على الرغم من تعهد أجندة الأمم المتحدة الجديدة للتنمية المستدامة للعام 2030 بعدم التخلى عن أحد، إلا أنها أغفلت أكبر أزمة يشهدها عالمنا المعاصر، وهى أزمة الهاربين من نزاعات مستعصية، وقد بلغ عددهم فى الوقت الراهن نحو 60 مليون شخص من جميع أنحاء العالم. ففى العام 2014، أرغم ما معدله 50 ألف شخص يوميا على الهروب من منازلهم بسبب حروب ناشئة وأعمال عنف ضارية، ويشكل الأطفال ما دون سن الـ18 أكثر من نصف عدد النازحين. ولو كان للاجئين المنتشرين فى العالم أن يشكلوا دولة، لكانت احتلت المرتبة الرابعة والعشرين عالميا من حيث عدد السكان.

لكى تكون الأجندة الانمائية الجديدة فعلا تحويليا، ينبغى أن تدمج قضية اللاجئين والنازحين داخليا ومحنتهم، واعتبارها عنصرا أساسيا فى عملية إرساء السلام والأمن. ويقتضى هذا الأمر اتخاذ إجراءات عدة للربط بين أهداف متباينة، ومن ضمنها تلك المتعلقة بالفقر، والتعليم، والصحة، والشراكات من أجل التنمية.

مهى يحيَ
يحيَ مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على المواطنة، التعددية والعدالة الاجتماعية في أعقاب الانتفاضات العربية.
More >

يكمن الإنجاز الرئيسى للأجندة التنموية الجديدة، ولاسيما الهدف 16 حول السلام والأمن والنهج الشامل للجميع، فى تشديده على الترابط الوثيق بين الصراعات والتنمية؛ أى اعتبار النمو المتعثر واللامساواة محركين أساسيين للصراعات والحروب، والاعتراف بأن العنف يقوض النمو. ويتجلى هذا الأمر فى سوريا، حيث يعيش 80 فى المائة من السكان تحت خط الفقر، نتيجة الدمار الهائل فى البنى التحتية الاقتصادية والمادية الذى قوض سبل العيش الكريم للكثيرين من السوريين.

مع ذلك، تركيز هذا الهدف على هياكل الحكم وبناء المؤسسات يجعل من إدماج الملايين من اللاجئين والمشردين أمرا فى غاية الصعوبة. ولعل سوريا تشكل مجددا أكبر مثال على حجم التحدى فى الدول التى تنزف بشرا، حيث أدى الصراع إلى هروب نحو 12 مليون شخص من منازلهم و4 ملايين منهم إلى خارج البلاد. إضافة إلى ذلك، فى بلدان مثل العراق وأفغانستان وجمهورية أفريقيا الوسطى، أجبرت مجتمعات محلية إثنية ودينية بأكملها على النزوح من مناطق قطنتها على مدى قرون. أما بالنسبة إلى بلدان اللجوء، ولاسيما الأوروبية منها، فيسود الارتباك فى ظل غياب استراتيجية متسقة، فيما يواجه قادة هذه البلدان ضغوطا متزايدة من جانب مواطنيهم لقبول المزيد من اللاجئين.

ولذا على المجتمع الدولى أن يتحمل مسئولية ضمان تقديم الدعم اللازم للهاربين من حروب افترست أوطانهم. فنقص التمويل لوكالات الأمم المتحدة لتأمين الخدمات الضرورية، مثل الغذاء والصحة والمأوى والتعليم، للاجئين فى الشرق الأوسط وأفريقيا ليس مروعا وحسب، بل يشكل خطرا على حياة اللاجئين ويوفر أرضا خصبة لنشوب صراعات فى المستقبل. على سبيل المثال، تعهد المجتمع الدولى بتقديم 1.67 مليار دولار فقط من مبلغ 4.53 مليار دولار الذى تحتاج إليه برامج المساعدات فى تركيا والأردن ولبنان والعراق. ويُعتبر تدفق اللاجئين إلى أوروبا فى الأسابيع الأخيرة إحدى نتائج هذا النقص الحاد فى الدعم الإنسانى، فى الوقت الذى تحتدم فيه الصراعات ويقترب فصل الشتاء وتصبح آفاق المستقبل قاتمة أكثر من ذى قبل.

ثمة حاجة إلى الجمع بين الدعم الإنسانى وبين المبادرات التنموية. ومن الأمور الملحة فى هذا الإطار، توفير خدمات تعليمية لأكثر من 28 مليون طفل تركوا مدارسهم بسبب صراعات قائمة فى دولهم، ما يفاقم معاناتهم ويهدد مستقبلهم. تشكل بعض المبادرات الراهنة بداية جيدة، ومنها الشراكة بين منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» وبين المجلس النرويجى للاجئين لتقديم برامج التعليم غير النظامى للأطفال اللاجئين، لكن ينبغى بذل جهود أكبر بكثير.

تقتضى الخواتيم المستدامة للحروب القائمة معالجة الأسباب الجذرية للعنف، بما فى ذلك الإقصاء السياسى والاجتماعى الاقتصادى واللامساواة. كما تقتضى احترام حق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال. فهذان أمران ضروريان إذا ما أريد للبلدان الخروج من دوامة الصراعات التى تشهد حلقات عنف متكررة، نتيجة تجاهل التظلمات الرئيسة للفئات المتصارعة والتغاضى عن إرساء أسس للعدالة. ويمكن فى هذا الصدد استخلاص الدروس من عمليات السلام التى تمت فى كمبوديا وإيرلندا الشمالية.

على مستوى البلدان المضيفة، تُعتبر الإجراءات الرئيسة الرامية إلى دمج اللاجئين ضرورية للتخفيف من إمكانية نشوء توترات مجتمعية فى المستقبل. وقد تشمل هذه العملية أهدافا لتحقيق التكامل الاقتصادى والاجتماعى والسياسى. السويد التى استقبلت عددا أكبر من اللاجئين «بالنسبة إلى عدد مواطنيها» من أى دولة أوروبية أخرى، بما فى ذلك أكثر من 30 ألف سورى فى العام 2014 – ربما تشكل أفضل نموذج لكيفية الاستفادة من المواهب الغضة الجديدة التى يوفرها اللاجئون. فهى تستثمر فى إمكانية توظيف كل شخص من خلال برنامج إدماج اللاجئين فى سوق العمل، والذى تديره خدمة التوظيف العامة السويدية. إذ يقيم هذا البرنامج مهارات اللاجئين، ثم ينسق مع القطاع الخاص لتحديد فرص العمل المناسبة لهم فيما يتعلمون اللغة السويدية. وهكذا يساعد هذا البرنامج الأسر على التكيف مع محيطهم الجديد، لكى يصبحوا مع الوقت جزءا لا يتجزأ من المجتمع السويدى. إضافة إلى ذلك، يخفف هذا البرنامج من العبء القائم على الحكومة لتوفير الدعم المطلوب للنازحين، ويسمح لها بمعالجة نقص العمالة الناجم عن تقدم السكان فى العمر.

لا ينبغى النظر إلى اللاجئين على أنهم يشكلون عبئا. ذلك أنهم يساهمون بشكل فعال فى المجتمعات المضيفة إذا ما حصلوا على التعليم المناسب وفرص العمل. فلنتذكر أن البعض من أهم المبدعين الرائدين فى عصرنا هذا كانوا من اللاجئين يوما ما، ومن ضمنهم مؤسس شركة أبل ستيف جوبز، والمحلل النفسى سيغموند فرويد، والفنان مارك شاغال والفنانة التشكيلية منى حاطوم، ووزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر، والروائية إزابيل أليندى، وكثر غيرهم. فمن أجل بناء المستقبل الذى نريده من دون أن نتخلى عن أحد، لابد من توفير الظروف الضامنة التى تتيح للأشخاص العاديين أن ينجحوا، وتسمح بظهور عدد أكبر من الرواد الجدد. وكما يبدو واضحا، نحن ندفع ثمن عدم القيام بذلك فى عالمنا اليوم.

تم نشر هذا المقال في الشروق.