بعد الاتفاق على صفقة نووية أولية مع إيران، سيكون الملف السوري هو الملف الدولي التالي الذي تفاوض عليه طهران. ليس مردّ ذلك أن إيران تمضي على طريق تحقيق النصر في سورية، بل لأن التطوّرات الأخيرة في سورية أجبرت إيران على تغيير حساباتها في شأن دورها في الصراع. فبدلاً من الدعم غير المحدود للنظام السوري، أصبح هدف تدخّل إيران في سورية اليوم هو التمسك بالرئيس السوري بشار الأسد فقط لاستخدامه كورقة مساومة في المفاوضات الدولية لإيجاد تسوية للصراع.

جاء تغيير إيران لاستراتيجيتها في سورية كنتيجة مؤلمة لحساباتها الخاطئة في التعاطي مع الصراع الذي بدأ قبل وقت طويل من تحوّل الانتفاضة السورية إلى حرب أهلية. فإيران اعتقدت أن في وسعها توجيه الانتفاضة في سورية لمصلحتها الخاصة، وأن مساعدة النظام في سحق ما كانت آنذاك انتفاضة سلمية، ستكون مهمة سريعة وسهلة من شأنها الإبقاء على الوضع القائم. ولكن الانتفاضة السورية تطورت إلى صراع مرير تلقّى الجيش السوري فيه ضربات كبيرة من المعارضة السورية المسلّحة المعتدلة، وكذلك من مجموعات جهادية لا تُعدّ ولا تُحصى.

 وبالتالي، أصبحت إيران تشعر بالقلق في شأن بقاء نظام الأسد، ليس لأن دمشق كانت حليفاً سياسياً لطهران في "محور المقاومة" ضدّ إسرائيل وحسب، بل أيضاً بسبب علاقتها مع "حزب الله"، الذي ينقل الأسلحة التي تزوّده بها إيران إلى لبنان عبر سورية. وبما أن الحزب يبني قوته السياسية في لبنان على أساس امتلاك الأسلحة التي يخيف بها معارضيه السياسيين اللبنانيين، فقد استدعته طهران للقتال في سورية لدعم نظام الأسد. جرى ذلك في البداية عبر إرسال مستشارين عسكريين مخضرمين من الحزب إلى سورية. ولكن مع تنامي الصراع من حيث طوله وشدّته، تغيّر التكتيك ليتحوّل إلى إرسال قادة وقوات في "حزب الله". كما أرسلت إيران مستشارين من "الحرس الثوري" وأنشأت ميليشيات سورية محليّة (قوات الدفاع الوطني) لمساعدة الجيش السوري.

ولكن في حين نجح هذا الدعم لفترة من الوقت، قابلته زيادة الدعم للمجموعات الجهادية من مختلف الجهات المانحة. بدأت الانتصارات المتتالية لـ "حزب الله" وإيران بالتلاشي عندما ضخّ الطرفان المزيد من الموارد البشرية والمادية في الصراع السوري. فما كان قد بدأ كتدخّل قصير الأمد تحوّل إلى معركة وجودية لـ "حزب الله"، وبالتالي لنفوذ إيران في بلاد الشام.

أدّى صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سورية، والتقدم الذي أحرزه لاحقاً في العراق، إلى خلق مشكلة أخرى لإيران. في البداية، كانت المجموعات الجهادية السنّية الصغيرة في سورية مفيدة لاستراتيجية إيران لأنها "أثبتت" أن الأسد لم يكن يقمع انتفاضةً سلمية، بل يحمي سورية في مواجهة تهديد التطرّف العنيف. ولكن عندما تحوّلت الساحة الجهادية إلى ساحة تهيمن عليها أغنى منظمة إرهابية في العالم، مع تقدّم تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق، وجدت إيران نفسها في مواجهة تهديد وجودي محتمل يزحف نحو حدودها.

كانت العقوبات الدولية المفروضة على إيران بسبب برنامجها لتخصيب اليورانيوم قد أضعفت اقتصادها بالفعل، كما تسبّب دعمها لأنشطة "حزب الله" في كلٍّ من لبنان وسورية بضغوط مالية كبيرة على طهران، غير أن الجبهات الجديدة في العراق كانت تتطلّب تكريس المزيد من الموارد لحماية المصالح الإيرانية. ونتيجةً لذلك، تعرّضت إيران إلى مزيدٍ من الضغط عندما بدأت برعاية الميليشيات الشيعية في العراق لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وبدعوة "حزب الله" وقوات النخبة في "الحرس الثوري" إلى وقف تيار "الجهادية التكفيرية" في البلاد. وجدت إيران نفسها تخوض معركتين ضخمتين دفعة واحدة، وكانت بحاجة إلى اتّخاذ قرار في شأن المحافظة على مواردها. ولأن إيران محاصرة في العراق أكثر مما هي عليه في سورية، اختارت إعطاء الأولوية إلى العراق. على سبيل المثال، تم استدعاء اللواء العراقي "لواء أبو الفضل العباس" من دمشق إلى العراق فور استيلاء تنظيم "داعش" على الموصل.

في الوقت نفسه، بدأت المملكة العربية السعودية تضيق ذرعاً بتصرّفات إيران في العالم العربي وكذلك بافتقار الغرب إلى استراتيجية لإنهاء الصراع السوري. راهنت الرياض على وجود إحباط مماثل لدى قطر وتركيا، وعمدت إلى زيادة الضغط على النظام السوري بعد التنسيق مع حلفائها، فبدأ النظام السوري و"حزب الله" يتكبّدان المزيد من الخسائر. وتفيد معلومات أن "حزب الله" خسر ربع قوات النخبة الخاصة لديه في الحرب السورية، في حين تقلّص عديد الجيش السوري إلى مجرّد نصف ما كان عليه قبل العام 2011. وبدأ النظام السوري والحزب في الاعتماد بشكلٍ متزايد على مقاتلين ومرتزقة عديمي الخبرة، يتم استقطابهم من بلدان خارجية مثل أفغانستان.

وبالتالي، تحوّلت استراتيجية الأسد في سورية، بيد أن هذا التحوّل ليس في مصلحة إيران. فبدل محاولة الحفاظ على وجودٍ للجيش السوري في جميع المحافظات السورية تقريباً، يتراجع النظام الآن في العديد من المناطق التي يسيطر عليها المعارضون أو تنظيم "داعش"، ويركّز على إحكام سيطرته على معاقله في الساحل الغربي ودمشق. وتتمثّل حسابات الأسد في أنه إذا ما نجح "داعش"، في نهاية المطاف، في التغلّب على سائر المجموعات في سورية، يستطيع أن يُظهر للمجتمع الدولي أن سورية أمام خيارَين: إما نظامه أو تنظيم "داعش". ولكن كلّما قويت شوكة التنظيم في سورية، استمر في تهديد المصالح الإيرانية في العراق.

نتيجةً لكل تلك التطوّرات، أدركت إيران أن الرهان على الأسد لكسب الحرب يعني الرهان على حصان خاسر. لذلك، غيّرت استراتيجيتها من الاستمرار في ضخّ الموارد في سورية لدعم الأسد، إلى استراتيجية تتمثّل في مجرّد الحفاظ على النظام عبر استخدام الحد الأدنى من الموارد. وتصرّ طهران على عدم إرسال قوات إلى سورية، كما أعادت توجيه رسائل للغرب والدول الإقليمية مفادها أنها مهتمة بعقد صفقة كبرى في شأن دور كلٍّ من هذه الدول في منطقة الشرق الأوسط، وأن الصفقة لن تشمل سورية وحسب، بل أيضاً ملفات أخرى مثل اليمن.

على رغم أن شكل هذه الصفقة الكبرى غير معروف حتى الآن، من المرجّح أن تشمل قبول إيران تشكيلَ حكومة انتقالية في سورية تحتفظ بعناصر من النظام الحالي، وتضمن امتيازات "حزب الله" الحالية. ولا تزال إيران تصرّ على ضرورة أن يؤدّي بشار الأسد دوراً في هذه الصفقة، بحجّة أن الانتخابات ستُجرى في نهاية المطاف، وبالتالي ستنتهي رئاسته بصورة طبيعية. مع ذلك، المقصود من ذلك هو استرضاء الأسد فقط بحيث تضمن إيران أن يحتفظ ببعض الأهمية، لأن إسقاطه الآن يعني خسارة فادحة لإيران.

بدلاً من ذلك، يعني التمسّك بالأسد بينما تُجرى المفاوضات في شأن تسوية الصراع السوري أن إيران يمكنها استخدامه كتضحية صغيرة مقابل تحقيق مكاسب أكبر تتمثّل في تشكيل حكومة تحظى بمباركة الغرب، وكذلك الجهات الفاعلة الإقليمية مثل السعودية، طالما أن هذه الحكومة تحافظ على مصالح إيران في بلاد الشام. ولذا، فقد الأسد مكانته كحليف لطهران وأصبح مجرد ورقة مساومة لإيران في سورية.

تم نشر هذا المقال في الحياة.