أسفرت المفاوضات النووية بين إيران والقوى الغربية في 14 تموز/يوليو الماضي عن اتفاق أنهت بموجبه الدول الغربية العقوبات الدولية المفروضة على طهران منذ فترة طويلة، مقابل تخلّي إيران عن طموحاتها النووية العسكرية. وفي حين يتناول الاتفاق، الذي يزيد عن 100 صفحة، التفاصيل الفنية بشكلٍ أساسي، من المرجّح أن ينعكس بصورة غير مباشرة على مختلف القضايا في المنطقة، مثل الصراع السعودي-الإيراني التقليدي على النفوذ الإقليمي، وحزب الله في لبنان، والحرب المستمرّة في سورية، ومؤخّراً الحرب (أو بالأحرى الحروب) الدائرة في اليمن. 

منذ أن دخلت المفاوضات النووية جولتها النهائية، حظيت المملكة العربية السعودية بدعمٍ قوي من الغرب في حربها في اليمن، في مايمكن وصفه على أنه "جائزة" ترضية بعد أن فشلت المملكة في ثني حلفائها الغربيين عن عقد صفقة مع إيران. 

أصبح اليمن ساحة حرب جديدة حيث تشارك إيران والمملكة العربية السعودية في حرب بالوكالة، وتستغلّان الصراعات المحلية اليمنية وتعقيداتها. وفيما قد يؤدّي الاتفاق النووي إلى تفاقم التوتّر في اليمن، إلّا أنه قد يسفر عن نتائج إيجابية. إذ لاتزال هناك فرصة لتحويل اليمن إلى نموذج للتوافق بدلاً عن الصراع الإقليمي. 

فرصة غير متوقّعة في خضمّ الصراع

منذ ستة أشهر، بدأ تحالف قوى بقيادة المملكة العربية السعودية بشنّ غارات جوية ضدّ المقاتلين الموالين للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح والفصيل الإسلامي الزيدي "أنصار الله"، المعروف باسم الحوثيين. وعلى الرغم من الجذور المحلية للحرب، فقد أصبحت الآن من دون أدنى شك جزءاً من صراع إقليمي أوسع، وهنا تحديداً يأتي دور الاتفاق النووي الإيراني. 

في مقابلة أجرتها معه مؤخراً صحيفة الشرق الأوسط السعودية، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن الاتفاق مع إيران ركّز بصورة حصرية على الملف النووي لكنه أضاف أنه سيتشاور مع نظرائه في الخليج حول سبل التعامل مع القضايا الإقليمية الأخرى. تزامن هذا التصريح مع زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى دول الخليج، بهدف الحدّ من التوتّر الناجم عن الاتفاق النووي. وقبل أيام من زيارته، كتب ظريف مقالاً بعنوان "الجار ثم الدار" في صحيفة السفير اللبنانية، حيث حاجج من أجل إقامة علاقات خليجية-إيرانية أفضل مُقترحاً اليمن نموذجاً للعمل معاً نحو ترسيخ السلام الإقليمي بين دول الخليج وإيران. 

تمثّل هذه التطورات فرصة يجب أن تستغلّها الجهات التي ترغب في المضي قدماً بعملية السلام في المنطقة.

أدّى الاتفاق النووي إلى تقليص حدّة التوتر وتحسين قدرة الغرب على التواصل مع إيران. وإذا ماتم توسيع هذا الاتفاق ليشمل حلفاء الغرب في المنطقة، فقد يغيّر الأمور بصورة كبيرة وربما يمهّد الطريق لتحقيق سلام إقليمي في اليمن. وقد يكون من الممكن تسخير هذه الفرصة للضغط على طهران لـ"ترويض" حلفائها الحوثيين في اليمن، وربما أهم من ذلك توفير ضمانات تقضي بأن يلتزم الحوثيون بالاتفاقيات التي قد يتم إبرامها في المستقبل. وتبدو هذه النقطة أكثر أهمية أخذاً في عين الاعتبار أن نقض الحوثيين للعديد من الاتفاقيات السابقة كان منبعه عدم وجود جهة ضامنة يمكنها أن تضغط على الجماعة للامتثال إليها، نظراً إلى تراجع قوة الأطراف المحلية ولامبالاة الحوثيين بالقرارات الدولية. وطالما أن إيران كانت معزولة، لم يكن ثمّة مايدعوها إلى الانخراط بصورة بنّاءة مع دول الخليج أو الغرب بشأن اليمن. أما الآن، فالأمور قد تتغيّر. 

التصعيد المتبادل في اليمن 

تتميّز السياسة الحالية للمملكة العربية السعودية تجاه إيران، سواء داخل اليمن أو خارجه، بكونها تستند إلى ردّ الفعل أكثر منه إلى الفعل، غير أنه وعلى الرغم من ذلك، لاتزال الغلبة للسعوديين في اليمن. ومع ذلك، فإن إصرار السعودية على ربط الحوثيين بإيران يمكن أن يقلّل من نفوذها عن طريق دفع الجماعة أكثر إلى أحضان إيران، فيما بدأت جماعة الحوثيين تدرك أن طهران هي نافذتها الوحيدة إلى العالم الخارجي. 

أما بالنسبة إلى إيران، فلا بدّ لها أن تستخلص العبر من المثل التركي الشهير القائل: "من لم يربِّه الزمن تربّيه اليمن". بعبارة أخرى، يجب أن تتجنّب إيران الغرق في بلد معقّد ومُنهَك. 

خلال العام الماضي، نما دور إيران في اليمن بطرق غير متوقَّعة حتى بالنسبة إلى القادة الإيرانيين أنفسهم. ووفقاً لمصدر يمني رفيع المستوى، انقسم صانعو القرار في طهران بشأن كيفية التعامل مع الصراع في اليمن. إذ كان القادة المرتبطون بالحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني، بدعم من المرشد الأعلى علي خامنئي، يميلون انطلاقًا من دوافع عقائدية نحو دور إيراني مباشر أكثر في المنطقة عموماً وفي اليمن خصوصاً. مع ذلك، كان الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية ظريف يريان أن على إيران أن تكون أكثر حذراً في اليمن وأن الوضع فيه يختلف كثيراً عن العراق أو سورية. 

لم تكن قناعة معسكر ظريف-روحاني بضرورة ألّا تتسرّع إيران في اليمن، تستند إلى الوضع المعقّد في البلاد وحسب، بل أيضاً إلى حقيقة أنه يجري استنزاف خزينة إيران بسبب المصاريف الكبيرة في سورية ولبنان. إضافةً إلى ذلك، كان يُنظر إلى الحوثيين منذ زمن طويل باعتبارهم حليفاً هامشياً. 

بعد سقوط العاصمة اليمنية صنعاء في أيدي المتمرّدين الحوثيين في أيلول/سبتمبر 2014، أوقفت الحكومة السعودية، وفقاً لمسؤولين يمنيين كبار، تحويل نصف مليار دولار من المساعدات المختلفة. وفي محاولةٍ للتعويض عن ذلك، أرسل الحوثيون وفداً إلى إيران. ووفقاً لمصادر مقرّبة من قيادة الحوثيين، طلب الوفد حزمة دعم بقيمة مليار دولار على شكل دعم للوقود لتحلّ محلّ المساعدات السعودية التي انقطعت، لكن الوفد عاد من طهران خالي الوفاض. بعد الانقلاب الحوثي ضدّ الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في كانون الثاني/يناير 2015، وعدت إيران بدعم اليمن بالمشتقات النفطية وتوليد الكهرباء، لكن لم يتم حتى الآن الوفاء بأي من هذه الوعود.

في حين يبدو واضحاً أن التدخّل بقيادة السعودية في آذار/مارس 2015 قلب الموازين لصالح معسكر سليماني-خامنئي، فإن الصفقة النووية صبّت  في صالح معسكر روحاني وظريف. 

فرصة سانحة 

مع احتمال أن يؤدّي الاتفاق النووي إلى رفع العقوبات الدولية، تنفتح إمكانيات جديدة أمام إيران، التي ربما وصلت بالفعل إلى حدود استعراض القوة من خلال الحوثيين. فجنوب اليمن سنّي شافعي في الغالب، ومن شأن محاولة إيران فرض نفسها في تلك المنطقة، باستخدام الميليشيات زيدية ذات نهج لطائفي، أن تنفّر السكان المحليين. كما أدّى تزايد الدور السعودي اعتباراً من آذار/مارس وصاعداً، والذي تكمّله قوات إماراتية وبحرينية، والآن أيضاً قوات برية قطرية، إلى زيادة تكاليف الحرب الإيرانية بالوكالة. لايزال حلفاء إيران في اليمن أقوياء من الناحية العسكرية، بيد أن نفوذهم السياسي محدود ولديهم الكثير من الأعداء المحليين، في حين يخضع قادتهم إلى عقوبات دولية. 

من خلال اختيارها نهجاً آخر وسعيها إلى التوصّل إلى تفاهم مع السعوديين وحلفائهم اليمنيين بعد الاتفاق النووي، سيكون في وسع إيران أن تؤدّي دوراً مؤثّراً، لكن من خلال قنوات رسمية سليمة. وهذا الأمر من شأنه أن يكون أكثر فائدة للبلدين. 

حتى اليوم، لم تتبنّ إيران مشروعاً واحداً لإعادة الإعمار في اليمن، ولا حتى في محافظة صعدة، معقل قيادة الحوثيين، التي مزّقتها الحرب. غير أن بإمكان إيران أن تقترح، بالأموال التي ستُتاح لها بعد تخفيف العقوبات، تنفيذ مشاريع اقتصادية بطرق رسمية وشفافة، الأمر الذي يمكن أن يكسبها تأييداً شعبياً ثابتاً ويعوّل عليه. 

الثمن الذي تدفعه المنطقة وستدفعه نتيجة الصراع الإيراني-السعودي المتصاعد، مرتفعٌ للغاية ويشكّل تهديداً للمنطقة والعالم على حدٍّ سواء. لذلك، لابدّ من اغتنام أي فرصة للجمع بين هاتين القوّتين الإقليميتين. وقد استجابت بعض دول الخليج، مثل الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، بصورة إيجابية للصفقة النووية وربما تكون قادرة على تشكيل صلة وصل بين المملكة العربية السعودية وإيران. ويشعر بعض زعماء دول الخليج العرب أيضاً أن على دولهم أن تتجنّب الانجرار بصورة أعمق إلى صراع طائفي مع إيران. وهذا ينطبق بصورة خاصة على عُمان والكويت والإمارات العربية المتحدة. 

إن بدء حوار سعودي-إيراني يمكن أن يُترجَم بسرعة إلى تقدّم على طريق حلّ الصراع اليمني، على الرغم من أنه من المستبعد أن يؤثّر على الحالات الأكثر تعقيداً مثل سورية والعراق. 

ينبغي الآن على الدبلوماسيين على جانبَي الخليج تعزيز العلاقات بين بلدانهم وفتح قنوات الاتصال في مابينها. ويمكن للجانبين، إذا كانا يرغبان في ذلك حقاً، أن يتوصّلا إلى اتفاق من شأنه على الأقلّ أن يعفي اليمن من الدخول في الصراع الإقليمي. فمثل هذا الاتفاق سيجنّب اليمن الكثير من الدمار، وسيساعد الإيرانيين والسعوديين أيضاً على التخلّص من صراعٍ قد يكون طويلاً جدّاً. لذا، ينبغي على القادة في طهران والرياض أن يدركوا أن مصلحتهم المشتركة تقتضي وقف هذه الحرب والبحث عن أرضية مشتركة في اليمن، بغضّ النظر عن ضراوة صراعهم في أجزاء أخرى من المنطقة.