سُلّطت الأضواء مجدداً على تونس عقب فوز مجتمعها المدني بجائزة نوبل للسلام. وكان للجائزة وقع كبير ليس في تونس فقط بل في العالم، لتكريمها جهود أربع منظمات تونسية في تذليل الأزمة التي عرفتها البلاد عقب اغتيال السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، والاحتجاجات الضخمة التالية. وأثار فوز تونس بالجائزة شعوراً عارماً بالفخرِ لدى التونسيين والتونسيات، وايضاً مخاوف عميقة حول مآل ديموقراطيتهم الواعدة.

ويعبّر تكريم تونس ومنظماتها عن تقدير المجتمع الدولي للجهود السعي لإرساء مبادئ التوافق كدعامة أساسية لحكم تونس الجديدة، وإشارة حاسمة الى الدور المحوري للمجتمع المدني في بناء الحاضر والمستقبل، على رغم تحولات سياسية مربكة ومخيفة تعصف ليس بتونس فحسب، بل بالمنطقة العربية ككل.

تتشكّل منظمات المجتمع المدني الفائزة التي عرفت لاحقاً بالرباعي الراعي للحوار، من الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (الأعراف)، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، والهيئة الوطنية للمحامين. وأشارت نوبل الى مساهمة الرباعي كـ «مساهمة مصيرية في بناء ديموقراطية تعددية» وانتشال البلاد من لجج الانحدار نحو الفوضى والعنف، عبر وضع أسس لحوار وطني شارك فيه 21 حزباً من مشارب مختلفة، والمدماك الرئيس لإرساء المبادئ الجوهرية للدستور الجديد، ومنها المواطنة المتساوية والعادلة، كمكوّن أساسي للعلاقة بين الدولة ومواطنيها والأطياف المجتمعية المختلفة. كما سمح الحوار للمشاركين بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية وتمكين الانتقال السلمي للسلطة.

بيد أن هذا التوافق بات عرضة للخطر بسبب الخريطة السياسية التي فرزتها الانتخابات الأخيرة، وكرّست «نداء تونس» العلماني لاعباً أكبر في البلاد. فهو يسيطر على المراكز السياسية الأهم ومنها رئاستا الجمهورية والبرلمان، فيما يرأس الحكومة شخصية مستقلة ولكن قريبة منه. وكان «نداء تونس» اختار ان يشكّل حكومة توافقية تضم ائتلافاً مع الأحزاب الأربعة الاساسية المنبثقة من الانتخابات ومنها «حركة النهضة» الاسلامية.

وقد تطيح الانقسامات داخل «نداء تونس» هذه الحكومة، خصوصاً بسبب الصراع بين الجناح اليساري ممثلاً بمحسن المرزوق، الأمين العام للحزب، ونائب رئيس الحركة حافظ قائد السبسي، ابن الرئيس وممثل الجناح الدستوري المعارض لليساريين. وكانت آخر تجليات الصراع استقالة الوزير الأزهر العكرمي الموالي للمرزوق من الحكومة بحجة عدم قدرة حزبه على مجابهة «الفساد المستشري»، فيما تتصاعد المطالبة من الفريق نفسه باستقالة رئيس الوزراء الحبيب الصيد بحجة انه لم يلبِ شيئاً من توقعات التونسيين وآمالهم.

وعليه، يجب الإتيان برئيس حزبي قوي وقادر على اتخاذ وتنفيذ القرارات، وغير محكوم بسقف التوافق مع الكتل المشاركة في الحكومة، خصوصاً «النهضة». وسيؤدي التشظي في «نداء تونس» الى تكريس «النهضة» لاعباً رئيساً، على رغم التذبذبات الداخلية التي طاولته أيضاً بين جناحين عريضين، احداهما يدافع عن المشاركة في الحكومة والشراكة مع «النداء» بوصفها الاستراتيجية الأفضل لضمان أولوياته في صنع القرار وحماية الحزب من التهميش، والآخر ذو امتدادات جهوية ومحلية تخشى أن يخسر الحزب صدقيته عبر التحاقه بالنظام. لكن تماسك الحزب ليس عرضة للخطر حالياً، نظراً الى مكانة الأمين العام للحركة راشد الغنوشي لدى التونسيين كمرجعية دينية ومعنوية وسياسية.

كما أن الخلاف بين طرفين أساسيين في الرباعي، هما الاتحاد العام للشغل ومنظمة الأعراف، حول الاقتصاد، يهدد أيضاً بانفراط عقد الرباعي، خصوصاً في ضوء الدعم الذي تحظى به الأعراف عبر مشاركة عدد لا يستهان به من أعضائها في صنع القرار السياسي. ويتمحور الجزء الأهم من الخلافات حول الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لتحسين الاقتصاد وإرساء أسس العدالة الاجتماعية، وهي التي كانت سبباً أساسياً في اندلاع الثورة كالإصلاح الجبائي المطلوب وسياسات التسعير والدعم للمواد الأساسية ورفع الأجور للقطاع الخاص وغيرها. وتطغى اليوم الرؤية الاقتصادية لمنظمة الأعراف على الاستراتيجية التنموية المقدمة من الحكومة للسنوات الخمس المقبلة، ومنها أولوية الشراكة بين القطاعين الخاص والعام ومراجعة مجلة الاستثمار وغيره. وبالتوازي، رفضت الأعراف حتى مناقشة الزيادة المتوخاة لرواتب القطاع الخاص.

ومن أكثر المشاريع المثيرة للخلاف مما طرح مؤخراً مشروع المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي، والذي يهدف الى تسريع إغلاق ملفات الفساد المالي وتعزيز الثقة ببنية البلاد الاستثمارية. هذا القانون أطلق موجة انتقادات عارمة ومنها خرقه الفاضح للدستور، وتكريسه وسيلة الإفلات من العقاب وتجاوزه للقضاء وللسلطة التشريعية وللجنة الحقيقة والكرامة المكلفة رسمياً بملفات العدالة الانتقالية. وما تهديد الاتحاد العام للشغل بإضراب عام في القطاعين العام والخاص في سابقة تاريخية، الا إشارة الى حجم الأزمة القائمة.

ويكتسب التقدير الممنوح، عبر الجائزة، للمجتمع المدني كشريك أساسي في صياغة رؤية سياسية لتونس ما بعد بن علي والعمل على تنفيذها، أهمية قصوى على وقع عمليات المقايضة المطروحة بوتيرة متزايدة بين الحريات الأساسية التي يصونها الدستور والفزاعة الأمنية وحماية الاستقرار. وما يطرح اليوم ضرورة ايلاء الأولوية للأمن وللاقتصاد ولو على حساب الحريات الأساسية. فبين مطالبة الأعراف بشخص رئيستها وداد بوماشي بالعمل على منع التظاهر، لا بل تجريمه، ومبادرات القوى الأمنية المعنية بإقفال مؤسسات عدة بحجة علاقة ما مع التنظيم السلفي «أنصار الشريعة»، أضحت حقوق التونسيين الفردية، ومنها الحق في التظاهر للمطالبة بحقوق اقتصادية أو للتعبير عن سخط اجتماعي، عرضة للخطر.

وتشير التطورات المتسارعة الى إمكانية اندلاع صدام حاد بين الأطراف المختلفة، يُفقد النخبة السياسية قدرتها على صنع القرارات الفاعلة، وقد يسرّع وتيرة التدهور الاقتصادي والاختراقات الأمنية كالتي حصلت قبل أشهر في سوسة ومتحف باردو في العاصمة. كما تثير الانتخابات المتعددة المرتقبة في 2016 ومنها الانتخابات البلدية، وفي منظمة الشغل، المخاوف من طغيان السياسات الشعبوية على آليات صنع القرار. وتشكّل الانتخابات البلدية، إذا لم تفرغ من مضمونها، فرصة لإشراك المجتمعات المحلية في تحديد أولوياتها وصياغة سياقها التنموي.

... جائزة نوبل هي تذكير للجميع، وخصوصاً صنّاع سلام تونس، بأهمية التوافق في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد وعدم التفريط بالمصلحة العامة، خصوصاً مصلحة الطيف الأكبر من التونسيين والتونسيات، خدمة لمصالح ضيقة تعيد انتاج الوضع السياسي والاقتصادي لحقبة بن علي.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.