احتفل الأردن، مع العالم، هذا الأسبوع، باليوم العالمي لحرية الصحافة. ومن يسمع الخطاب الرسمي، يعتقد أن الصحافة لدينا حرة، خاصة وأننا ألغينا وزارة الإعلام قبل اثني عشر عاما. فلم، والحال كذلك، يكون ترتيبنا في مؤشر منظمة "بيت الحرية" Freedom House) 155) من أصل 199 دولة في العالم، وتصنف الصحافة لدينا بأنها "غير حرة"؟ من نصدق؛ الخطاب الرسمي أم واقع الحال؟

بعد العام 1989، أتى إلى وزارة الإعلام عدة وزراء ذوي رؤية منفتحة نحو الإعلام، مثل إبراهيم عزالدين ومحمود الشريف وخالد الكركي، حاولوا تخفيف حدة قبضة الوزارة على الإعلام، وتعديل قوانين الصحافة بما يؤدي إلى ذلك. وفي العام 1996، عندما كنتُ وزيرا للإعلام، تقدمت الحكومة بمشروع قانون لمجلس النواب، يلغي وزارة الإعلام وينشئ مجالس إدارة مستقلة للإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء. ماذا كانت النتيجة؟ بقي القانون حبيس أدراج مجلس النواب سبع سنوات. ولمّا ألغيت الوزارة في العام 2003، تبين أن عدة وزارات إعلام، في مواقع متعددة من السلطة التنفيذية، بقيت ناشطة وتمارس ضغوطا أكثر بكثير من وزارة الإعلام، من دون أن يكون عليها رقابة مؤسسية. ويظهر تقرير "حال الحريات الإعلامية" في الأردن، أن 70 % من الصحفيين إما تعرضوا لمحاولات احتواء، أو سمعوا عن زملاء وزميلات تعرضوا لذلك. أما مجالس الإدارة، فلم يكن معظمها مستقلا عن تدخلات السلطة التنفيذية، حتى غدا إلغاء الوزارة لا معنى له.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

عندما كنتُ وزيرا للإعلام، تقدمت بتوصية للحكومة ببيع حصتها غير المباشرة في الصحف، للحد من التدخل السافر في تعيين رؤساء التحرير، كما التدخل في السياسة التحريرية للصحف. وجاءت الأجندة الوطنية لتقترح تحديد "مساهمات الحكومة المباشرة وغير المباشرة في ملكية وسائل الإعلام، بحيث لا تتجاوز نسبة معينة، ضمانا لعدم تأثيرها على استقلالية هذه الوسائل". بالطبع، لم تعمل الحكومات المتعاقبة بهذه التوصيات، بل استخدمت حصتها في الصحف ليس فقط للتدخل في السياسة التحريرية، وإنما أيضاً للتوظيف الجائر والتنفيعات، حتى باتت هذه الصحف أبواقا للحكومات؛ كل واحدة تعين رئيس التحرير الذي تريد للتغني بأمجادها، في استخفاف سمج بعقلية المواطن، حتى أتى الوقت الذي تراجعت فيها أعداد قرائها من جهة، وتعاظمت مصاريفها من جهة أخرى، لتقع في أزمتها الحالية.

بعد كل التغني بحرية الصحافة في الأردن، يمارس عكس ذلك، ويتم إيقاف الصحفيين انتقائيا، ولأسباب تقدرها الحكومات من دون رادع، رغم توصية الأجندة الوطنية "بعدم جواز إيقاف الصحفي بسبب نشره لرأيه أو معلومات". ويتم احتجازهم من دون محاكمة لمدد طويلة، لتثقيفهم الدروس المطلوبة. 

السلطة التنفيذية لا تنظر إلى الصحافة على أنها ركن من أركان الديمقراطية، وأن حريتها جزء من بناء نظام الفصل والتوازن الذي تحدّث عنه جلالة الملك في أوراقه النقاشية؛ الفصل بين السلطات، وضمان عدم تغول الواحدة على الأخرى. الصحافة بالنسبة للسلطة التنفيذية إما أبواق تمجد كل ما تقوم به الحكومات فقط، وإما مصدر للإزعاج من الضروري مراقبته وتخويفه، حتى لا يجرؤ على النقد. قلة تنظر للصحافة على أنها تمارس دورا تثقيفيا ورقابيا ضروريا، من دون التطبيل الفارغ من المحتوى، والذي لم يعد يقنع أحدا.

في بلادي تتكرر القصة مرات عديدة؛ لجان وطنية تشكل وتخرج بتوافقات وطنية وتوصيات ناجعة، يتم وضعها على الرف. يتبع ذلك هجوم كاسح على من يجرؤ على سؤال: "أين ذهبت التوصيات؟"، لأن في ذلك "جلدا للذات". يبدو أن المطلوب أن لا نحتفظ بالذاكرة، حتى "تعود حليمة لعادتها القديمة".

وكل عام وأنتم، وحرية الصحافة، بخير!

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.