توضح دراسة رائعة جديدة قام بها البنك الدولي بصورة قاطعة أن معظم الدول العربية كانت تحقّق تقدّماً اقتصادياً كليّاً كافياً، مقارنةً مع مناطق أخرى في العالم، عشية الربيع العربي في أواخر العام 2010. وبدعمٍ من الريع النفطي، كان نصيب الفرد من الدخل مرتفعاً نسبياً، وكانت معدّلات الفقر المدقع تنخفض، ومؤشرات التنمية الإنسانية الأوسع آخذة في التحسّن. مع ذلك، كان العرب، وبطريقة تنطوي على مفارقة، من أقلّ الناس رضاءً في العالم، ويشعرون بخيبة أمل بسبب النقص في الوظائف الجيدة، ونوعية الخدمات العامة، وعدم وجود مساءلة للحكومة.

كانت الفكرة الأساسية في التقرير، والمتمثّلة في أن دوامة انزلاق المنطقة إلى العنف والتطرّف تضرب جذورها في عقودٍ من إخفاقات الحوكمة الكارثية، معروفة منذ زمنٍ طويل، بيد أن كثيراً ماتمّ تجاهلها أو اعتبار التعاطي معها أمراً غير عملي. بالنسبة إلى الحكومات العربية، يتطلّب الإفلات من هذه الدوامة التركيز بصورة عاجلة على إدخال تحسينات على الحوكمة وجعلها أكثر قابلية للمساءلة. أما بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، فهذا يعني اتّباع مقاربة ترتكز على هذه العجوزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على المدى الطويل.

سلّط المؤتمر، الذي عُقد في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 29 تشرين الأول/أكتوبر الماضي تحت شعار "فهم عوامل عدم الاستقرار في العالم العربي"، الضوء على أهمية تحدّيات الحوكمة المُشار إليها آنفاً. كما شهد المؤتمر إطلاق مشروع "آفاق العالم العربي" لتقصّي الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في هذه المنطقة من العالم.

لقد دقّت أجراس الإنذار بإلحاح متزايد، منبّهة إلى ضرورة معالجة أزمة الحوكمة في العالم العربي. فقد كشف تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 عن منطقة غارقة في القمع "تُعد أغنى ممّا هي نامية". في البداية، بدا أن الربيع العربي في العام 2011 يقدّم ردّاً على عدمية تنظيم القاعدة، إلا أنه استسلم إلى العنف، وغذّى السرديّات المتطرّفة. ثم كشف ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2014 عن أن التفسّخ في قلب بعض الدول العربية كان أعمق مما يُعتقد.

لسوء الحظ، لاتزال معظم الدول تتشبّث بوضع قائم لايمكن الدفاع عنه، وهي غير قادرة على معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية الأساسية التي أدّت إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في المقام الأول. فقد أصبحت الحكومات أكثر حماسة وحزماً في اتّباع النهج الذي تعرفه: العودة إلى القمع وتبنّي استراتيجية أمنية قد توفّر راحة مؤقّتة، إلا أن من المرجّح لها أن تستعدي جماهيرها مع مرور الوقت. في الحالات الأكثر تطرّفاً في سورية، وإلى حدٍّ أقلّ، في العراق، حدث ذلك في شكل أنظمة شنّت حروباً وحشية ضد شعوبها. ووفقاً لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض الذي تحدّث في مؤتمر كارنيغي، فإن "فشل الحوكمة هو المفتاح. وما لم يكن هناك نموذج حوكمة لديه القدرة على مواجهة هذه الإيديولوجيا بصورة تنافسية، سيكون هناك مكان لتنظيم الدولة الإسلامية أو الهياكل أو التنظيمات المشابهة".1

بدلاً من ذلك، تتآكل السلطة المركزية في كل أنحاء المنطقة. وبينما يبدو من المستحيل قياس شرعية الحوكمة بدقّة، فمن الواضح أن المساومات السلطوية التي جرت في العقود الماضية تنهار، حيث كانت الأنظمة تبادل الوظائف الحكومية والأمن المادي بالإذعان السياسي. معظم الحكومات غير قادرة على خلق فرص عمل كافية في القطاع العام لمواكبة الطفرة الهائلة في أعداد الشباب، كما أن السكان يشعرون بالإحباط على نحو متزايد من النخب الضارية المستفيدة من المحسوبية، والتي تجتاح الفرص الاقتصادية للطبقة الوسطى. وباستثناء تونس، لم يكن أداء الحكومات في مرحلة مابعد الانتقال السياسي أفضل من سابقاتها.

تتكشّف أزمة السلطة هذه بصورة مختلفة في سياقات مختلفة. على سبيل المثال، كرّس البرلمان المصري للعام 2012، والذي لم يدم طويلاً، الكثير من الوقت والجهد لقضايا إيديولوجية مجرّدة، لكنه لم يتمكّن من تمرير تشريع واحد ذي علاقة بالاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لجمهور أنصاره. وقد تراجعت سلطة الدولة المصرية مع كل إعلان دستوري جديد. كانت الأنظمة الملكية الخليجية أكثر مرونة بصورة ملحوظة تجاه الضغوط المجتمعية من نظيرتها الجمهورية. لكن، إن لم تلبِّ الأسر الحاكمة تطلّعات شعوبها، فمن المرجَّح أن تكون شرعيتها أيضاً موضع شكّ في نهاية المطاف.

هذا الانهيار في المؤسّسات والأمن وسيادة القانون في كل أنحاء المنطقة، فتح الباب أمام القوى القبليّة والعرقيّة والطائفية لملء الفراغ وتوفير الحماية من المجتمعات الأخرى التي يُنظر إليها على أنها تشكّل تهديداً.

في هذه الأثناء، تزامن عصر التدخّل العسكري الأميركي في المنطقة الذي بدأ في العام 2003، مع توسّع نطاق التطرّف الإسلامي من مُجرّد خلايا معزولة إلى خلافة مُعلَنة قادرة على التمسّك بمناطق تزيد مساحتها عن مساحة العديد من الدول في المنطقة. وبينما كانت الجماعات الإرهابية موجودة منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط، إلا أنها لم تتمكّن من تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب في قلب المنطقة، والسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي، والانخراط في التدمير العبثي والعشوائي على هذا النطاق الواسع، إلا منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003.

تسعى الدول العربية على نحوٍ متزايد إلى تطبيق الحلول العسكرية على مايُعتَبر تحدّيات سياسية في الأساس. كل دولة في الشرق الأوسط تقريباً تشارك الآن عسكرياً، بطريقة أو بأخرى، في واحدة أو أكثر من الحروب الأهلية الدائرة في ليبيا واليمن وسورية والعراق. بيد أن مامن أدلّة تُذكَر على أن هذه المقاربات العسكرية ستكون أفضل حظاً في معالجة الأسباب الأساسية للتطرّف. وعلى حدّ تعبير يزيد صايغ، باحث أول في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، فإن "الردّ الأقل فعّالية على تنظيم الدولة الإسلامية، سواء كنا نتحدث عن أشخاص حقيقيين في العراق وسورية، أو عن أصداء وتموّجات في مكان آخر، هو أن نقاتل هناك... فالجميع يرسلون بشكلٍ رمزي ست طائرات... بيد أن الأمر لايتعلّق بالقتال هناك، بل بما يمكن أن تقوم به الحكومة، وما ينبغي أن تقوم به، في الداخل".2

وميضُ أمل

لحسن الحظ، لم نخسر بالكامل. إذ أن الحياة في ظلّ استبداد تنظيم الدولة الإسلامية في الرقة لاتمثّل التجربة العربية الأشمل. ويعبّر بعض المفكّرين العرب عن خيبة أملهم إزاء الإعلام الغربي الذي يتغاضى عن الحالات الإيجابية في بلدانٍ عدّة وفي قطاعاتٍ مختلفة. في الماضي، افتقدت معظم المجتمعات العربية حلقات تُعنى بردود التفاعلات بين الحكومات والمواطنين، ما أعاق التقدّم إلى حدٍّ كبير. لكن عند المضي قدماً، لن تكون الحكومات العربية محصّنة ضدّ الميل العالمي نحو تمكين الفرد، الذي يقوده التطوّر التكنولوجي، والإنجازات التعليمية، ونموّ الطبقة الوسطى.

يحاجج فادي غندور، وهو رجل أعمال مرموق، بأن الفرص التي أتت بها التكنولوجيا المُفكّكة في الاقتصاد الرقمي ستغيّر العالم العربي، كما في سائر العالم.3 إذ تشهد مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا نمواً هو الأسرع في العالم لحركة دلتا المعلومات المتحرّكة. وقد غيّر هذا النموّ الفرص الاقتصادية والتفاعل الاجتماعي والعلاقات مع السلطات الحاكمة. في الاقتصاد الرقمي، لم يعُد الشباب أسرى الأنظمة التربوية الحكومية الضعيفة في وطنهم، ويستطيعون الولوج بشكلٍ فوري إلى الأدوات التربوية والخوض في تنظيم المشاريع. 

يرفض العرب الملتزمون بإصلاح الهيكلية السياسة والاقتصادية فكرة أنّهم هُزموا، ويشدّدون على أن الاستسلام للإحباط هو خضوعٌ إلى النظام السلطوي الذي لطالما قاوموه. وأشار عمرو حمزاوي، الذي كان نائباً في البرلمان المصري لمدّة ستة أشهر في العام 2012 إلى حين حلّ القضاء البرلمان، إلى أنه على الرغم من تفاقم سياسة القمع، إلا أن هناك تيّارات تحت السطح في مصر تتمتّع بديناميكيات ثقافية وفكرية وفنية، حتى لو أن معظمها ليس على علاقة مباشرة بالسياسة. وقال: "مهما كانت العناصر الإيجابية التي تجدها، فهي ليست مرخّصة من الحكومات."4

وتبقى الدلالة الأكبر والأهم على وجود الأمل، تونس نفسها بالطبع. فعلى الرغم من أن الحالة الأمنية والاقتصادية في البلاد لاتزال هشّة، اتّبع الزعماء التونسيون، بمن فيهم الرئيس الباجي قائد السبسي، وراشد الغنوشي، أحد مؤسستي حزب النهضة، مساراً مختلفاً تماماً عن سائر القادة العرب في فترة مابعد العام 2011، من حيث البحث عن حلول وسط وتجنّب الاختلافات الفلسفية لمصلحة وطنهم. والأهم كان تأييد الجيش التونسي للسيطرة المدنية.

توجهات جديدة

ماذا يعني كل هذا بالنسبة إلى السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط؟

نجح الرئيس باراك أوباما عموماً في تحقيق مصالح الولايات المتحدة الأربعة الجوهرية في الشرق الأوسط، وعبّر عن ذلك في خطابه في أيلول/سبتمبر2013 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومنذ تمّ إقرار اتفاق شامل - على الرغم أن تطبيقه سيشكّل تحدياً - حول البرنامج النووي الإيراني، الذي كان أهم قلق حيال منع انتشار الأسلحة النووية في المنطقة. كما جرى تجنّب الانقطاعات الحادّة في الإمدادات النفطية، وغاب عن الأفق التهديد العسكري التقليدي الذي كان يهدّد الشركاء والحلفاء الإقليميين. وصُدّت الخسائر البشرية المتأتية عن هجمات مكثّفة على الأراضي الأميركية منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر. غير أن الاعتداء الإرهابي المروّع على باريس في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، هو تذكير قوي بأن تنظيم الدولة الإسلامية يملك القدرات والرغبة في نقل الدمار إلى أبعد بكثير من حدوده.

من الواضح أن الدفاع عن المصالح الأميركية الجوهرية يعتمد على أمن شركاء واشنطن وحلفائها. غير أن عسكرة السياسة الأميركية في غضون الربع الأخير من القرن، لم تساهم في الاستقرار الإقليمي. ومن وجهة نظر العديد من العرب، فإن تركيز واشنطن العنيد على الأمن والتعاون لمكافحة الإرهاب، يُسهم في مكافحة عجوزاتهم الاقتصادية-الاجتماعية والسياسية، مايغذّي التطرّف. وبعد الاحتلال الكارثي للعراق في العام 2003، كان إصرار أباما الواضح على تجنّب الانخراط في الحرب الأهلية في سورية أمراً مفهوماً، لكنه لم يؤدٍّ إلى نتائج أفضل. وهكذا، غدت السياسة الأميركية تقوم على ردود الفعل ولا يبدو أن أياً من حكومات الغرب أو الحكومات العربية تمتلك أجوبة على التحدّيات المُلحّة في المنطقة. وليس من المستغرب أن يشكّك العرب في عزم الأميركيين وفي أحكامهم.

هناك بعض الدلائل على أن صانعي السياسات الأميريكية يقرّون بالحاجة إلى إعادة تصويب السياسة العامّة. فخلال خطاب في مؤسّسة كارنيغي لإطلاق مشروع "آفاق العالم العربي" في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2015، لاحظ وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن معظم العرب "يهمّهم أكثر الارتباط بالاقتصاد العالمي بدل التخبّط مع أعداء تاريخيين. في هؤلاء نضع ثقتنا، ومن أجلهم ومن أجل مستقبلهم نكرّس جهودنا المشتركة."5

شكّل إعطاء إدارة أباما الأولوية للديبلوماسية بدل العمل العسكري انطلاقة جيّدة. لكن على السياسة الأميركية أن تقوم بمبادرات أكبر في مجال تكريس الطاقة والموارد للمناطق الواعدة أكثر، مثل تونس والمغرب؛ فيما هي تعمل مع الوقت على ضبط التعامل مع الأنظمة السلطوية. ففي نهاية المطاف، الشراكة الدائمة تتطلب شركاء مستدامين.

أمّا الجهد المتجدّد لترقية حوكمة أفضل للشرق الأوسط، فيجب ألّا يرتكز على التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ماسيؤدّي حتماً إلى ردود فعل عنيفة. عوضاً عن ذلك، عليه أن يتجذّر في المزايا التفاضلية للولايات المتحدة، كديناميكيات تنظيم المشاريع، والإبداع التكنولوجي، ونظام التعليم العالي، وصلابة مؤسسات الحوكمة. وعلى الرغم من أن المواطنين العرب والحكومات العربية مسؤولةٌ عن إيجاد حلول للمنطقة، تُعنى بالمشاكل الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية، فإن واشنطن في حاجة ماسّة إلى جدول أعمال أكثر شمولية وإيجابية للشرق الأوسط، يجعل من هذه التحديات محوره المركزي والرئيس.

يشكّل تاريخ العرب الحديث تذكرةً بأن التغيّرات السياسية الأكثر نجاحاً، هي ذات طبيعة تطوّرية وليس ثوريّة. إذ أن عملية تأسيس شرق أوسط أكثر استقراراً سيمتدّ إلى عقودٍ طويلة. كما علينا ألا نتوقّع أن يطرأ تغييرٌ سريعٌ على هذه الأنظمة السياسية الهشّة. لكن من المستبعد أن يحترم الاضطراب الحالي بحدود سياسية هشّة. فالبلدان غير المستعدّة أو غير القادرة على البدء بشكلٍ فعلي في عملية وضع أنظمة سياسية خاضعة إلى المحاسبة، سرعان ماستجد نفسها على الجانب المخطئ من التاريخ.  

 

1 سلام فياض، "عوامل اللااستقرارية: التنمية البشرية في العالم العربي"، شريط فيديو على يوتيوب، من مؤتمر "فهم عوامل اللااستقرارية في العالم العربي"، نشر بواسطة قناة CarnegieLive، 29 تشرين الأول/أكتوبر 2015، https://www.youtube.com/watch?v=ghCtjm8IbpI

2 يزيد صايغ، "عوامل اللااستقرارية: التنمية البشرية في العالم العربي"، شريط فيديو على يوتيوب، من مؤتمر "فهم عوامل اللااستقرارية في العالم العربي"، نشر بواسطة قناة CarnegieLive، 29 تشرين الأول/أكتوبر 2015، https://www.youtube.com/watch?v=liKLgdiLzZA

3 فادي غندور، "عوامل اللااستقرارية: التنمية البشرية في العالم العربي"، شريط فيديو على يوتيوب، من مؤتمر "فهم عوامل اللااستقرارية في العالم العربي"، نشر بواسطة قناة CarnegieLive، 29 تشرين الأول/أكتوبر 2015، https://www.youtube.com/watch?v=ghCtjm8IbpI

4 عمرو حمزاوي، "عوامل اللااستقرارية: التنمية البشرية في العالم العربي"، شريط فيديو على يوتيوب، من مؤتمر "فهم عوامل اللااستقرارية في العالم العربي"، نشر بواسطة قناة CarnegieLive، 29 تشرين الأول/أكتوبر 2015، https://www.youtube.com/watch?v=liKLgdiLzZA

5 جون كيري، "وزير الخارجية الأميركي جون كيري حول مستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط" (خطاب، مؤسسة  كارنيغي للسلام الدولي، واشنطن، 28 تشرين الأول/أكتوبر 2015)، http://carnegieendowment.org/2015/10/28/u.s.-secretary-of-state-john-kerry-on-future-of-u.s.-policy-in-middle-east