هناك ظاهرة صحية بدأنا نشهدها مؤخراً، تتمثل في ازدياد عدد المقالات والانتقادات حول مناهجنا التربوية، وضرورة إصلاح التعليم.
الحديث حول إصلاح التعليم ليس جديداً في الأردن، لكنه نقاش كان أغلبه ينصب، في الماضي، على إدخال الحواسيب إلى المدارس، وإعادة تأهيل المعلمين، وبناء المزيد من المدارس، وتحقيق معدلات عالمية أعلى في امتحانات الرياضيات والعلوم. وكلها أمور ضرورية، لكنها لم تنجح في بناء نشء يتعلم مهارات التفكير النقدي والمساءلة، واحترام المكونات والأفكار الأخرى في المجتمع، وتعلم أن الحقيقة غالباً ما تكون نسبية وليست مطلقة. 

ما تشهده المنطقة اليوم من انغلاق فكري وديني، ربما يكون أوصلنا لمرحلة بدأ يتكشف فيها لُبّ الموضوع. فتقوية قدرات الطلبة في الرياضيات والعلوم لا يعني الكثير، إن لم يرافقه تطوير للكيفية التي يتعلم بها الطلبة هذه المواد، وإن لم يرافقه تطوير مواز للمهارات المطلوبة؛ من تفكير نقدي، واحترام لتعددية الآراء، والثقافات والأديان الأخرى.

اليوم، نقرأ كتابات ناقدة معمقة من تربويين لهم باع طويل في هذا المجال، أمثال حسني عايش ود. ذوقان عبيدات، كما دلال سلامة وغيرهم، ممن سلطوا الضوء على النزعة شبه الإقصائية في المناهج، وغياب ثقافة الحوار واحترام مكونات المجتمع كافة؛ الإثنية والفكرية والدينية والجندرية، إلا بالقدر اليسير. بمعنى آخر، تعاني المناهج من غياب المحتوى الإيجابي التشاركي، بالقدر الذي تعانيه من المحتوى السلبي الإقصائي. ورد وزارة التربية والتعليم يتسم دائما بالدفاعية، وهذا مقلق بحد ذاته، لأنه يظهر إما عدم اعتراف بالمشكلة، أو تجاهلاً لها، أو قبولاً بالمحتوى الحالي.

ألم يحن الوقت لأن نقول كفى؟ نفهم أن إصلاح التعليم يحتاج عقودا، لكن لا يبدو أن هناك إدراكاً عميقاً للمشكلة، أو إرادة حقيقية للبدء الجدي بإصلاح يجب أن يتصدر أولوية أي حكومة من الآن فصاعداً. مواصلة الاختباء وراء صعوبة الأمر، أو التسليم بأن الوزارة اختطفت من قبل الإخوان المسلمين، لم يعودا كافيين للإجابة عن الوضع الذي نحن فيه. الواقع أن التعليم برمته اختطف بتفسيرات ضيقة للحقيقة، مدنية ودينية على حد سواء، لا تريد لأي رأي مختلف أن ينافسها في الحقيقة كما تراها. وهذا النهج من مدنيين وإسلاميين، جمعه اتفاق غير معلن على ترسيخ أسلوب تلقيني في التعليم، يعتقد أنه يكفي لبلورة نشء مدجن. وبالطبع، كانت النتيجة العكس تماماً؛ جيل لم يكتسب المهارات اللازمة للمنافسة في سوق العمل، جيل محبط غاضب.

النتائج واضحة لتدهور التعليم عبر السنوات الأربعين الماضية، وهي تشبث أغلب الناس بآرائهم، وتسفيه الآراء المضادة وأصحابها. أليست هذه الثقافة الداعشية التي إن لم تقتل الناس جسدياً، فإنها تمارس القتل الفكري لأي رأي مخالف؟

من حقنا أن نطالب بنظام تعليمي مختلف؛ يطال القيم وطرق التدريس، قبل أن يطال النواحي التقنية، يعلم الفلسفة والفن والموسيقى، وتعدد الآراء والمذاهب والأديان، كما يعلم الرياضيات واللغة الإنجليزية والعلوم، ويضع كل ذلك ضمن منظومة متكاملة، تشمل تدريب المعلمين وتحسين المناخ المدرسي الذي يشجع ثقافة الحوار. تنقصنا الإنسانيات في مناهجنا، لأنها الماء الذي يروي الروح وينميها، بدلاً من هذا الجفاف في العقل والروح الذي ما نزال نصر على ترسيخه بالرغم من كل نتائجه الكارثية. إن كنا نستطيع إيجاد التمويل اللازم لإقامة مفاعل نووي، فإننا نستطيع إيجاد الموارد اللازمة لمشروع تربوي تنويري متكامل. الأمر يتعلق بالأولويات، وبرأيي ليس من أولوية تعلو على مثل هكذا مشروع.

لن تقتنع أي حكومة بما سبق لمجرد أن عدداً من الكتاب ينادي بذلك. ومن دون كتلة حرجة يساهم في بنائها المجتمع  المدني، لمواصلة الضغط على الحكومات المتعاقبة للبدء بعملية جدية لإصلاح التعليم، لن يتحقق الكثير. أين وصلت، مثلاً، جهود اللجنة الملكية لتطوير الموارد البشرية؟ هل حالة الاستكانة والاستسلام التي يخضع لها كثيرون، والتي تمنعهم من محاولة التغيير، بدأ يهزها ما وصل إليه البعض في المنطقة، أمثال "داعش" ومن يشاركه نمط تفكيره من انحطاط فكري وإنساني؟ وهل ثمة كتلة حرجة بدأت تتبلور، ترفض النظام التربوي الحالي وتضغط لتغييره؟

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.