يُظهر فوزُ اللجنة الرباعية للحوار الوطني في تونس، والتي تتكوّن من أربع منظمات أدّت دوراً أساسياً في محاولة تونس بناء دولة ديمقراطية تعدّدية بعد ثورة العام 2011، بجائزة نوبل للسلام أهمّيةَ السياسات الشاملة للجميع لبناء ديمقراطية فعّالة.  

فعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية بين القوى العلمانية والدينية، استطاع الشعب التونسي بعد سنوات ثلاث وحسب من الثورة الاتفاقَ على دستورٍ يؤمّن مكانةً لجميع الأفرقاء في المجتمع، ويعزّز التداول السلمي للسلطة، ويعطي كامل الحقوق للمرأة، ويحمي حريّة الرأي والمعتقد. 

شكّلت تونس، حتى الآن، استثناءً في المنطقة. ففي مصر، عَنَت سياسات الإقصاء التي اتّبعتها القوى الإسلامية وما يُسمّى بالقوى الليبيرالية العلمانية، أن البلاد لاتزال تتخبّط في أزمة اقتصادية كبرى وفي جمود سياسي. أمّا دول الخليج، فتتصرّف وكأن هذه المشكلة اقتصادية وحسب. وفي سورية والعراق، يستهدف تنظيم الدولة الإسلامية تنوّع المنطقة الثقافي والديني ويهدّد قروناً من العيش المشترك.   

العالم العربي منطقة متنوّعة لم تحترم تنوّعها. إذ تميّزت العقود الأخيرة في العالم العربي بغياب شبه تام لخطابات التنوّع والتعدّدية. من غير المستغرب، إذاً، أن تكون المنطقة قد انفجرت بعد عقودٍ من إهمال الحوكمة الجيّدة والتنمية الاقتصادية.

أظهرت تونس أن المعركة الأساسية في العالم العربي، لاينبغي أن تقتصر على محاربة الحكم الاستبدادي وحسب، بل يتعيّن أن تتمحور حول التعدّدية. كما يجدر بالإسلاميين والعلمانيين، على حدٍّ سواء، أن يسهّلوا الالتزام بالتعددية باعتبارها شرطاً أساسيّاً ولازباً للتوصّل إلى تجدّدٍ سياسي واقتصادي مستدام في الشرق الأوسط. وإذا كان ثمة أمل لبزوغ الديمقراطية في المنطقة، فيجب خوض المعركة على جبهتين في آنٍ؛ توفير الحق العالمي في المشاركة السلمية في المعترك السياسي، والنضال ضدّ احتكار الحقيقة أو السلطة.

باستثناء تونس، لم يسلّط أي بلد الضوء على هذا التحدّي. فعلى الدول العربية التي تخوض مراحل انتقالية وتلك التي لم تمرّ بهذه المراحل بعد، أن تقتنع بأنها إن أرادت أن تحافظ على نفوذها، عليها أن تتقاسمه. غير أن التوترات الطائفية اليوم تمزّق الدول العربية. فبدءاً من سورية وصولاً إلى لبنان والعراق، تُصنَّف الدول أكثر فأكثر بحسب مايفرّقها. وهذه التوترات واضحة جدّاً في بلادٍ رسمت حدودها قوى استعمارية وانبثقت عن معاهدة سايكس - بيكو الشهيرة في العام 1916 التي قسّمت بلاد الشام بين فرنسا وبريطانيا. وعلى الرغم من مرور قرابة قرنٍ على هذه المعاهدة، حافظت حكومات هذه البلاد على الاستقرار من خلال استخدام القوّة  بدل السعي إلى تعزيز حسّ المواطنة التي تتفوّق فيها الهويّة الوطنية على الانتماءات الأخرى. 

يتعيّن على العالم العربي أن يسلك مساراً مختلفاً إذا ما أراد تحقيق الاستقرار والازدهار. كما ينبغي النظر إلى تنوّعه الثقافي والإثني والديني على أنه مصدر قوة لامصدر ضعف. على الحكومات العمل على تعزيز حسّ المواطنة الذي يقدّر قيمة التنوع، عوضاً عن الانتماء الفئوي الضيّق الذي يشدّد على تفوّق مجموعات معيّنة على أخرى.

يجب أيضاً إعادة صياغة النظم التعليمية، ذلك أن الأنظمة المدرسية في العالم العربي تفتقر إلى مفهوم احترام "الآخر". لذا، يجب أن تكون حرية الاختلاف مصانة بموجب القانون. فمن شأن تكريس حرية التعبير والمعتقد في عقودٍ اجتماعية جديدة بين المواطنين وبين حكوماتهم أن يضمن خوضَ مرحلة انتقالية أكثر سلاسة، وطمأنةَ جميع المواطنين بأن حقوقهم الأساسية ستحظى بحماية الحكومة. ونتيجةً لذلك، سيتعزّز التماهي مع الدولة.

يقف العالم العربي أمام خيارَين فاقعَين: إمّا النهج التونسي التعدّدي والشامل للجميع، الذي سمح لتونس بالحصول على جائزة نوبل ومهّد لها الطريق نحو بناء مجتمع ينعم بالاستقرار والازدهار؛ أو الممارسات الوحشية والإقصائية التي يتبعها تنظيم الدولة الإسلامية، والتي أدّت إلى دمارٍ بشريّ وانهيارٍ قِيَمي. فالعالم العربي يستطيع، لابل يتعيّن عليه، أن يخوض النضال من أجل التعددية.

نُشر هذا المقال أساساً في موقع ذي غلوب أند ميل.