فيما يجهد الأوروبيون للتعاطي مع الأعداد المتزايدة من اللاجئين الذين يعبرون حدود بلدانهم، تتواصل الانقسامات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حول كيفية إدارة أسوأ أزمة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وفي هذه الأثناء، أصبحت المنطقة العربية ملاذاً لنحو ثلث لاجئي العالم، ويتحمّل لبنان والأردن القسط الأوفر من الضغوط المتعلقة بذلك. وخلال السنوات الأربع الماضية وحدها، أجبرت الحرب 12 مليون سوري على النزوح من منازلهم ومناطقهم.

يطلّ خبراء مؤسسة كارنيغي، في صيغة سؤال وجواب، على تطور هذه الأزمة، ويتناولون بالتحليل كيفية تأثيرها على الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط وأوروبا، وماذا يتعيّن على أصحاب القرار العمل إزاءها:

ما الذي يدفع إلى تدفّق هذا السيل من اللاجئين؟

مهى يحيَ: تشكل الأزمة السورية دافع هائل لتدفق اللاجئين. فعلى الصعيد العالمي، كل واحد من خمسة لاجئين هو سوري. وينضم هؤلاء إلى ملايين الليبيين، والسودانيين، والصوماليين، والأفغان، واليمنيين، وسائر المواطنين الذين يفرّون من الصراعات في بلدانهم.

بيد أن أحد أبرز العوامل التي أدت إلى الطفرة الأخيرة في أعداد اللاجئين هو اليأس العميق السائد الآن في أوساط السوريين. فبعد سنوات أربع من الحرب الطاحنة، ومع غياب أي حل سياسي أو اختراق دبلوماسي، لا أفق لمستقبل زاهر لهم في سورية.

يسود هذه الجو القاتم من اليأس والاحباط أيضاً في صفوف السوريين اللاجئين في دول الجوار، خاصة في الأردن ولبنان حيث يقطن اللاجئون في فراغ قانوني وعالم من الشقاء والإحباط: فالعمل اللائق محظور، وتُفرَض قيود صارمة على تنقلاتهم، ويعتمدون على المساعدات الخارجية مكرَهين. وبالتالي، لا أفق لتأسيس أي مستقبل سواء لهم أو لأولادهم. ثم يأتي النقص في عملية تمويل الدعم الإنساني ليشكّل تهديداً لحياة العديد من اللاجئين.

إن غالبية اللاجئين الذين يتوجّهون نحو أوروبا يهربون مباشرة من سورية، لكن بعضهم أيضاً يغادر لبنان. وثمة دلائل الآن على أن المئات منهم يُقبلون يومياً على هذه الرحلات المحفوفة بالمخاطر. ويبدو الاندفاع الأكبر نحو المغادرة خصوصاً في صفوف السوريين الذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى المهنية، أو ماتبقى منها. فهم يجازفون بحياتهم وحياة أطفالهم للوصول إلى أوروبا، حيث يمكن أن تتوفر لهم مقومات الأمن، والأمان، وفرصة لتأسيس مستقبل كريم. كما تغادر أعداد كبيرة من الشبان، لتجنُّب التجنيد العسكري الإجباري الذي فُرض مؤخراً، والهرب من حرب لاعلاقة لهم بها.

سورية هي، إذاً، الحافز الأكبر على تدفّق اللاجئين، لكنها ليست الوحيدة. فالنزاعات الأخرى، على غرار تلك القائمة في الصومال وأريتريا، والتي شرّدت الملايين نتيجة الاضطهاد والقمع المستندَين إلى التمييز على أساس الهوية. وتلعب الاعتبارات العملية دوراً في عملية الهجرة الضخمة نحو أوروبا، والتي رُصدت مؤخراً، ومنها طرق العبور السهلة نسبياً من تركيا واليونان إلى البلقان، إضافةً إلى انخفاض سعر النقل من نحو 5000-6000 دولار إلى 2000-3000 دولار للشخص. كما أن تداعي الدولة المركزية في ليبيا فتح طريقاً جديداً للمهاجرين الاقتصاديين من أفريقيا.

على الجبهة الإقليمية، عنى استعداد دول الخليج لتقديم الدعم المالي لتمويل المساعدات الإنسانية وامتناعها عن استقبال اللاجئين، انحسار الملاذات الآمنة للاجئين الفارين من الحروب الطاحنة في سورية والعراق. وفي هذا السياق، تمثل أوروبا فسحة الأمل الوحيدة لاستقرار منشود ووعد بمستقبل ممكن.

كيف يغيّر دفق اللاجئين الشرق الأوسط؟

مهى يحيَ: عدا الأبعاد الإنسانية الهائلة لهذه الأزمة، تشكل موجات النزوح السكانية هذه عملية دفع وتغيير جذري للمسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل دولة على حدة وللمنطقة ككل. فالنزوح القسري والتبادل السكاني بناءً على الهويات الإثنية والطائفية، يعيدان تشكيل الخرائط السياسية في سورية والعراق، ويهدّدان بتقويض النظم الاجتماعية في لبنان والأردن. كما أنهما يدفعان المجتمعات المحلية نحو العسكرة المتزايدة، حمايةً لأنفسهم ودفاعاً عن أرواحهم.

في هذه الأثناء، أدّت الحروب القائمة وأزمة اللاجئين الى نشوء طبقة دنيا جديدة من المواطنين المُفقرين، كما أنها تهدّد مستقبل أجيال الناشئة، وتجعل البعض عرضةً إلى خطر الانضمام إلى الحركات المتطرفة. إذ يعيش اللاجئون والنازحون في بلادهم حالة من الإقصاء ويُدفَعون إلى هامش الحياة، فلا قدرة لديهم على إعادة تكوين حياتهم أو توفير مستوى معيشة لائق. وتدل المؤشرات على تراجع مخيف في مكتسبات التنمية السابقة وخصوصاً في التعليم، والعناية الصحية، والأمن الغذائي. لقد انزلق نحو 80 في المئة من السوريين إلى لُجج الفقر، وبات 9.8 مليون منهم يفتقدون إلى الأمن الغذائي، وأصبح نحو مليوني طفل خارج صفوف الدراسة. وفي الدول المضيفة، يتجلّى سباق نحو القاع، حين بات اللاجئون المُفقرون يتنافسون مع المواطنين الذين لايقلّون عنهم فقراً لتحصيل لقمة العيش.

في هذا الإطار، يُدفع اللاجئون إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تهدّد مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم، بما في ذلك إخراج أطفالهم من المدارس، ومراكمة ديون فلكية (بالنسبة إليهم)، والانخراط في نشاطات غير قانونية. وإذا لم تعالج هذه الأمور، ستقع المنطقة أسيرة حلقة خطرة من الهشاشة لعقود.

كيف تعاطت بلدان في الشرق الأوسط وفي المجتمع الدولي الأوسع مع هذه الأزمة حتى الآن؟ 

مروان المعشر: أبلى كل من الأردن ولبنان، وهما الدولتان الجارتان اللتان تعرّضتا إلى أقصى وتائر الإجهاد والضغوط، بلاء حسناً بشكل ملفت في التعاطي مع أزمة اللاجئين. وهذا صحيح خاصة حين نضع في عين الاعتبار حجم الأزمة وضيق إمكانيات الدولتين. فهما لم تغلقا حدودهما ووفرتا مايمكن توفيره من إغاثة للاجئين. بيد أن دفق اللاجئين، مع ذلك، يُعتبر مشكلة كبرى لكلا الدولتين.

على الرغم من أن بعض اللاجئين يعملون بشكلٍ غير قانوني للحفاظ على البقاء، إلا أن أجورهم أدنى بكثير مما قد يحصلون عليه لو أن العمالة القانونية متوفّرة لهم. ثمة مقولات مقنعة تدعو الحكومة الأردنية على وجه الخصوص إلى السماح للاجئين بالعمل في بعض القطاعات التي تقوم، على أي حال، بتوظيف عمالة أجنبية، لأن هذا سيسمح للاجئين بتحقيق اكتفاء ذاتي أكبر، ويقلّص التوترات بين اللاجئين والسكان المحليين، ويضعف التوجهات المتطرفة، هذا علاوةً على أنه قد يفيد الاقتصاد.

حجم اللاجئين الكبير هو أزمة في حد ذاتها. فلبنان، وهو بلد صغير لايصل تعداد مواطنيه إلى أكثر من خمسة ملايين نسمة، لديه مليون لاجئ سوري. والأردن، الذي يَعُد أقل من سبعة ملايين نسمة يستضيف أكثر من 600 ألف لاجئ سوري، إضافةً إلى نحو 800 ألف سوري كانوا يعيشون في البلاد قبل اندلاع الأزمة، وفقاً لمعطيات الحكومة.

حتى قبل بروز أزمة اللاجئين، كان الأردن ولبنان يعانيان من صعوبات اقتصادية جمة. فالدين العام ومستويات البطالة كانا مرتفعين، وكلا البلدين غير حائزين على نوع الموارد المالية أو القدرات التي تمتلكها البلدان الأوروبية.

إن معظم المساعدات التي تعهّد بها المجتمع الدولي حتى الآن تركّز على الإغاثة الإنسانية. وبالطبع، الغذاء والمأوى ضروريان، خاصة مع اقتراب موسم الشتاء. بيد أن بلدين مثل الأردن ولبنان يحتاجان إلى أكثر من الطعام والمأوى للاجئين. إنهما يحتاجان إلى المساعدات الموجّهة نحو تمكين اللاجئين على المدى الطويل. لكن هنا ليس ثمة سوى تركيز محدود على التعليم أو على مجالات أخرى قد تضمن أن يحوز هؤلاء اللاجئون على المهارات الضرورية ليصيبوا النجاح في الحياة وكي لايقعوا في لُجج التطرف.

إن كلاً من أوروبا والولايات المتحدة لعبتا دوراً هامشياً في التعاطي مع أزمة اللاجئين في المنطقة، وتركت البلدان المجاورة لسورية تتخبط فيها بمفردها. لكن لم يعد بالإمكان تجاهل هذه الأزمة.

كيف يتوجّه اللاجئون إلى أوروبا، وهل سينحسر الدفق في وقت قريب؟

مارك بيريني: تتكوّن طفرة المهاجرين هذه السنة إلى أوروبا من طالبي اللجوء على وجهٍ أخص. ويمكّن بروز شبكات مهرّبين فعّالة وضليعة بالتكنولوجيا هؤلاء المهاجرين من خوض غمار رحلاتهم.

طالبو اللجوء هؤلاء مصمّمون بشكل مطلق، إذا جاز التعبير، على الوصول إلى أوروبا، بغض النظر عن المخاطر والصعوبات التي يتضمنها ذلك. كما أنهم مستعدّون لدفع كميات أموال مذهلة إلى الوسطاء للقيام بهذه الرحلات. واستناداً إلى عدد الساعين إلى الحصول على اللجوء الذين تسجّلوا لدى الاتحاد الأوروبي في الفترة بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو 2015، ومع تقدير محافظ لتكلفة الرحلة من سورية/تركيا إلى أوروبا (2500 يورو أو 2800 دولار)، فإن المجموع سيكون مليار يورو خلال فترة نصف سنة فقط. علاوةً على ذلك، بات المهرّبون أكثر حنكة ودهاء.

في هذه الأثناء، لم تحاول تركيا، وهي معبر اللاجئين إلى أوروبا، أن تسيطر بجدية على تحركات اللاجئين على طول سواحل بحر إيجه. كما أن السلطات هناك تغض الطرف عن تهريب البشر وعن المهنة المتنامية المتعلّقة بتزوير جوازات السفر السورية.

والحال أن لتركيا مسؤولية جديدة في هذه الأزمة الصعبة. فعلى الرغم من أن الحكومة التركية تشتكي من أنها لم تتلق مايكفي من المساعدات من الاتحاد الأوروبي طيلة السنوات الماضية، إلا أنها كانت أعلنت في العام 2011 أنها لن تقبل مساعدات وفق شروط الاتحاد الأوروبي، وأنها تريد أن تستلمها في شكل شيكات على بياض باسم دائرة الطوارئ التابعة لها. لكن، ليس في وسع تركيا أن تتنحّى جانباً وتكتفي بمراقبة زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي الكاسحة لأوروبا، فيما هي تسعى إلى الانضمام إليها.

لايُتوقع أن تنحسر أزمة اللاجئين إلى أوروبا قريباً. والسبب الرئيس هو أن هناك ملايين من اللاجئين غير قادرين على العودة إلى وطنهم: فمن سورية وحدها هناك 4 ملايين لاجئ في الدول المجاورة ونحو 8 ملايين نازح داخلياً.

وثمة سبب مهم آخر هو أن الحشد العسكري الروسي في سورية سيخلق لامحالة الخوف من تفاقم القتال وتزايد أعداد الضحايا، ماسيدفع مزيداً من الناس إلى محاولة اللجوء إلى خارج سورية، كما سيدفع من غادر البلاد إلى البقاء خارجها.

علاوةً على ذلك، تُغذّي حقيقة أن ألمانيا تتوقّع أن تستقبل 800 ألف لاجئ، آمال الساعين إلى اللجوء بأن لديهم فرصة معقولة لطرق أبواب أوروبا التي يعتبرونها ملاذاً أكثر أمناً من أي خيار آخر (مثل منطقة الخليج) في مجالات الأمن، والحقوق، والفرص.

ويعتقد الساعون إلى اللجوء أنه في ظل الوضع الراهن، ليس ثمة مايخسرونه في خوض عباب هذه الرحلة الخطرة.

هل كانت أوروبا مستعدة لمثل هذا التطور؟

جان تيشو: على المستوى التحليلي، لم تكن أوروبا غير مستعدة لتلقي هذا السيل الكبير من اللاجئين، الذين تطوّر إلى هجرة جماعية كبيرة خلال الصيف. إذ سبق للخبراء في مختلف حقول السياسة (الهجرة، الأمن، التنمية، البيئة) أن حذّروا من مخاطر الهجرة العشوائية نحو أوروبا.

لكن سياسياً، كانت أوروبا غير مستعدة البتة. المعرفة هنا لم تتحوّل إلى عمل.

والأهم أن هذه الأزمة عصفت بعنفٍ بأوروبا، لأنها شكّلت فشلاً طويل الأمد في السياسة العامة في دزينة من القضايا في آن. فمن الهجرة إلى سياسات الإدماج، ومن السيطرة على الحدود إلى مكافحة الجريمة، ومن المساعدات الإنسانية إلى التضامن الداخلي وتقاسم الأعباء، ومن سياسة التجارة إلى التعاون التنموي، ومن التدخلات العسكرية إلى السياسة الأوروبية حيال الجيران، فشلت أوروبا بشكل متّسق وشامل إلى درجة أن تصحيح هذه القضية متعددة الأوجه يُعتبر من أكثر المهام تعقيداً، والتي يتوجَّب على الأوروربيين مواجهتها بشكلٍ مشترك. لقد تغاضى الأوروبيون عن حجم هذه المشكلة، ولذلك  اجتاحهم على قدم المساواة حجم الأزمة الذي خلقه هذا الفشل.

لقد تجنّب السياسيون على وجه الخصوص الجانب الإدماجي المتعلق بقضية اللاجئين. ويعود هذا جزئياً إلى مسألة الإيديولوجيا. إذ لطالما جادل اليسار السياسي ضد سياسات الهجرة، لأنه خشي أن يؤدي وضع قواعد ثابتة إلى الحد من الهجرة. وفعل اليمين الأمر نفسه ولكن لسببٍ مناقض تماماً: فهو خشي أن تؤدي مأسسة الهجرة إلى فتح مسارب فيضان الهجرة. وكلا الموقفين يشكلان تحالفاً رسمياً كبيراً ضد حل المشكلة بشكل براغماتي.

ثم هناك القضايا العاطفية المتعلقة بالهوية، التي كانت من أكثر القضايا إثارة للاهتمام، وأطلقت ردود فعل مصمِّمة على حماية المصلحة القومية من الدفق الكاسح للأجانب إلى البلاد.

البلدان التي وضعت سياسات هجرة حسنة التطور، على غرار بريطانيا، كانت أفضل استعداداً. أما البلدان الأخرى التي ليس لديها تقليد إدماج أعداد كبيرة من الأجانب في الكتلة العامة لشعوبها، فقد صدّت احتمال إدخال قسم من اللاجئين إلى أراضيها.

نتيجةً لذلك، بات من الصعب للغاية تنظيم تقاسم الأعباء بشكل متوازن بين الدول الأعضاء. وهكذا برز انقسام بين الشرق والغرب. وعلى الرغم من أن المجلس الأوروبي فرض حلاً وسطاً لهذه القضية، إلا أن التوترات لاتزال حادة، وستواصل مسألة اتخاذ القرار مواجهة المصاعب.

إن سياسات الهوية والمشاعر المناوئة للاتحاد الأوروبي، كانت منتشرة قبل وصول دفق اللاجئين إلى عتبة أوروبا. وبالتالي، ستكون محاولة إدماج مئات آلاف اللاجئين في الدول المُضيفة أمراً شاقاً.

كيف ستؤثر هذه الأزمة على الاستقرار السياسي في أوروبا؟

ستيفان ليهني: الأزمات تطلق الأسوأ والأفضل لدى الناس. الدفق الكاسح والمفاجئ للاجئين أثار استعداداً مذهلاً للمساعدة، علاوةً على موجة متدفقة من العداء للأجانب وإحراق منشآت اللاجئين. وأي نوع من هذين الردّين ستكون له اليد العليا، سيعتمد إلى حدٍّ كبير على القيادة السياسية.

يتفق معظم الخبراء على القول إن أوروبا تحتاج إلى الهجرة للتعويض عن أوضاعها الديموغرافية المتدهورة، ولاستعادة النمو، وللحفاظ على أنظمة الرعاية الاجتماعية. والموجة الحالية من اللاجئين هي أمر جيد لأوروبا على المدى الطويل.

بيد أن المشكلة في المرحلة الراهنة هي أن عملية الهجرة فوضوية بشكل فاقع. والعديد من الناس يعتبرون أن تجوّل أمواج من الناس في شوارع أوروبا يهدّد نمط حياتهم الراسخ. ولذلك، تشهد الحركات الشعبوية التي تضرب على وتر هذه المخاوف صعوداً في العديد من البلدان. وبالنسبة إلى هذه المجموعات، المشاعر المناوئة للهجرة تمضي يداً بيد مع رفضها للاتحاد الأوروبي الذي تُنحى عليه الآن لائمة فقدان السيطرة.

أما أحزاب التيار العام فهي تتأرجح بين تبنّي قضية الترحيب باللاجئين (خاصة في ألمانيا، حيث اليمين الشعبوي من المحرمات لأسباب تاريخية)، وبين السياسات المقيّدة للهجرة والمتجاوبة مع مخاوف السكان. وفيما تبقى السياسات قومية في أوروبا إلى حدٍّ كبير، يبرز إغراء لهذه الأحزاب كي تعيد إنتاج السيطرة من خلال وسائل قومية. وهنا يكمن التهديد الحاد لنظام تأشيرة الشنغن (Schengen).

إذا ما استمرت التوجهات الراهنة، ستزداد التوترات حدة بين حكومات الاتحاد الأوروبي. وهذا سيؤدي إلى إعادة فرض القيود على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وستتأثر سياسات اللجوء ومعها آفاق الاتفاق على طريقة عادلة لتقاسم الأعباء.

في حين يبدو كل ذلك صعباً للغاية، إلا أنه لايزال الجزء الأسهل. فالمهمة الحقيقية هي كيفية دمج الواصلين الجدد بفعالية، وتجنّب بزوغ غيتوات ومجتمعات موازية جديدة. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يتمكّن فيها الأوروبيون من الحفاظ على الثقة المتبادلة حول أي نمط حياة سيبقى. وليس ثمة تحدٍّ أكبر من هذا يواجه أوروبا اليوم.

ما نوع ردود السياسة العامة التي يحتاجها الوضع الآن؟

بيار فيمون: الردود المناسبة لاتُحدَّد إلا بالتقدير الدقيق للتحديات التي تثيرها الأزمة الراهنة. القضية، إذاً، هي كيف نعالج المستقبل الذي يعج باليأس الذي يواجهه المهاجرون، وكيف نتقدم بالردود المناسبة للحالات العاجلة في المدى القصير، فيما نحن نتصدى أيضاً للمشاكل البنيوية الأكثر صعوبة.

على المدى القصير، الأولوية القصوى للأوروبيين هي ترتيب بيتهم الداخلي والتقيُّد بقواعدهم الداخلية الخاصة والمعاهدات الدولية، مع إحساس أكبر بالتضامن والمسؤولية. ثم يتعيّن على الأوروبيين زيادة انخراطهم مع بلدان الجبهة الأمامية - ليس فقط الأردن ولبنان وتركيا، بل أيضاً إثيوبيا وكينيا ودول عدة أخرى - التي تأوي الآن العديد من اللاجئين.

إذا ماشئنا إقناع اللاجئين السياسيين بالبقاء في بلدان العبور، فيجب أن نوفّر لهم معيشة لائقة، مع فرص واقعية للحصول على الغذاء والرعاية الصحية، والعمالة المؤقتة، وتعليم أطفالهم. وهناك أعمال إضافية يجب القيام بها في سورية من خلال إقامة مناطق إنسانية مقبولة من جانب كل الأطراف.

هذه الجهود يجب أن تُستكمل عبر التطرق إلى جذور المشكلة عبر إنجازات محدّدة. في العراق وليبيا وسورية، يتعيّن زيادة وتيرة الجهود الدبلوماسية بين الشركاء الدوليين، بناء على ماحققته الأمم المتحدة. كما يجب إشراك القوى الإقليمية الرئيسة، التي قاومت حتى الآن تقديم أي تنازلات حقيقية، في هذه الجهود. ثم: لماذا لايتم استضافة مؤتمر دولي مكرّس لأمن كل الشرق الأوسط؟ إن مثل هذا المؤتمر سيتطرق إلى الأزمات الراهنة ومختلف الأزمات الإقليمية بهدف إقناع السعودية وإيران بالانضمام إلى صفقة متوازنة، آخذين في عين الاعتبار مصالحهم القومية المتباينة. وفي هذا السياق، يمكن للأزمات الأخرى في اليمن وشمال نيجيريا ومنطقة الساحل أن تفيد من اهتمام مماثل، لأنها كلها قد تزيد من وتيرة تدفق اللاجئين.

العمل على القبض على جذور الأزمة، يعني أيضاً بذل بعض الجهود الجدّية لتوفير آفاق اقتصادية للاجئين من أفريقيا وجنوب آسيا. كما أن تحسين دورة تحويلات العاملين إلى ذويهم، وإشراك الشتات في الاستثمارات المنتجة في بلدان المنشأ، ودعم صغار أصحاب المشاريع، وبشكل أكثر عمومية وضع برامج مكرَّسة لخلق الوظائف حيث تتواجد جاليات اللاجئين راهناً أو حيث يمكن إعادة دمج المهاجرين حين يعودون إلى أوطانهم. كل هذه الخطوات يجب أن تحظى بالتشجيع كدليلٍ على استعداد المجتمع الدولي لمواجهة تحديات الهجرة.