تشهد الدول العربية اضطرابات عنيفة تُعيد تشكيل المنطقة في شكلٍ جذري. وفي حين أنه من المستحيل التنبؤ بما سينتج من هذه الفوضى، ثمة مناحٍ ثلاثة كبرى تحدّد معالم المستقبل، وتشي بسيناريوات أكثر كارثية على مدى السنوات القليلة المقبلة، ما لم تُغيِّر الحكومات العربية مسارها الراهن.

أوّلاً، يعيد العنف السياسي تشكيل المجتمعات العربية. فقد أدّى تفشي الصراعات الحربية إلى فقدان الدول العربية سيطرتها على حدودها الوطنية. كما أسفر الهجوم العنيف لتنظيم «الدولة الإسلامية» وغيره من التنظيمات المارقة، عن تشريد ملايين الأشخاص، ومجتمعات محلية بأسرها، بخاصة في العراق وسورية واليمن وليبيا. واليوم، تستقبل المنطقة العربية أكثر من ثلث اللاجئين في العالم، مع أنها لاتضمّ سوى 5 في المئة من سكّانه. وقد طاولت تأثيرات هذه الصراعات تسع دول على الأقل.

لا تقتصر أهمية هذا التطور على التداعيات الإنسانية، بل تتجاوزها بأشواط. فمن جهة، تجري إعادة صياغة الفسيفساء الغنية للأديان والإثنيات التي ميّزت المجتمعات العربية لمئات السنين، لمصلحة كيانات وحدوية. وما التهجير القسري للمسيحيين واليزيديين والشبك وسائر الإثنيات والطوائف من سهول العراق في الأشهر الأخيرة، سوى مثال واحد عمّا يحدث. ومن جهة أخرى، تُعيد هذه التحركات السكانية تشكيل المجتمعات التي يفرّ السكان إليها، مثل لبنان والأردن وتونس.

وتغذّي الاستجاباتُ الإقليمية والوطنية للتظلمات السياسية والاقتصادية، والتي كانت دافعاً أساسياً للثورات العربية، الاستقطابَ المجتمعي بدرجة غير مسبوقة. ففي مصر واليمن وليبيا وسورية والعراق وغيرها من البلدان، تخضع العملية السياسية لشكلٍ خبيثٍ من سياسات الهوية التي تقوّض الثقة بين المكونات المجتمعية المختلفة. وثمة انقسامات إيديولوجية ودينية وطائفية وإثنية وقَبَلية آخذة في الظهور، وهي تُخلِّف ندوباً مجتمعية قد يصعب محو آثارها على المدى المنظور.

ثانياً، تشهد الدول العربية تراجعاً في مدى شرعيتها ونفوذها. فقد عكست الانتفاضات استياءً واسع النطاق من أنظمة الحكم السائدة. وكانت الاستجابة لهذه التحركات الشعبية في عددٍ من البلدان عبارة عن مزيج من العنف ومن تجنّب العمل على رفع التظلّمات الأساسية.

ثمة عواصم عربية تحت الحصار اليوم. إذ فقدت بغداد وصنعاء وطرابلس ودمشق السيطرة على أراضيها لمصلحة كيانات غير دولتية خارجة عن القانون. وتشهد المكوّنات الأساسية لمفهوم الدولة، مثل السيادة والسيطرة على الأراضي الوطنية وأدوات العنف - بما في ذلك مؤسسة الجيش - تراجعاً، في مواجهة كيانات وهيكليات تنظيمية بديلة.

تتحدّى القوى العسكرية غير الدولتية الجديدة، لا سيما تنظيم «الدولة الإسلامية»، فكرة الدولة - الأمة، وتسعى إلى إرساء وقائع سياسية بديلة. فقد ظهرت نماذج وكيانات جديدة وغير مألوفة من أنظمة «الدولة»، تطرح أفكاراً مغايرة عن الدولة والهوية والمجتمع، ما يدعو النخب السياسية القائمة والأحزاب الحاكمة إلى التنافس مع قوى سياسية جديدة صاعدة، بما في ذلك أمراء الحرب. كما يعني أن أنواع التسويات اللازمة لإنهاء الصراعات اختلفت وباتت أقل تقليدية من السابق.

أما البلدان التي لم تفقد فيها الدولة السيطرة على أراضيها، فتشهد إما تشرذماً متزايداً في المجالات السياسية أو تراجعاً إلى حكمٍ أكثر سلطوية. صحيح أن الزيادة المطّردة في الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الجديدة في بلدان مثل تونس، يمكن أن تبشّر بمستقبلٍ أكثر ديموقراطية، إلا أن الانكفاء عن العملية السياسية لدى شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما الشباب، يمكن أن يشكّل تهديداً لهذا المستقبل. أضِف إلى ذلك أن الحريات المدنية والأساسية تُسحَق، في بلدان مثل مصر، باسم الأمن القومي ومكافحة التطرف. هذا التراجع العميق في عملية الانتقال إلى الحكم الديموقراطي لن يؤدّي سوى إلى زيادة الشروخ المجتمعية، وقد يدفع المواطنين الذين ينشطون بقوة إلى البحث عن وسائل أخرى للتعبير عن احتجاجاتهم.

ثالثاً، ثمة حس قوي بالتمكين الفردي يجتاح البلدان العربية.

لم يُستوعَب التأثير النفسي العميق للثورات الشعبية وإسقاطها لرموز وقيادات استبدادية استيعاباً كاملاً بعد. لكن إحدى المحصلات الواضحة الإيمان الشخصي المتزايد لدى المواطنين العرب بقدرتهم على التأثير في عملية التغيير وتغيير نمط حياتهم. فالمروحة المذهلة من المبادرات المدنية التي انبثقت بعد الثورات العربية وفي أرجاء مختلفة، تعكس في شكل إيجابي هذا الحس بالتمكين. لكن من الناحية السلبية، يبدو هذا التوق الى تحديد المصير ورسم المستقبل واضحاً في العسكرة المتنامية لشباب مستائين من أوضاعهم الراهنة.

فضلاً عن ذلك، فالقسوة المتزايدة التي تمارسها الحكومات وإغلاق مجالات التعبير السياسي كافة في مختلف البلدان العربية، يضيّقان خيارات المواطنين العرب، لا سيما الشبان منهم، للتأثير في عملية التغيير. وربما تكون عمليات الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية الانعكاس الأخطر لهذا الحس بالتمكين. فعلى رغم أجندة التنظيم البغيضة وتكتيكاته العنيفة، يبقى بالنسبة إلى عددٍ متزايد من الشباب العرب الكيانَ الوحيدَ الذي يطرح مستقبلاً بديلاً يمكنهم أن يشاركوا في بنائه.

ستتواصل التبعات السلبية لهذه المناحي الثلاثة، إلى أن تحدّد الحكومات والنخب العربية السبل الآيلة إلى إعادة بناء علاقاتها مع مواطنيها. والواقع أن التصدّي للتأثيرات السلبية للأوضاع الحالية، يتطلّب منهجية وذهنية مغايرتين لما هي عليه الحال الآن. إذ ينبغي أن تعمل الحكومات مع الجهات الفاعلة المدنية على تشكيل أنظمة سياسية شاملة جديدة تُطور المؤسسات، وتُلغي مركزية هياكل السلطة، وتُعيد الحقوق المدنية، وتدعم التنوّع المجتمعي وترقّيه، وتعزّز الإبداع المجتمعي، وتعالج التظلّمات المزمنة. هذه الخطوات ضرورية لمنطقةٍ تسعى إلى مستقبلٍ أكثر إشراقاً، وهي أيضاً أساسية لاستمالة فئة الشبان التي تشعر أنها أمام خياريَن لا ثالث لهما: إما الهلاك في ظل أنظمة سلطوية، أو الانضمام إلى كيان غير دولتي عنيف ودموي.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.