عمرو حمزاوي، صديق وزميل. وأهم من ذلك أنه مصري حتى النخاع. عندما بدأت الثورة في مصر العام 2011، ترك عمله في الخارج وعاد إلى مصر. كان يرغب في المساهمة في بناء مصر جديدة، لا يقوم استقرارها على الأمن المفروض بالقوة، ولكن على شعور مواطنيها بأنهم شركاء في صنع القرار كي يبنوا مصر آمنة ومزدهرة.

وكعلماني يؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية، وقف عمرو موقفاً مغايراً تماماً لفكر الأحزاب الإسلامية؛ من إخوان وسلفيين، وإن لم يقف ضد حقهم في العمل السياسي السلمي. وقد خاض الانتخابات في العام 2011 بناء على ذلك، فكان واحداً من قلة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة ممن حاز أفرادها على أغلبية مطلقة من الجولة الأولى لتلك الانتخابات. وأثناء صياغة الدستور المصري الجديد، وقف عمرو بشدة ضد الأغلبية الدينية التي حاولت، ونجحت في تمرير دستور لا يحظى بتوافق مجتمعي، ولا يسمح بالتأسيس لدولة ديمقراطية حديثة.

 

عمرو ليس من أنصار الإخوان أو السفليين. وهو، أيضاً، مؤمن تماماً بالعمل السلمي. لكنه اليوم خارج بلده، لأن الحكومة المصرية لا تحتمل قلمه، ولأن الاختلاف في الرأي بات ينظر إليه في مصر كشكل من انعدام الولاء.

حسام بهجت صديق مصري أيضاً؛ علماني مدني ديمقراطي حتى النخاع. عرفته مدافعاً عن حقوق الإنسان في مصر، بقلمه. حجته المنطق الهادئ والعلمي، وهدفه رفعة بلده واستقراره وازدهاره. حسام اعتقل قبل أسابيع لعدة أيام، لأنه نشر مقالاً اتُهم فيه بكتابة أخبار ضد الجيش المصري.

الأمثلة كثيرة في مصر هذه الأيام، لكن المجتمع الدولي لا يريد الخوض فيها. الخوف من الإسلاميين داخل النظام المصري ولدى المجتمع الدولي، أعاد مفهوم الإقصائية بشكل مقلق لمصر. إذ إن الخوف من الإسلاميين بدلاً من أن يؤدي إلى محاولة الخروج بعقد اجتماعي جديد يضمن لفئات المجتمع كافة حقوقها، كما فعلت تونس، فإنه يؤدي في مصر إلى محاولة إقصاء الإسلاميين بالقوة، وتصويرهم جميعاً على أنهم أرهابيون. والنتيجة أن المتضرر في مصر اليوم ليسوا الإسلاميين وحدهم، ولكن تعددية الفكر والرأي التي تشكل عاملاً أساسياً في تطور المجتمع.

مرة أخرى نرى المقاربة الأمنية تطغى على كل المقاربات الأخرى؛ ونرى المنطق السائد هو أن الأمن يجب أن يعلو على الحريات، لأن البلاد تتعرض لتهديدات إرهابية. وهو المنطق نفسه الذي قاد المصريين للنزول إلى ساحة التحرير بعد أن سُدت الآفاق في وجوههم.

لا نصنع معروفاً لمصر إن لم نصارحها بهذا؛ أن المعالجة الأمنية الصرفة لا تصنع أكثر من استقرار قصير المدى، وبالتالي زائف. الأمن والاستقرار الحقيقي لا يأتيان سوى من معالجة أسباب الاحتقان السياسي والاقتصادي والمجتمعي، وبناء المؤسسات التعددية الديمقراطية التي لا تتغول إحداها على الأخرى. عمرو وحسام سلاحهما القلم، ومصيبة إن عادت الدول لا تحتمل الكلمة.

تختلف المقاربة الأردنية عن مثيلتها المصرية، سواء في التعامل مع الإسلاميين، أو فيما يتعلق بحرية الصحافة. لكن وضعنا ليس مثالياً. وكما خطونا خطوة جادة في موضوع قانون الانتخاب، آمل أن نخطو خطوات مماثلة في إزالة باقي القيود المفروضة على حرية الرأي في قانون المطبوعات والنشر، وفي مجال المزيد من التشاركية والإدماجية في الحياة السياسية.

قد لا تكون التعددية والتشاركية شرطاً كافياً لتحقيق الاستقرار والازدهار، لكنهما بالتأكيد شرط ضروري، من دونهما يصعب التأسيس للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. عدا ذلك، سنبقى في دوامة الأمن الخشن الذي يؤدي إلى الانفجار الذي يقود بدوره إلى الأمن الخشن!

ألم يحن الوقت في العالم العربي لمشروع تعددي ديمقراطي حداثي مضاد، يعالج أسباب التحديات التي تواجه الدول العربية، ويقدم بديلاً مقنعاً لشعوب من حقها العيش بكرامة وبحبوحة؟

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.