال فرص السلام في اليمن في نفق مظلم جديد. وقبل ذلك فإن ماوصفه مسؤول رسمي سابق بـ"قائمة تسوّق" وظيفية لآلاف من أعضاء اللجان الثورية قدمتها الجماعة إلى الحكومة، هو ما أشعل الأزمة بين الطرفين وأجبر الرئيس ورئيس الوزراء على تقديم استقالتيهما. 

لم تكن اللجان الشعبية وليدة اللحظة في اليمن، لكن نسخة الحوثيين منها لم تطفُ على السطح بشكل منظّم إلّا بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر المنصرم وتنازعهم على الصلاحيات الأمنية مع حكومة خالد محفوظ بحاح بشكل أخلّ باتفاقية السلم والشراكة التي فرضها الحوثيون أنفسهم قبل ذلك. ومنذ ذلك الحين، ينتشر المسلحون القبليون التابعون لجماعة الحوثيين (أنصار الله) التي تصفهم بــ"اللجان الشعبية" في شوارع العاصمة اليمنية صنعاء، ويتولّون مهامّاً أمنية تتعدى نقاط التفتيش المقامة في شوارع المدينة إلى المباني والمؤسسات الحكومية كبديل عن الأجهزة الأمنية الرسمية. ومؤخراً فرضوا إقامات جبرية على مسؤولين حكوميين وسياسيين عدة قبل أن يطلقوا سراحهم لاحقاً. 

وعلى الرغم من أن اللجان الشعبية ظاهرة يمنية قديمة نسبياً، حيث عمدت الدولة إلى حشد المقاتلين القبليين لمساندة جيشها الضعيف في حروبها المحلية المتعددة، إلا أنها المرة الأولى التي تقوم فيها جماعة سياسية مسلّحة بتشكيل لجانها الشعبية الخاصة التي لاتتبع قياداتها توجهات الدولة، أو تساندها ضد خصومها كما جرت العادة، ومن ضمنها الجيوش الشعبية التي حاربت الحوثيين إلى جانب الجيش خلال الفترة 2004 - 2010، والتي وفّرت فرصة إثراء وتسليح لزعامات قبلية أبرزها الشيخ حسين الأحمر الذي اعتبر وقف الدولة لحربها ضد الحوثيين خيانة، ذلك أن وقف الحرب كان في جانبه الآخر وقفاً لاعتمادات مالية وتسليحية ضخمة كان له كالعديد غيره حينها الحظ الأوفر منها.

وفي الوقت الذي تنتشر فيه اللجان الشعبية التابعة للحوثيين في عدد من المحافظات الشمالية والوسطى، فإن لجاناً شعبية أخرى جرى تأسيسها في الأعوام 2010 - 2012 في محافظتي أبين وشبوة جنوب البلاد لمساندة الجيش في حروبه ضد تنظيم القاعدة، لاتزال منتشرة هناك. وجرى نقل الكثير من عناصرها مؤخراً إلى مدينة عدن للمساعدة على حماية المدينة من هجوم مفترض للجان الشعبية التابعة للحوثيين، أي أن حالة من صدام الميليشيات المسلحة (اللجان الشعبية) التي تشرف عليها وتموّلها الدولة بمساعدة سعودية، كانت على وشك الحدوث مع ميليشيات لجان شعبية تابعة للحوثيين، بعد خوض الأخيرة حروباً متعددة مع مسلّحين قبَليين وآخرين ينتمون إلى القاعدة لاتتبنَّ الدولة رعايتهم، ولاينضوون تحت راية تنظيمية واحدة.

هذه اللجان، التي تمارس دور الأمن والجيش، تؤثّر سلباً على القوات الأمنية والعسكرية الرسمية،  وتتحوّل بين عشية وضحاها إلى خصم للجيش ومصدر للفوضى المسلحة. فعند أي إخلال بوعود الدولة لقادة هذه الجماعات، وهي مالية في الغالب، تلجأ هذه الجماعات إلى توجيه السلاح الذي قدّمته الدولة إليها، إلى صدر الأخيرة، كما حدث من قطع طرق رئيسة من قبل جماعات قبَلية شاركت في حروب الجيش ضد الحوثيين في مناطق قبائل حاشد شمالاً. كما قامت اللجان الشعبية في محافظة أبين بالسيطرة على مقرّات حكومية في أبين، ومنع الجيش من استلامها، لأنها لم تحصل على وعود مادية من قبل الحكومة في فترات مختلفة.

تجاوزت اللجان الشعبية الحوثية في صنعاء الدور القتالي والأمني إلى الدور القضائي، حيث شكّلت لجاناً للفصل بين الخصوم في خصامات المواطنين. ومع أن الغضب الشعبي المحلي تفاقم ضدها، إثر حادثة اختطاف وتعذيب تعرّض إليها ناشط يمني حتى الموت من قبل عناصر من هذه اللجان، إلا أن كل ذلك لم ينتج عنه محاسبة ولو لعنصر واحد من عناصرها حتى الآن. وهكذا، أصبح المواطن مرتاعاً من أي تصرّف غير محسوب له يكون هو ضحيّته المقبلة، في ظلّ صمت وعجز مطبقَين للأجهزة الرسمية والأمنية التي حلّت الأولى محلّها بكل مايعنيه ذلك من سقوط متوالٍ للدولة ومؤسساتها. لكن الضرر الأبرز لمؤسسات الجيش من لجان اللحظة الراهنة، هو تعيين قيادات موالية لها في مناصب أمنية حساسة على الرغم من خوض هذه القيادات معارك شرسة ضد مؤسسة الجيش نفسها، وهو مايرفع من خطر تحويل مؤسسة الجيش، هشة الهوية أصلاً، إلى مؤسسة ميليشاوية متكاملة الأركان. 

لقد شكّلت اللجان، من جهة، بؤرة استقطاب اقتصادية للشباب الذين يجدون صعوبة في العثور على فرص عمل مناسبة. إلا أنها استندت، من جهة أخرى، إلى قناعة إيديلوجية ودينية خاصة من جانب محاربيها القدامى. ثم أنها أيضاً حاضنة اجتماعية للعديد من ذوي السوابق الجنائية ممَّن لم يحظوا بفرص قبول اجتماعية أخرى. 

وبالعودة إلى تاريخ نشأة اللجان الشعبية (الجيوش الشعبية) في اليمن، فإن هذه النشأة تزامنت مع قيام ثورة أيلول/سبتمبر 1962 في شمال اليمن ضد حكم الأئمة، نتيجةً لافتقار دولة الأئمة إلى نظام عسكري واضح، ولحاجة الجمهورية الوليدة إلى مقاتلين للدفاع عنها في سلسلة حروب استمرت حتى العام 1970. فتم تشكيل الجيش الشعبي (لواء التحرير) بقيادات شيوخ قبائل، أبرزهم الشيخ عبدالله الأحمر، كبير مشايخ قبيلة حاشد، وأسّس المصريون مصلحة خاصة لشؤون القبائل تتولّى تنظيم هؤلاء المقاتلين وتمويلهم، على عكس أولئك الذين أتوا من وسط وجنوب اليمن وانضموا للدفاع عن الثورة كأفراد وليس كجماعات قبلية، وشكّلوا ماعُرِف بالحرس الوطني كجيش رسمي. واستمرت مصلحة شؤون القبائل بالدفع للقبائل حتى بعد انتهاء مهامها الحربية، بل وتجاوز ذلك الدور إلى تدمير الجيش النظامي بتوريطه في صراعات بينية حتى تستمر حاجة الدولة إلى الشيوخ القبائل، وبالتالي إلى استمرار دورهم المهيمن خارج الأطر الرسمية للقرار والسلطة. وقد كان أبرز قرارات الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي (1974-1977) التصحيحية إلغاء هذه المصلحة مع موازنتها في ماسُمّي بيوم الجيش 27/7/1975، لكنه تعرّض إلى  الاغتيال بعد ذلك بعامَين.

مع نشوب ماعُرِف بحروب المناطق الوسطى أو (الجبهة الوطنية) بين 1979 و1982، قام الرئيس السابق علي عبدالله صالح بإعادة هذه المصلحة وحشد شيوخ القبائل وقيادات الإخوان المسلمين لآلاف المسلحين القبليين للمشاركة في محاربة الجبهة الوطنية (اليسارية) المدعومة من نظام عدن الاشتراكي حينها. فمارست هذه اللجان أدواراً بشعة أدّت إلى إحداث شروخ غائرة في الجسد الوطني شمالاً، واستمر دورها بالخطاب نفسه والوسيلة نفسها في حرب العام 1994، ليتمدّد هذا الشرخ جنوباً، وهو لايزال يتّسع حتى اليوم نتيجة الممارسات الهمجية لمقاتلي الجيوش الشعبية.

خلال كل تلك الفترات المتقطّعة، ولفترات مختلفة أخرى، مثّلت اللجان الشعبية فرصة أخرى للامتيازات والاعتمادات الوهمية للجنود، ولقوى عسكرية وقبلية مختلفة.

مهما يكن مسار الخط البياني لتطور ظاهرة اللجان الشعبية في اليمن، فإن ثمة ملامح تشابُه واسعة بينها على مرّ السنوات وعلى الرغم من تغيّر الأنظمة. إذ أنها دلالة على فساد أي نظام قامت في عهده، وجسّدت حكم البلد خارج الأطر الدستورية، من خلال إشراك قادة هذه الجيوش غير الرسمية في صناعة توجّهات القرار الرسمي لمصلحتها. والحال أن آخر مايفكّر فيه عناصر هذه الجيوش هو تحقيق الانتصار على الخصم، لأن استمرار قتالها هو العصا السحرية لتواصل تدفق الأموال والأسلحة على قادتها أولاً ثم عليها ثانياً. فدور هذه اللجان حاسم في خلق صراعات اجتماعية وثأرات مستمرة، نتيجة ممارساتها غير المحكومة بأي أخلاق أو سلطة أثناء انخراطها في الحروب ضد خصومها. لقد ساهمت هذه اللجان في تصعيد رموز قبَلية ودينية إلى الواجهة بحكم قدرتها على الحشد، ثم استخدامها اللاحق لمَن قامت بحشدهم للضغط على الدولة لتحقيق مصالحها. وهذا أحد أسرار سيطرة قبيلة حاشد على مقاليد الحكم في اليمن بأجنحتها المختلفة التي تصارعت أخيراً في العام 2011، ثم فقدت هذه السطوة التاريخية بعد استيلاء الحوثيين على أبرز معاقلها وإزاحة أبرز زعاماتها التاريخية عن دوائر القرار في العام 2014، لتحلّ محل هذه القبيلة كجماعة مسلحة صاحبة الفصل في القرارات الرسمية، ومن خارج أطر ومؤسسات صناعة القرار الرسمي حتى الآن، من خلال صعودها على أيدي لجانها الشعبية الخاصة بها هذه المرة.

الفارق البارز هنا في هذه المرة، هو أن خسارة اليمن بسبب سيطرة هذه اللجان، أكثر مباشرة وتاثيراً من السابق. إذ بمجرد سيطرة الحوثيين على مؤسسات الجيش، توقف أغلب الدعم المباشر وغير المباشر المادي وغير المادي العسكري الذي قدّمته دول إقليمية وغربية في السابق إلى اليمن. ويأتي هذا التطور مع تداول وسائل إعلامية لمعلومات أميركية تقول إنها فقدت أثر مساعدات عسكرية تُقدَّر بنصف مليار دولار كانت قد منحتها لليمن في السنوات السابقة. وعلى الأرجح فهي حالياً تحت سيطرة فئات مختلفة من اللجان الشعبية. 

في نهاية المطاف، من المحال التفكير بسلام طويل المدى في اليمن مع وجود لجان غير رسمية تحتكر العنف وتمنع مؤسسات الدولة من امتلاك حصرية القرار. كما أن التجربة اليمنية العريقة تؤكّد أن هكذا لجان عزّزت العنف ولم تقوّضه. ولذلك، فإن أي اتفاق سياسي مقبل في اليمن سيضطر الى التطرّق إلى هذه القضية بكل تفاصيلها لكونها سبب النزاعات على الصعيد العملي اليومي. وحتى ذلك الحين، على المجتمع الدولي والاقليمي التأكد أولاً من عدم ضخّ مزيد من الأسلحة والأموال لمؤسسات شعبية كما هو حاصل الآن. وثانياً، على الدول الغربية والاوروبية تطوير قائمة سوداء بأسماء المعيّنين من قبل هذه اللجان في المؤسسات الرسمية، والتأكد من عدم إعطائها شرعية رسمية وسياسية جديدة بينما هي تعمل على تقويض مؤسسات الدولة.