يقضي مشروع قانون "المصالحة الاقتصاديّة" الصادر بمبادرة من رئيس الجمهوريّة، بوقف التتبعات والمحاكمات وإسقاط العقوبات في حقّ الموظّفين العموميّين وأشباه الموظّفين، كالوزراء ورؤساء المؤسّسات العموميّة والمديرين العاميّن والقضاة والولاة أو المحافظين.. في الجرائم المتعلّقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام. وبحسب رئاسة الجمهوريّة، تمثّل هذه المبادرة محاولة لدعم مناخ الاستثمار، عن طريق تحويل الأموال التّي يتم استرجاعها للتوظيف في البنية التحتيّة والمشاريع التنمويّة في المناطق الداخليّة، وهو ما من شأنه التخفيف من الأعباء التّي تواجهها الدولة، بالنظر إلى الضائقة الماليّة التّي تمرّ بها وحالة الانكماش الاقتصادي التّي تعيشها البلاد منذ سنوات.

جرائم المال العام    

غير انّ مختلف التقديرات، بما فيها تلك المقدّمة من قبل المدافعين عن هذا القانون، تثبت عدم الجدوى الاقتصاديّة لهذه الخطوة، بالنظر إلى ضآلة حجم الأموال التّي سيقع استرجاعها. وعموماً، فإنّ هذا القانون مناقض تماماً لمبادئ العدالة الانتقالية ولمسارها المتعثّر أصلاً، خصوصاً في شقّه المتعلّق بـ "كشف الحقيقة" التّي تتجاوز تحديد المسؤوليّات الفرديّة لتفتح المجال امام تفكيك آليات عمل "رأسمالية المحاسيب" التّي عرفتها البلاد خلال أكثر من عقدين، والوقوف على تحوّل بيروقراطية الدولة إلى مركز لتصريف النفوذ ومراكمة الثروة.

فعلى عكس "قانون العدالة الانتقالية" الّذي يجعل من الاعتراف والاعتذار المرفق بشرح لملابسات الجريمة، شرطاً للدخول في مرحلة المصالحة، فإنّ مشروع القانون المقدّم من رئاسة الجمهوريّة يُلزم المعنيين بتقديم طلب إجراء صلح أمام لجنة مكوّنة أساساً من ممثّلين عن وزارات، وتكون قراراتها نهائيّة وغير قابلة للطعن. بالتّالي، فإنّ هذا القانون يُعطي للسلطة التنفيذيّة لا للقضاء، صلاحيّة النظر في جرائم المال العامّ، كما أنّه يُخرج هذه الجرائم من مسار العدالة الانتقالية ويساهم بالتّالي في طمس آليات اشتغال الجرائم الاقتصادية والفساد المالي، التّي استشرت إبّان حكم بن علي، خصوصاً إذا علمنا انّ العشرات من رجال الأعمال بالإضافة إلى حوالي 7000 موظّف عمومي، وفق تصريح أحد مستشاري رئيس الجمهوريّة، معنيون بهذه المبادرة. ما يعني أنّ هذه الجرائم لا يمكن أن تُختزل في تجاوزات فرديّة، بل هي تعكس ممارسات شائعة تشابكت فيها مصالح رأس المال ببيروقراطيّة الدولة: التهرّب الجبائي، والكسب غير المشروع، وتوزيع القروض البنكيّة بالمحاباة ومن دون ضمانات، والسمسرة في الصفقات العموميّة، والسطو على الأراضي الحكوميّة التّي يقع تغيير صيغتها القانونيّة بجرّة قلم قبل إدخالها في سوق المضاربات العقاريّة...

تحالف مراكمة الثروة وحراسة النظام

نحن إذاً أمام علاقة مُركّبة بين الموظّفين والمتنفّذين، تكوّنت على أساسها شبكات حكمت لأكثر من عقدين خلف واجهات الحزب الحاكم والبيروقراطيّة والدولة البوليسيّة، على أساس حماية المصالح التّي تمرّ عبر مراكمة الثروة وحراسة النظام. لم تكن العائلة الحاكمة السابقة وحدها المستفيدة من النهب المنظّم للمال العام عبر الاقتراض البنكي أو التهرّب الضريبي والجمركي مثلاً، بل مارسته أجزاء واسعة من طبقة رجال الأعمال وشارك فيه موظّفون عموميّون يختبؤون اليوم وراء قولهم إنّ المنظومة كانت أكبر منهم وإنهم ما كان في استطاعتهم تغييرها. يُسارع النظام اليوم إلى غلق الملفّات، والحال أنّ مرحلة التأسيس التّي تعيشها تونس تقتضي تفكيك ميكانيزمات ممارسة السلطة ومراكمة الثروة، حتّى يتسنّى إرساء نظام ديموقراطي يأخذ ولو بالحدّ الأدنى من مطالب العدالة الاجتماعية لفئات واسعة من الشعب التونسي.

لم يكن نظام بن علي قائماً على عصي البوليس فحسب، كما لا يمكن لأيّ نظام سلطوي أن يقوم على القمع حصراً. كان نظاماً قائماً على الولاء والأطماع والخوف والتعلّق بحبال السلطة من خلال البحث عن مكان داخل شبكات المصالح التّي تدعّم نفوذها مع تحرير الاقتصاد وتسارع وتيرة الخصخصة. سيطرت هذه الشبكات على البيروقراطيّة ورهنت الترقيات والتعيينات بالولاءات وتنفيذ التعليمات، وشاع بالتالي منطق الغنيمة وتقاسم الكعكة.

رزق "البيليك"..

باعتماده آلية استرجاع الأموال المنهوبة مقابل إسقاط التتبعات، يعكس قانون المصالحة الاقتصاديّة تهميشاً كليّاً للمسؤوليّة السياسيّة والقانونيّة لمرتكبي هذه التجاوزات، تساهلاً مع جرائم الاعتداء على المال العامّ. هو يعكس فهماً معيناً لبيروقراطيّة الدولة لا يمكن حصره إلاّ بالعودة للإطار التاريخي لعلاقة الحاكم بالمحكوم. يستعمل التونسيون عبارة "رزق البيليك" للدلالة على سطوة المصالح والأهواء الشخصيّة على المال العام. يرمز الرزق إلى أملاك البايات (الحكّام) وإقطاعاتهم التّي يوزّعونها على أعوانهم وفق اعتبارات الولاء والطاعة. بالمقابل يسعى عمّال الباي إلى تأمين الجباية لولّي نعمتهم وإلى مراكمة الثروة عبر نهب أموال الرعيّة واستباحة أرزاقها. وإبّان الاحتلال الفرنسي، كان الأعيان يسعون إلى نيل رضى المراقب المدني الفرنسي من خلال الهدايا والأعطيات، حتّى توكل لهم مهمّة جمع الضرائب التّي يستعملونها لتعويض ما قدّموه، وللإثراء الشخصي عن طريق تحقيق فائض هامّ. تاريخيّاً كانت المناصب في الدولة مدخلاً للثروة لا يتردّد الراغبون في تقلّدها في الاستثمار للحصول عليها.

مع إنشاء دولة الاستقلال والانفتاح الاقتصادي في أوائل السبعينيات، دخل الكثير من موظّفي الدولة عالم الأعمال، وأوكلت لهم مهمّة بناء القطاع الخاصّ، معتمدين في ذلك على علاقاتهم مع مراكز القرار وعلى التسهيلات والقروض البنكيّة الميسّرة. ومع تراجع دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي منذ منتصف الثمانينيات، فُتح المجال أمام أصحاب المناصب الحكوميّة للانخراط في استغلال النفوذ وتصريفه والإثراء غير المشروع، من خلال تقديم تسهيلات للمستثمرين والمضاربين.

حصر الفساد في منظور قانوني بحت، أو جعله مسألة أخلاقيّة محضة، قد يجعل من "المصالحة" وسيلة التفاف وإعادة إنتاج للفساد. الواقع أنّ طيّ صفحة النظام السابق لا يمكن أن تمرّ عبر المصالحة مع المتسبّبين بالفساد المالي، فالأمر يحتاج قبل كلّ شيء إلى معرفة حقيقة هذه التجاوزات، وإلى تفكيك آليات ممارسة السلطة التّي ثار عليها النّاس. هذا لا يعني أنّ المصالحة غير مطلوبة. ولكنّ الانتقال الديموقراطي لا يمكن ان يبدأ بالمصالحة، بل يقتضي البدء بكشف الحقائق عن طريق المصارحة والاعتذار. ذلك أنّ المعالجات الجادّة تقوم أساساً على كشف الحقائق وتحديد المسؤوليّات، وهو ما يهيئ لتكوين رأي عامّ مناهض لهذه الممارسات، حريص على عدم تكرارها، وواعٍ لوجوب التصدّي لها مستقبلاً. يبدو غياب الإرادة السياسيّة لدى التحالف الحاكم هو أحد أهم المعضلات التّي تعترض كشف الحقيقة ومسار العدالة الانتقالية عموماً، وبالتّالي فإنّ مشروع قانون المصالحة الاقتصادية هو في الواقع تعبير عن ميزان القوى داخل الساحة السياسيّة، ويهدف إلى تدعيم عودة المصالح المتنفّذة في النظام السابق إلى صدارة المشهد السياسي، عبر بوّابة حركة "نداء تونس" التي ينتمي إليها الرئيس. وحركة الاحتجاج الواسعة عليه التي شهدتها تونس في الأسابيع الأخيرة تعبّر عن رفض قوي لهذه الوجهة.

تم نشر هذا المقال في السفير العربي.