يقصد بالاقتصاد غير الرسمي كافة المعاملات التي تتم خارج إطار القانون، ولا يتم تسجيلها لدى جهات الدولة، ويقدر نصيب المعاملات الاقتصادية غير الرسمية من إجمالي الاقتصاد المصري بما يتراوح بين ٥٠ إلى ٦٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي طبقا لتقديرات فريدريك شنايدر، وهي نسبة شديدة الارتفاع، وتنم عن تواضع قدرة الدولة عن جمع المعلومات الكافية عن الجزء الأكبر من المعاملات الاقتصادية من ناحية، وتشي كذلك بضعف قدرة مؤسسات الدولة المختلفة على اختراق وتنظيم العلاقات الاقتصادية طبقا لقواعد القانون من ناحية أخرى. ولا يعد وضع مصر استثنائيا بحال من الأحوال إذ أن أغلب الدول النامية تحتفظ بأنصبة مرتفعة من التعاملات غير الرسمية.

تعتبر اللارسمية مشكلة من مشكلات التنمية في عرف الكثير من الاقتصاديين وصناع السياسة إذ أن ضعف قدرة الدولة على جمع المعلومات الكافية عن النشاط الاقتصادي يحرمها من القدرة على تنظيمه من ناحية، ومن القدرة على تحصيل الضرائب المستحقة عليه من ناحية أخرى، وما ينجم عن هذا من تراجع في الإيرادات العامة، وعادة ما يرتبط ارتفاع نصيب المعاملات غير الرسمية بانتشار الأنشطة منخفضة الإنتاجية ومنخفضة المهارات، وهو ما جعل اللارسمية صنو التخلف الاقتصادي في الكثير من أدبيات التنمية، وعادة ما ينظر إلى تحديث وتطوير الاقتصاد بتراجع رقعة الاقتصاد غير الرسمي لصالح أنشطة مسجلة وخاضعة للقانون.

 

 على أنه على المساوئ العديدة للاقتصاد غير الرسمي فإنه لا يخلو من مزايا شهدناها وعايشناها في السنوات القليلة الماضية في مصر خاصة، فمن المرجح أن الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية قد أسهمت في توليد دخول لقطاعات كبيرة من المصريين مع التباطؤ الاقتصادي الكبير الذي تلا ثورة يناير، ولم يكن هذا بالأمر الجديد إذ أن الأنشطة غير المنظمة قانونا قد استحوذت على الجزء الأكبر من الوظائف في مصر في العقدين السابقين على الثورة، وأن أكثر من ٦٠٪ من الوظائف التي تم خلقها في الفترة ما بين ٢٠٠٦ و٢٠١٠ كانت ضمن أنشطة الاقتصاد غير الرسمي طبقا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول مصر والصادر في ٢٠١٢.

يمثل الاقتصاد غير الرسمي ظاهرة اجتماعية واقتصادية شديدة التعقيد، وبالتالي فهو ليس فحسب حالة من غياب تحكيم القانون وتسجيل المعاملات لدى الدولة بقدر ما إنه يكشف عن نمط معين من تداول القيم الاقتصادية، ومن ممارسة النشاط الاقتصادي بالاستناد إلى قواعد غير تلك التي تضعها الدولة وتطبقها، وبما إن المؤسسات الرسمية في أغلب دول العالم النامي حديثة النشأة نسبيا، ولا تتمتع بالتجذر في العلاقات الاجتماعية كما هو الحال في البلدان الرأسمالية الأقدم خاصة في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا فإن تلك المعاملات التي تتم بشكل يوصف بغير الرسمي إنما تشير إلى علاقات أكثر تجذرا وانتشارا، ولا شك كذلك في أنها تلعب دورا رئيسيا في الحياة الاقتصادية للعديد من المنشآت الاقتصادية في الوصول لمدخلات الإنتاج المختلفة من تمويل وعمالة ومعلومات حول الأسواق.

فبينما ينصب التركيز على اللارسمية في جزئية غياب المعلومات عن النشاط الاقتصادي وعدم القدرة على تحصيل الضرائب يتجاهل الكثيرون أن الغالب الكاسح من منشآت القطاع الخاص في مصر، التي عادة ما تكون صغيرة أو متناهية الصغر، يعتمد على طرق غير رسمية للحصول على التمويل من خلال شبكات العائلة والأصدقاء أو باستخدام المدخرات الشخصية، وأن هذه الأساليب بدائية الطابع هي المصدر الرئيسي لتمويل النشاط الاقتصادي في ظل محدودية تعامل الجهاز المصرفي الرسمي مع القاعدة الأعرض من القطاع الخاص حيث تشير دراسة إلى أن البنوك في مصر لا تفي إلا بحوالي ١٠٪ من احتياجات المنشآت الصغيرة والمتوسطة ـ ناهيك عن متناهية الصغر ـ من التمويل بينما لا يمثل هؤلاء أكثر من ٤٪ من إجمالي القروض البنكية.

تشير هذه الأرقام سريعا إلى أن الاقتصاد غير الرسمي ليس استثناءا ولا هو بمثابة اعوجاج بقدر ما إنه هو الأصل في ممارسة نشاط القطاع الخاص، ولا يعني هذا أنه يقدم بديلا ناجحا وفاعلا يحقق أهداف التنمية في مصر فالممارسة الاقتصادية في مصر تتطلب تحديثا وتطويرا والتحول لأشكال أكثر مؤسسية، ولكن لن يكون هذا إلا بالوقوف على الأهمية العضوية لما يوصف بالاقتصاد غير الرسمي، والانطلاق من تلك الممارسات في بحث إمكانية التحول لصيغ أكثر رسمية أو التوفيق بين العلاقات الاجتماعية غير الرسمية المنظمة للنشاط الاقتصادي وبين المؤسسات الرسمية للدولة، وبدلا من اختزال القضية في الأبعاد الإجرائية والإدارية مع تجاهل الجذور الاجتماعية والثقافية بل والسياسية لظاهرة الاقتصاد غير الرسمي، ناهيك عن اختزال قضية التحول للاقتصاد الرسمي في رغبات الجباية المكبوتة لدى الحكومة المصرية من الحديث المتكرر عن إخضاع ما يسمى بالقطاع غير الرسمي للتحصيل الضريبي.

وقد شهد العالم عدة تجارب للتوفيق بين الرسمي وغير الرسمي لتحقيق أغراض التنمية، ولعل من أشهر هذه الحالات بنك جرامين للإقراض متناهي الصغر في بنجلادش، والذي عمم في العديد من بلاد العالم الثالث، ويقوم البنك على توفير قروض متناهية الصغر للفئات المهمشة اجتماعيا خاصة في الريف باستخدام الروابط المجتمعية المحلية والعائلية كضمان لحسن إدارة المشروعات وبالتالي الالتزام بالسداد، وعلى الرغم من أن البنك يستهدف بالأساس الفئات الأشد تهميشا وفقرا وليس الإقراض لأغراض تجارية أو استثمارية إلا أنه يقدم حالة ناجحة لاستخدام الروابط غير الرسمية لدعم عمل المؤسسات الرسمية.

وثمة حالات في شرق آسيا خاصة في الصين تلعب الروابط غير الرسمية على أسس عرقية وأسرية وعلى أسس الصداقات الشخصية دورا إيجابيا للغاية في مراكمة رأس المال وتيسير الإدارة والنفاذ للمعلومات ومدخلات الإنتاج والأسواق، وعادة ما تعمل تلك العلاقات غير الرسمية بدرجة من الدرجات من التجانس مع المؤسسات الرسمية.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.