هذه المقاربة الإقليمية المعمَّقة أُعِدَّت كجزءٍ من مشروع "إعادة النظر في العلاقات المدنية-العسكرية 2014-2015: الحوكمة السياسية والاقتصادية في المرحلة الانتقالية" الذي وضعه مركز كارنيغي للشرق الأوسط، والذي يسعى إلى ترقية البحث حول القوات المسلحة في الدول العربية وتحديات مرحلة الانتقال الديمقراطي.

في 23 تموز/يوليو 2014، وقبل أسبوع واحد فقط من استيلاء الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً على الموصل وزحفها قدُماً نحو أربيل، عاصمة كردستان العراق، أمر البرلمان الكردي حكومة إقليم كردستان بتوحيد قوات البيشمركة في غضون ستة أشهر. لكن، بعدها بأكثر من سنة، لايزال ذلك حبراً على ورق.

والحال أن قضية توحيد القوات المسلحة الكردية، كانت مطروحة على بساط السياسة العامة في هذا الإقليم الكردي، منذ أن حظي هذا الإقليم باستقلال ذاتي كأمرٍ واقع عن نظام الرئيس صدام حسين في العام 1991. فبعد أن شنّ الحزبان السياسيان الكرديان الرئيسان - الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني - حروب غوار منفصلة ضد الجيش العراقي في السبعينيات والثمانينيات، اتفقا في العام 1992 على توحيد وحدات البيشمركة ودمجها تحت سلطة متخصّصة هي وزارة شؤون البيشمركة.1 بيد أن اندلاع الحرب الأهلية الكردية الدموية في العام 1994، أعاق عملية الإدماج لسنوات عدّة، ولم يُعِد الحزبان التوكيد على التزامهما بعملية التوحيد إلا بعد أن أبرما اتفاقية العام 1998. ومع هذا، وبعد مرور سبعَة عشر عاماً، لاتزال مختلف وحدات البيشمركة منقسمة وفق خطوط حزبية.

أُعيد تشكيل وزارة شؤون البيشمركة كهيئة مشتركة في العام 2010، لكن وعلى الرغم من أنها تمثّل مظهراً توحيدياً، احتفظ كلٌّ من الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستانيَّيْن بقوات بيشمركة منفصلة. أكثر من ذلك، مارس الحزبان نفوذاً سياسياً مُعتبَراً على مجموعات أخرى تخضع إلى السلطة الإسمية لوزارة شؤون البيشمركة. على الورق، يُعتبَر الرئيس الكردي ورئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني القائد الأعلى لكل قوات البيشمركة، وكوسرت رسول علي، من الاتحاد الوطني، نائباً له. لكن بارزاني لايحوز في الواقع سوى على نفوذ محدود على وحدات البيشمركة في مناطق الاتحاد الوطني، والأمر نفسه ينطبق على كوسرت في مجال البيشمركة مع الوحدات في مناطق الإقليم.

لقد أثبت الشقاق الحزبي أنه عقبة كأداء في وجه توحيد البيشمركة ودمجها. وما لايقل أهمية هو أن هذا "التعصب الحزبي" عرقل إقامة علاقات مدنية-عسكرية صحية وديمقراطية في كردستان العراق. فتوكيد سلطة الحكومة على البيشمركة بدلاً من المكاتب السياسية للأحزاب، مسألة حاسمة، لكن من غير المحتمل أن تتحقق بالكامل، طالما أن مجموعات البيشمركة تواصل العمل كأداة للزبائنية السياسية للحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني.

إن تحديات التوحيد ونزع عملية التسييس عن البيشمركة أصبحت قضية عاجلة غداة قيام الدولة الإسلامية بشن هجومها الكاسح في العراق في حزيران/يونيو 2014. كما أن تفاقم الأزمات السياسية والمالية مع بغداد - التي تعتمد عليها الحكومة الإقليمية لتمويل الميزانية - قد جعل مسألة التوحيد أكثر إلحاحا. قادت المطالبةَ لوضع حد للانقسامات الحزبية في البيشمركة حركة غوران (أي التغيير)، وهي حزب سياسي جديد وإصلاحي برز في العام 2009 كمنافس رئيس للحزبين الديمقراطي والاتحاد الوطني. وقد أعاد هذا الحزب بحزم طرح تطوير علاقات عسكرية-مدنية جديدة على جدول الأعمال العام. لكن، وإلى أن تُحل هذه القضايا، لايستطيع إقليم كردستان العراق أن يصبح ديمقراطية متمكّنة ومُعزّزة، وهذا ما سيحرمه من كسب الاعتراف الدولي كدولة مستقلة.

مضاعفات السياسات الحزبية

تلوّنت سياسات توحيد البيشمركة ومحاولات الإصلاح بتطور نظام تقاسم السلطة في إطار الحوكمة السياسية بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني.2 ففي النصف الثاني من السبعينيات وحتى الثمانينيات، استخدم هذان الحزبان قوات البيشمركة لمقاتلة ليس الحكومة العراقية وحسب بل أيضاً بعضهما البعض. وفي أعقاب حرب الخليج في العام 1991 واتفاقية التوحيد التي تلتها في العام 1992، خضعت محافظات دهوك وإربيل والسليمانية إلى السيطرة السياسية للكرد، وأعلن قادتهم قيام إقليم كردستان العراق ذي الحكم الذاتي.

أُجريت الانتخابات العامة في إقليم كردستان في أيار/مايو 1992، وفاز فيها الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني بأصوات متساوية تقريباً،3 فيما لم يفز أي حزب آخر بأي مقعد. وكجزءٍ من اتفاقية تقاسم السلطة بنسبة 50-50، جرى توزيع المناصب الوزارية بالتساوي بين الحزبين. وهذا عنى أن وزراء الحزب الديمقراطي سيكون لهم نواب من الاتحاد الوطني، والعكس بالعكس. وبعدها، أقرّت الجمعية الوطنية الكردستانية، التي أصبحت البرلمان الكردي في العام 2009، القانون الرقم 2 الذي يُفترض أن يحوّل وضعية البيشمركة من ميليشا أحزاب سياسة إلى قوات مسلحة نظامية تحت إمرة حكومة موحّدة. كما منعت الجمعية الوطنية الكردستانية الأحزابَ السياسية من الاحتفاظ بميليشيات خاصة أو مجموعات مسلحة.4

وكجزءٍ من التعهدات التوحيدية لكلا الحزبين، تم في الصيف تشكيل ألوية عسكرية مشتركة منهما (تُدعى الآن كتائب الحرس الإقليمي)، هذا علاوةً على وزارة موحّدة لشوؤن البيشمركة كان جبار فرمان (من الاتحاد الوطني) أول وزير لها.5

بيد أن التعاون السياسي بين الحزبين في إطار حكومة موحدة، أثبت أنه مستعصٍ. ففي العام 1994، نشبت اشتباكات عنيفة بين هذين الطرفين حول تقاسم عائدات الجمارك والأراضي. وقد تدهورت العلاقات إلى درجة أن الحزب الديمقراطي أبرم صفقة مع صدام حسين للحصول على دعم الجنود والدبابات العراقية، بهدف طرد الاتحاد الوطني من أربيل. وهو برّر ذلك بالقول إن الاتحاد الوطني يتلقى دعماً إيرانيا. وبعدها اندلعت حربٌ أهلية دموية، وعادت وحدات البيشمركة الموحدة أدراجها إلى أحضان الحزبين. ومنذ ذلك الحين، كان لكل حزب مؤسسات حكمه الخاصة ووزاراته، بما في ذلك وحدات بيشمركة موازية.

وضعت الحرب الأهلية أوزارها حين وقّع الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني اتفاقية واشنطن في أيلول/سبتمبر 1998. ومع استتباب السلام، استأنف الحزبان  تقاسم السلطة في إقليم كردستان من خلال الحكومة الإقليمية، وتعهّدا مجدّداً بدمج قوات البيشمركة التابعة لهما تحت سلطة كتائب الحرس الإقليمي.6 لكن، وعلى الرغم من هذا المظهر الوحدوي، بقيت الحكومة الإقليمية منشطرة إلى منطقتَي سيطرة من العام 1996 وحتى العام 2006. فقد سيطر الاتحاد الوطني على منطقة خضراء تشمل مقاطعة السليمانية، فيما سيطر الحزب الديمقراطي على منطقة صفراء تضم إربيل ودهوك. ولضمان استمرار المساعدات الأميركية، أعرب الحزبان عن دعمهما العلني لتوحيد قوات البيشمركة تحت إمرة هيئة غير مسيّسة.7

بعض التقدّم نحو التوحيد بعد العام 2003

أطلق الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 مجدّداً إحساساً بضرورة الإسراع بتوحيد البيشمركة. فقد أدرك كلٌّ من الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني أنهما يمكن أن يفيدا أكثر من الفراغ السياسي في حقبة مابعد صدام، من خلال استخدام التوحيد كوسيلة للحصول على المزيد من الدعم الأميركي، وأيضاً لضمان الحصول على التمويل من الحكومة العراقية. وهكذا، قدّم الحزبان عرضاً أولياً للوحدة من خلال تقسيم عمل تعاوني، يقود بموجبه الاتحاد الوطني كل وحدات البيشمركة في كركوك، ويُشرف الحزب الوطني على كل وحدات البيشمركة التي تقاتل في ضواحي الموصل خلال العمليات العسكرية الأميركية ضد قوات صدام حسين هناك.8

وعلى الصعيد السياسي، فازت لائحة مشتركة من الحزبين بـ 85.2 في المئة من الأصوات في انتخابات كردستان في العام 2005، وأقسم بارزاني اليمين الدستورية كرئيس لحكومة إقليم كردستان في حزيران/يونيو 2005. 9 وفي العام التالي، وقّع بارزاني والطالباني اتفاقية توحيد الحكومة الإقليمية "في سبيل التغلُّب على الخلافات بين الحزبين المعنيَّيْن.10 وقد أعادت هذه الاتفاقية صيغة تقاسم السلطة بين الحزبين بنسبة 50-50، وأسبغت الصفة الرسمية عليها.11

قسمت اتفاقية توحيد الحكومة الإقليمية في العام 2006 المناصب الوزارية بالتساوي بين هذين الحزبين الرئيسين، ونصّت المادة السابعة منها على نزع التسيُّس عن القوات المسلحة الكردية. كما نصّت على أن "تقوم اللجنة العليا بمأسسة الشرطة وأجهزة الأمن في إقليم كردستان".12 لكن، وعلى الرغم من أن بارزاني، جنباً إلى جنب مع نائب الأمين العام للاتحاد الوطني آنذاك، نوشيروان مصطفى، ونائب الرئيس كوسرات رسول علي، كرّروا مجدّداً التزامهم بتشكيل جيش كردي موحّد، إلا أن كل المواعيد النهائية المحدّدة لتحقيق ذلك مرّت من دون أن ترى هذه الخطوة النور، بما في ذلك الموعد الذي حدّده بارزاني في نهاية ذلك العام. وبالتالي، بقيت السيطرة على البيشمركة منقسمة بين مناطق سيطرة الحزب الديمقراطي الصفراء والاتحاد الوطني الخضراء.

ومع ذلك، تحقّق على مايبدو بعض التقدّم نحو الاندماج السياسي والعسكري. فالوزارات المُسيطَر عليها حزبياً دُمِجَت في الحكومة الإقليمية في العام 2009. 13 ومنذ كانون الثاني/يناير 2010، تم دمج 14 كتيبة حرس إقليمي غير مسيّسة – مبدئياً - تضم نحو 40 ألف مقاتل بيشمركي، ووُضعت هذه القوة اسمياً تحت سيطرة وزارة شؤون البيشمركة.14

انقسامات البيشمركة تترى

خارج كتائب الحرس الإقليمي وأجهزة المخابرات والأمن الداخلي، لايزال يوجد نحو 120 ألف مقاتل بيشمركي، معظمهم في 70 وحدة تابعة للاتحاد الوطني و80 وحدة في الحزب الديمقراطي. هؤلاء لازالوا يخضعون إلى السيطرة المباشرة للمكتبين السياسيين للحزبين، وليس لوزراة شؤون البيشمركة.15 قوات الطوارئ التابعة للاتحاد الوطني ووحدات "الزيرفاني" التابعة للحزب الديمقراطي هي قوات بيشمركة كأمر واقع، على الرغم من أنها تحت سيطرة وزارة الداخلية. وما يفاقم من هذا التعقيد أن وزارة الداخلية هي بقيادة عضو في الحزب الديمقراطي، فيما وزير حزب غوران يرأس وزارة شوؤن البيشمركة منذ 18 حزيران/يونيو 2014.

كل هذه القوات تنتشر الآن على الخطوط الأمامية لكردستان مع تنظيم الدولة الإسلامية: الزيرفاني في مناطق الحزب الديمقراطي وقوات الطواريء في مناطق الاتحاد الوطني. وينقسم خط الجبهة الذي يبلغ نحو 1050 كيلومتراً (أكثر من 650 ميلاً) والذي يفصل بين قوات الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية، إلى ثمانية قطاعات تتوزع بالتساوي بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني.16 فقوات الزيرفاني، وقوّات أسايش التابعة للحزب الأول، والتي تتكوّن من 80 وحدة، تتمركز في المناطق التي يسيطر عليها تقليدياً هذا الحزب، مثل غوير ومخمور وسنجار وقرب الموصل وأربيل. أما الاتحاد الوطني، فقد نشر قواته الخاصة بمكافحة الإرهاب (أسايش)، التي تتكوّن من 70 وحدة، وقوات الطوارئ حول كركوك وديالى. وعلى الرغم من أن الحزبين يحترمان عموماً المناطق الراسخة لكلٍّ منهما، إلا أن العلاقات بينهما لاتزال متوترة في مناطق مثل كركوك وسنجار. في مايتعلّق بما يُسمى كتائب الحرس الإقليمي المندمجة، لايزال هناك 14 منها منظّمة داخلياً وفق قاعدة الـ50-50 لتقاسم السلطة، وكذا الأمر بالنسبة إلى مناصب القيادة والترقيات. فالكتائب التي يرأسها قادة من الحزب الديمقراطي لها نواب قادة من الاتحاد الوطني، والعكس بالعكس.17 علاوةً على ذلك، يتم تخطيط العمليات البرية وتنفيذها بشكلٍ يتطابق مع مناطق النفوذ التقليدية للحزبين، حيث يتم تعيين قادة القطاعات ليس من وزير شؤون البيشمركة بل من كلا الحزبين.18

نتيجةً لكل ذلك، غالباً مايكون لقطاعات الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني على طول حدود إقليم كردستان سياسات وممارسات عملانية متباينة. على سبيل المثال، القطاع الخامس الذي يقوده كمال كركوكي، وهو مسؤول في الحزب الديمقراطي وقائد بيشمركي، يقبل في صفوف قواته أكراداً إيرانيين، لكنه يرفض متطوعين غربيين للقتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، فيما الاتحاد الوطني في القطاع الرابع المجاور يقبل متطوعين غربيين.19 وكما تُظهر هذه الأمثلة وغيرها، فإن مجموعات البيشمركة تفتقد إلى سياسة معيارية في مايتعلق بالعديد من تفاصيل الإجراءات العملانية اليومية.

لاتزال قوات البيشمركة متحزّبة بعمق. وكما أوضح القائد البيشمركي المخضرم محمد حاجي محمود:

إذا ماتوجّهت إلى هناك (خطوط الجبهة)، قد ترى كل القوات متشابهة. وإذا ماكنت تعرف أحداً شخصياً، ستتبيّن إذا كان من الحزب الديمقراطي أو الاتحاد الوطني. إنهم جميعاً ينصتون إلى قادتهم المُحدّدين في مناطق العمليات. لكن في ما يتعلّق بالتوحيد، ليست هذه قوة موحّدة. أحزابهم هي التي فرضت عليهم التمازج. يجب أن نشكّل قوة لاتستند إلى أحزاب سياسية. وعلى الرغم من أنهم كلهم يقاتلون في جبهة موحّدة، لكن حين تستدعيهم الأحزاب يهرعون عائدين إلى الحزب الذي ينتمون إليه... لدينا هنا تجربة من العام 1992: كانت لدينا قوات مماثلة، لكن حين اندلعت الحرب الأهلية في العام 1994، عاد أعضاء كل وحدات هذه القوات إلى أحضان أحزابهم.

مكّنت هذه السيطرة الحزبية كلاً من الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني من استخدام أجنحتهما العسكرية لسحق الانشقاقات المحلية. وعلى سبيل المثال، أطلقت قوات الأمن التابعة للحزب الديمقراطي النار على محتجّين مناوئين للحكومة في السليمانية في 18 شباط/فبراير 2011. 21 ولاحقاً، استخدم الاتحاد الوطني قوات الأمن التابعة له لفك اعتصامات واحتجاجات.22 مثل هذه الممارسات الثقيلة الوطأة حفّزت الانتقادات من كل أحزاب المعارضة في برلمان إقليم كردستان، وأدّت إلى تجديد الدعوات إلى إصلاح مؤسسات الدولة وتشكيل قوات أمن مستقلة وغير حزبية.23

مخاضات الإصلاحيين

انبثق تحدٍّ خطير للطابع التحزبي الحاد لقوات أمن كردستان، حين حصد حزب المعارضة المؤسَّس حديثاً، غوران، 25 مقعداً من أصل 111 في البرلمان في الانتخابات التي جرت في كردستان في تموز/يوليو 2009. كانت الأهداف الرئيسة لغوران، الذي تأسس قبل الانتخابات بأشهر قليلة، هي فك ارتباط بيروقراطية حكومة إقليم كردستان بالأحزاب السياسية، ومكافحة الفساد، وتحويل الأجنحة العسكرية للحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني إلى جيش غير متحزّب للدولة.24 وبفضل أدائه الانتخابي الممتاز، ضُّمَ غوران إلى حكومة الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الائتلافية. وفي نيسان/أبريل 2014 حصل على وزارات شؤون البشمركة والاقتصاد والتجارة والصناعة والأوقاف والشؤون الدينية.25

على الرغم من ذلك، تم على نحو متواصل إثباط البرنامج الإصلاحي لغوران، خاصة بالنسبة إلى البيشمركة. ولكونه حزباً من دون جناح عسكري، افتقد غوران إلى السطوة الضرورية لدمج الوحدات ووضعها تحت سلطة وزارة شؤون البيشمركة، ما حَرَمَ وزير هذا المنصب من القدرة على صنع القرار وقلّص دوره إلى مجرد ممثّل أو ناطق.26 والآن، يواصل الضباط المقاتلون رفع تقاريرهم إلى قادة حزبهم وتلقي الأوامر منهم. وهؤلاء وحدهم يسيطرون على تموضع القوات التابعة لهم ويعيّنون قادة القطاعات وخطوط الحدود.27 فضلاً عن ذلك، يسيطر مسؤولون من الحزب الوطني بقيادة بارزاني على هيئة الأركان العامة، مايقيّد إلى حدٍّ كبير سلطة الوزير المعني.28

واجه غوران أيضاً في العلن حملات سياسية مضادة ، حين اشتكى بارزاني قائلاً: "ثمة الآن من أسف أصوات في إقليم كردستان وفي البرلمان الكردي تُطلق على القوات الكردية نعت الميليشيات وتشكّك بشرعيتها". وأضاف: "هؤلاء الذين لديهم الجرأة اليوم لتشويه اسم البيشمركة، سيفعلون ذلك أيضاً مع أسماء الشهداء".29 وما أثار القلق أكثر هو أن مثل هذه الانتقادات لغوران عكست نقصاً عاماً في مدى مقبولية السلطة الشرعية لمسؤول حكومي لاينتمي لا إلى الحزب الديمقراطي ولا إلى الاتحاد الوطني، على الرغم من المظاهر الشكلية للوحدة الوطنية. ونتيجةً لذلك، بقيت العلاقات المدنية-العسكرية مشوبة بالعيوب. وفي دلالة أخرى على الحملات المضادة لغوران، اعتقلت قوات الأمن التابعة للاتحاد الوطني ستة مراقبي انتخابات في أيار/مايو 2014 واتهمتهم بالتلاعب بأقلام الاقتراع، ثم عمدت إلى بث اعترافاتهم المزعومة على الإنترنت.30

السياسات الزبائنية: عقبة كأداء أمام الاندماج

في مقابلة أُجريَت معه في نيسان/أبريل 2015، اعترف بحزن الناطق باسم وزارة شؤون البيشمركة، جبار الياور: "حتى الآن، لم تستطع قوانين البرلمان تحقيق التوحيد".31 والحال أن أحد الأسباب الرئيسة للطابع الشخصاني والزبائني للسلطة في النظام السياسي الكردستاني هو عدم إحراز تقدّم في دمج قوات أمن كردستان وتجريدها من التسيُّس.32 فتسنُّم المنصب يُستخدم لتحسين السلطة الحزبية الشخصية والحفاظ على ولاء الأتباع. وهكذا، فإن معظم أعضاء المكاتب السياسية الحزبية لديهم قوات حراسة خاصة أو وحدات بيشمركة تابعة لهم.33

على سبيل المثال، كوسرت رسول علي، أحد قادة الاتحاد الوطني، لديه كتيبة حماية خاصة تُدعى "هزكاني كوسرت رسول"، تتكوّن من حوالى 2000 إلى 3000 مقاتل بيشمركي.34 وبالمثل، يقود بافيل الطالباني (أحد أبناء جلال الطالباني) قوته الخاصة المكافحة للإرهاب غير الخاضعة إلى أي وزارة.35 ولدى نيجيرفان بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، قوات أمن خاصة به قامت بحراسة حقول النفط في كركوك في تموز/يوليو 2014. علاوةً على هذه الوحدات الشخصية، هناك كتيبتا بيشمركة للرئاسة يقودهما شخصياً جلال الطالباني أو زوجته هيرو ابراهيم أحمد.36

تستند شخصنة السلطة إلى نظام زبائني كثيف بناه الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني من خلال التوظيف الحكومي. فمن بين إجمالي 4.5 ملايين كردي في كردستان العراق، هناك على مايقال مليون موظف يعملون بطريقة أو أخرى لحساب الحكومة الإقليمية.37 في هذا النظام الزبائني، تُستخدَم وحدات البيشمركة كوسيلة لتوزيع الخدمات الاقتصادية والموارد في مقابل الدعم السياسي. هذه الممارسات تعود إلى العام 1992، حين شكّل الحزبان الرئيسان الموفّر الأبرز للوظائف في كردستان. وبالنسبة إلى العديد من الشبان، كان التحوّل إلى مقاتلي بيشمركة هو الوظيفة الوحيدة المتوفرة.38 وقد تواصلت هذه الممارسات، لا بل تكثّفت، بعد أن تم الاعتراف بحكومة إقليمية كردستان في الدستور العراقي في العام 2003.

تساعد الزبائنية أيضاً على توضيح أسباب الزيادة الهائلة في أعداد البيشمركة على مرّ السنين. فبعد العام 1992، كان لدى الحزب الديمقراطي مابين 15 ألفاً إلى 25 ألف مقاتل متفرّغ، وقوة مؤازرة تتكوّن من 25 ألف مقاتل. أما الاتحاد الوطني فكانت لديه قوة أصغر تتألف من 18 ألف مقاتل.39 المجموع الإجمالي لجنود البيشمركة في كردستان قفز إلى أكثر من 120 ألف مقاتل و70 ألف جندي احتياطي بحلول العام 2007، ماعكس التوسُّع المتواصل لقاعدة التجنيد الزبائنية.40 وبما أن الرواتب تُدفَع من خلال القادة المتحزّبين وليس من وزراء غير حزبيين، بات جنود البيشمركة مرتبطين مباشرةً بالأحزاب السياسية الرئيسة ومنقادين إليها وليس إلى مؤسسات الدولة.

على غرار الميزانية العامّة لحكومة إقليم كردستان، يرتكز نظام الزبائنية بشكلٍ كبيرٍ على تحويلات عائدات النفط من الحكومة العراقية في بغداد. وتُستخدَم الميزانية الدفاعية لحكومة إقليم كردستان، وهي بنسبة 17 في المئة من إجمالي ميزانيتها، لتسديد رواتب قوات الأمن في منطقة الحكم الذاتي، بما في ذلك الوحدات الخاصة للشرطة التي تخضع إلى سيطرة الحزبين. لكن تدهور العلاقات مع بغداد في السنوات الأخيرة أثّر سلباً على التحويل الروتيني للأموال المتّفَق عليها. وقبل القطع الكلّي للتحويلات في كانون الثاني/يناير 2014، كان المبلغ المخصَّص للأمن والدفاع تدفعه، نظرياً، بغداد مباشرةً إلى وزارتَي شؤون البيشمركة والداخلية. ٍوهاتان الأخيرتان تعيدان بدورهما توزيع المال على قادة الكتائب الموحّدة وقوّات الأمن الخاصة بالاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، مثل وحدات الزيرفاني، وقوات مكافحة الإرهاب أسايش.

إضافةً إلى الأوضاع المالية المتقلّبة، تعاني حكومة إقليم كردستان من عدم الدقة في مسك الدفاتر اللوجستية، مايؤدّي إلى الالتباس في تحديد مدى القوّة الفعلية لقوات البيشمركة ويُطلق العنان للفساد. ويعترف بعض الضبّاط بجهلهم عددَ الموظفين الذين يعملون تحت إمرتهم، فيما آخرون يدّعون أن وحداتهم تضم عناصر أكثر ممّا هو الحال في الحقيقة. وهذا يعكس ممارسةً تقوم على جمع رواتب مايسمّى بالجنود الوهميّين، وهم إمّا مقاتلون أموات أو أفراد وهميون.41 وبحسب برلماني كردي، سجّل موظّف رسمي في الحكومة 200 حارسٍ على قائمة رواتب وزارة شؤون البيشمركة، لكن أحداً لم يستطع التأكّد من وجود هؤلاء الحرّاس.42

لايزال نظام الزبائنية الآلية الأكثر فعالية لجذب الدعم السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. ولهذا السبب، تحديداً، عارض حزب غوران بشدّة هذا النظام خلال انتخابات العام 2013. 43 لكن، من المستبعد أن تسعى الأحزاب الكبرى إلى تفكيك هذا النظام، لأنها تعتبر القوّات الأمنية الخاصة بها ضماناً مطلقاً للحفاظ على سلطتها السياسية، الأمر الذي يطغى على أي فائدة يمكن تحصيلها من توحيد ودمج ومنع تسييس قوّات البيشمركة في المستقبل القريب.

إرث عدم الثقة والشك المتبادلَيْن

تشكّل التظلّمات والعداوات المتجذّرة في الحرب الأهلية الكردية أيضاً، إحدى العوائق الرئيسة للدمج الحقيقي  ومنع التسييس. وقد أسفرت الحرب الأهلية عن سقوط مايفوق ألفَي قتيل وتركت ندوباً من الذكريات المؤلمة التي لن يستطيع الإصلاح السياسي محوها بسهولة.44

أمّا التحالف المؤقّت للحزب الديمقراطي الكردستاني مع صدّام حسين لطرد الاتحاد الوطني الكردستاني من أربيل في العام 1996، فلايزال يُستذْكَر كخيانة خطيرة، بينما يتذكّر أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني ذكرى طردهم القسري من أراضيهم من قِبل الاتحاد الوطني الكردستاني. لهذه الأسباب، جزئياً، يحتفظ كل طرف بجزءٍ من قوّاته الخاصة تحت سيطرته المباشرة كضمانة نهائية للحفاظ على توازن القوى.45

ويهيمن عدم الثقة هذا على العلاقات الخارجية لكلا الفريقين. إذ أن الشك المتبادل بأن الطرف المنافس يسعى إلى تحقيق مصالح أسياده الإقليميين، يُحبط أي تقدّم حقيقي نحو تعزيز قوّات البيشمركة. وفي حين يحافظ الاتحاد الوطني الكردستاني على العلاقات الطيبة مع إيران ويُنسّق عمليات البيشمركة الخاصّة به مع الميليشيات الشيعية التي تديرها إيران في إقليم ديالى،46 بنى الحزب الديمقراطي الكردستاني علاقات سياسية واقتصادية جيّدة مع تركيا منذ العام 2009. 47 كما تقوم القوات التركية الخاصّة بتدريب قوّات الحزب في مدينة زاخو الكردية.48

يشكّل انعدام الثقة المتبادل إشكالية، لأن العديد من القادة القدماء في قوات البيشمركة خلال الحرب الأهلية لايزالون يمسكون بمناصب عليا في وزارات الحكومة الإقليمية الكردستانية والأجهزة الأمنية. وهذا الأمر يساعد على توضيح سبب توقّف الاتحاد الوطني الكردستاني عن دمج وحداته العسكرية مع كتائب الحرس الإقليمي، بعد أن اصبح رئيس حزب غوران مصطفى سيّد قادر وزير شؤون البيشمركة في حزيران/ يونيو 2014. 49

كذلك، وعلى الرغم من توحيد الأجهزة الأمنية والاستخبارية في العام 2012 بإشراف مجلس أمن المنطقة الكردية،50 إلا أنها لاتزال منقسمة وفق خطوطٍ حزبية، وتراقب نشاطات بعضها البعض، وأحياناً حتى تُوقف أعضاء في الحزب المنافس.51 في هذه الأجواء من فقدان الثقة، يُستبعَد أن يحصل اندماج تام وحقيقي لقوات البيشمركة، طالما يواصل الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني اعتبار قوات الأمن التابعة لهما نوعاً من خط دفاع نهائي ضد منافسيهم السياسيين الأكراد.

عامل الدولة الإسلامية

خلال شهر آب/أغسطس 2014، شنّ تنظيم الدولة الإسلامية هجمات على مناطق رئيسة في كردستان العراق، فاجتاحت في البدء مراكز للبيشمركة، إلى حين أوقفت الضربات الجوية الأميركية والهجمات المضادة لقوّات البيشمركة زحفها. منذ ذلك الحين، تُعتبر القوات البرّية والتشكيلات العسكرية الكردية القوات الأكثر نجاحاً في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق. لكن، على الرغم من ذلك، زادت العمليات البرّية حدّة عدم الثقة المتواصل بين الحزبين الأساسيين في كردستان، حيث حاول كل منهما استغلال وملء الفراغ الحكومي في السلطة المركزية في مناطق شاسعة في شمال العراق. وهذا أدّى ذلك بدوره إلى تصاعد الخلاف حول الحدود بين الحزبين. وبالفعل، عندما تمركزت قوّات الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني بشكلٍ مكثّف حول مدينة كركوك، بسبب تنافسها للسيطرة على هذه المقاطعة الغنية بالنفط، شهدت الخطوط الأمامية للحزب الديمقراطي الكردستاني نقصاً في قوّاتها، ماسهّل سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل.52

إضافةً إلى ذلك، انخرطت قوّات الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في مزايدات ذات نتائج عكسية. فمثلاً، لامَ الإعلام التابع للاتحاد الوطني الكردستاني قوّات الحزب الديمقراطي الكردستاني على انسحابها من دون قتال من مناطق حدودية شديدة الأهميّة في سنجار، ماسهّل عمليّة ذبح المدنيين الإيزيديين وسبي النساء منهم.53 ومن ناحية أخرى، أشاد الإعلام بقوّات مكافحة الشغب التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمّال الكردستاني54 (الذي حصّن مكانته السياسية والعسكرية في المناطق التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني) لكونها استعادت مدينة مخمور.55 وردّاً على ذلك، اتّهم الحزب الديمقراطي الكردستاني الاتحاد الوطني الكردستاني بسعيه إلى مكاسب دعائية.56

وقد كشف تنظيم الدولة الإسلامية في أحد أعداد من مجلته الشهرية أنه على علمٍ بهذا الانقسام السياسي، وأنّه يسعى إلى زيادة حدّة المنافسة داخل صفوف الأكراد لتحقيق مكاسب خاصّة به.57 التكتيك الذي يستخدمه الإعلام التابع للاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمّال الكردستاني، لم يكن إيجابياً حيال التضامن الذي يتطلّبه الاندماج الكامل والحقيقي للقوات الأمنية الكردستانية. ومعروفٌ أنّ قوّات البيشمركة تشكّل مصدر عزٍّ للعراقيين الأكراد بمختلف تلاوينهم السياسية. وبالتالي، الاستخفاف ببسالة وفعالية وحدات البيشمركة التابعة للحزب الآخر يُعتبر استفزازاً بحتاً.

خاتمة: التحديات الراهنة والمخاطر المستقبلية

وراء واجهة حكومة إقليمية كردستان، يُعتبَر النظام السياسي الكردستاني ديمقراطية تعاني من الخلل.  فالاتفاق على تقاسم السلطة مناصفةً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وبين الاتحاد الوطني الكردستاني، وعدم احترام وزراء الحكومة في الحزب المنافس، وإبرام إتفاقات سياسية خارج المناقشات البرلمانية، هي جميعها ممارسات غير ديمقراطية، غالباً ماتقفز فوق إرادة الشعب. ويخشى الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني من نظام تمثيلي أقوى، مايمكن أن يضعهما تحت الرحمة الكلّية لنتائج الانتخابات. على المستوى النظري، يمكن لأي من الفريقين أن يخسر معظم قوّته السياسية وأهميّته في صناديق الاقتراع. وكما أوضح جبار ياور: "لم تقتنع الأحزاب السياسية حتى الآن بتسليم جميع قواتها دفعةً واحدة... هناك بعض شخصيات البيشمركة في قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني على قناعة بأن الحفاظ على قوى عسكرية [تحت سيطرة الحزب] يجلب القوّة السياسية، ولهذا السبب يُصعب عليهما أن يضعا قوّاتهما في خدمة عمليّة التوحيد".58

مهما جلبت هذه البنى والممارسات من فوائد سياسية إلى الأحزاب السياسية الأساسية، إلّا أن هذا الأمر لن يدوم إلى ما لانهاية. فالهبوط الحاد في سعر النفط منذ نهاية العام 2014 وما بعده، واقتصاد الإقليم المتعثّر، واستمرار اعتماد الحكومة الإقليمية الكردستانية مالياً على بغداد، تجعل كلها نمط الحوكمة الراهنة غير مستدام. هذا إضافةً إلى أن القيود المالية سوف تحدّ بشكلٍ مطّرد من قدرة الحكومة الإقليمية الكردستانية على الاحتفاظ بقواتها الأمنية المتضخّمة، بما في ذلك مختلف الميليشيات الخاصة والجنود الوهميين.

إذا ما أُريد دمج القوات الأمنية الكردستانية بشكلٍ فعّالٍ، يتعيّن تفكيك الميليشيات الخاصّة بالسياسيين وقوّات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني مثل الزيرفاني وقوّات الطوارئ والوحددتان 70 و80. ويجب على هذا الدمج أن يتوسّع بعدها ليشمل قوى الأمن والمخابرات وفق خطوطٍ غير حزبية، كما يجب خفض الرواتب المتضخّمة للقادة العسكريين للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وعلى الحزبين بعد ذلك، أن يحيلا إلى التقاعد الحرس القديم لقوات البيشمركة التي يعود تشكيل وحداته إلى حقبة الحرب الأهلية، وإعادة بناء الخطوط الأمامية لحكومة إقليم كردستانية مع تنظيم الدولة الإسلامية وفق أسسٍ غير حزبية بدل الإبقاء على الانقسام بين مناطق يسيطر عليها الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. أخيراً، على الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني أن يكفّا عن التأثير على قوّات البيشمركة وكيفية تموضعها وعملياتها، والتخلّي عن هذه الصلاحيات لوزارة شؤون البيشمركة.

على المدى الطويل، يمكن للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أن يقدّم المزيد من الدعم لعمليّة الدمج، عبر المساعدة على تأسيس أكاديمية للعسكريين غير الحزبيين، وإلغاء الأكاديميّتين المنفصلتين الراهنتين للاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في زاخو وقلاجولان. ويمكن لذلك أن يشكّل قيمة مضافة في جذب المجنّدين الأكراد غير الحزبيين. كما أن تسديد الرواتب الخاصة بقوّات البيشمركة مباشرةً عبر وزارة شؤون البيشمركة يساهم إلى حدٍّ كبير في إنهاء نظام الزبائنية، من خلال منع سيطرة قادة الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني على الرواتب، بهدف استخدامها لشراء الدعم.

يصعب تحقيق معظم هذه التوصيات في ظل حالة عدم اليقين السياسي المهيمنة على المنطقة. ومن المحتمل أن تقاوم الأطراف الراهنة في حكومة إقليمية كردستان أي شكل من أشكال الإصلاح، طالما أن ما من اتفاقية دائمة حول مصير الأراضي المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، وطالما أن قضيّة الوضع السياسي لكردستان لم تحلّ، أي سزاء أن تكون تابعة للعراق أو دولة مستقلّة. وتستغل الأحزاب الكردستانية حالة عدم اليقين السياسي هذه والتوترات مع بغداد حول ميزانية حكومة إقليمية كردستان والأراضي المتنازع عليها كحجّة مناسبة لمقاومة الإصلاحات، والإبقاء على الميليشيات التابعة للأحزاب السياسية. لكن في سيناريو مابعد تنظيم الدولة الإسلامية، من المستبعد أن يدعم الغرب تماماً استقلال الأكراد عن العراق، طالما تهيمن على سياسات الإقليم الأحزاب المسلّحة، والوراثة السلالية الحزبية، والعلاقات المدنية-العسكرية غير السويّة.  

فلاديمير فان ولغنبرغ هو محلّل أبحاث في مؤسسة جايمستاون. ماريو فومرتن هو أستاذ مساعد في جامعة أوترخت.

هوامش

1 كانت وزارة شؤون البيشمركة اختراعاً خاصّاً بالاتحاد الوطني الكردستاني وبقيت كذلك حتى العام 2005 حين اتحدت مجموعتا البيشمركة تحت الاسم الحالي: وزارة شؤون البيشمركة.

2 تأسّس الحزب الديمقراطي الكردستاني على يد الملا مصطفى بارزاني في العام 1946. وتأسّس الاتحاد الوطني الكردستاني على يد عضوَيْن سايقَيْن في الحزب الديمقراطي الكردستاني هما جلال الطالباني وابراهيم أحمد.

3 Quil Lawrence, Invisible Nation: How the Kurds’ Quest for Statehood Is Shaping Iraq and the Middle East (New York: Walker and Company, 2009), 66.

4 Dennis P. Chapman, “Security Forces of the Kurdistan Regional Government” (research paper, U.S. Army War College, 2009), 99, http://oai.dtic.mil/oai/oai?verb=getRecord&metadataPrefix=html&identifier=ADA510826;ومقابلة مع جبار الياور، الناطق باسم وزارة شؤون البيشمركة، أربيل، نيسان/أبريل 2015.

5 Chapman, “Security Forces,” 97.

6 U.S. Department of State, “Northern Iraq: KDP and PUK to Unify Administrations and Peshmerga, Turkmen Participate in Irbil Protest, PUK Complains of ITF Incitement,” March 4, 2003, published by WikiLeaks, http://wikileaks.org/cable/2003/03/03ANKARA1391.html.

7 المصدر السابق.

8 Lawrence, Invisible Nation, 186.

9 “Iraqi Kurdistan Leader Sworn In,” BBC News, June 14, 2005, http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/middle_east/4092926.stm.

10 KRG Representation in Austria, “The Kurdistan Regional Government Unification Agreement 2006,” November 14, 2013, http://austria.krg.org/en/das-vereinigungsabkommen-der-kurdischen-regionalregierung-2006/.

11 للاطلاع على التسخة الكاملة من الاتفاق، أنظر: Kurdistan Regional Government, “Kurdistan Regional Government Unification Agreement,” January 23, 2006, http://cabinet.gov.krd/a/d.aspx?r=223&l=12&a=8891&s=02010100&s=010000.

12 للمزيد من التفاصيل، أنظر: Article 7 of Kurdistan Regional Government, “Unification Agreement,” http://cabinet.gov.krd/a/d.aspx?r=223&l=12&a=8891&s=02010100&s=010000.تنص المادة السابعة من الاتفاق أيضاً على أن قوى الأمن في كردستان يجب أن تضمّ إلى صفوفها متخرّجين جامعيين لضمان أن يبقوا غير حزبيين في المستقبل.

13 أنظر: GlobalSecurity.org, “Kurdish Security Forces (KSF),” www.globalsecurity.org/military/world/iraq/ksf.htm. كان التعديل الأخير للصفحة في 1 كانون الأول/ديسمبر 2012.

14 المصدر السابق.

15 وفقاً لوزير شؤون البيشمركة مصطفى سيد قادر، ثمة أيضاً حوالى 60 ألف مقاتل احتياطي في البيشمركة.Martin Gehlen, “Mustafa Sajid Kadir: Wenn wir Mosul befreien, tun wir das nicht nur für uns” [Mustafa Sayid Qadir: If we liberate Mosul, we do not do this only for us], Zeit Online, April 23, 2015, www.zeit.de/politik/ausland/2015-04/peschmerga-irak-mustafa-sayid-qadir/komplettansicht.

16 مقابلة مع جبار الياور، الناطق باسم وزارة شؤون البيشمركة، أربيل، نيسان/أبريل 2015.

17 International Crisis Group (ICG), Arming Iraq’s Kurds: Fighting IS, Inviting Conflict, Middle East Report, no. 158 (Brussels: International Crisis Group, May 12, 2015), 10, www.crisisgroup.org/en/regions/middle-east-north-africa/iraq-iran-gulf/iraq/158-arming-iraq-s-kurds-fighting-is-inviting-conflict.aspx.

18 Verena Gruber, “Revisiting Civil-Military Relations Theory: A Case of the Kurdish Regional Government of Iraq,” (master’s thesis, Lund University, 2015), 44, www.academia.edu/11961201/Revisiting_Civil-Military_Relations_Theory_-_a_case_of_the_Kurdish_Regional_Government_of_Iraq.

19  مقابلة مع كمال كركوكي، سياسي بارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني وقائد لقوات البيشمركة، أيار/مايو 2015.

20 مقابلات مع آراز عبد القادر، قائد اللواء التاسع، أيار/مايو 2015؛ ومحمد حاجي محمود، رئيس الحزب الاشتراكي الكردستاني ومحارب سابق في البيشمركة، السليمانية، آذار/مارس 2015.

21 “Kurdish Security Fires on Protesters in North Iraq,” Al Arabiya, February 18, 2011, www.alarabiya.net/articles/2011/02/18/138171.html.

22 Scott Peterson, “Arab Spring Crackdown Damages Kurdistan’s Image as Regional Model,” Christian Science Monitor, July 2, 2011, www.csmonitor.com/World/Middle-East/2011/0701/Arab-Spring-crackdown-damages-Kurdistan-s-image-as-regional-model.

23 من ضمنها غوران (25 مقعداً) وأحزاب إسلامية مثل الجماعة الإسلامية في كردستان (أربعة مقاعد) والاتحاد الإسلامي الكردستاني (ستة مقاعد).

24 Ali Hama Salih, “Challenges Gorran Movement Faces: Rule in KRG’s Eighth Cabinet,” Kurdish News Network, April 18, 2014, http://knnc.net/en/full-story-26876-31-False#.VWSFmGSeDGc.

25 “New Ministers Join KRG Cabinet, Others to Keep Their Posts,” Rudaw, April 14, 2014, http://rudaw.net/english/kurdistan/140420142.

26 ICG, Arming Iraq’s Kurds, 9.

27 أنظر:ICG, Arming Iraq’s Kurds, 10, and Gruber, “Revisiting Civil-Military Relations,” 44.

28 وفقاً لأطروحة فيرينا غروبر، تتألف هيئة الأركان العامة من الرئيس بارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني) الذي يتولّى قيادتها، وشيخ جعفر مصطفى المسؤول عن 70 قوة (الاتحاد الوطني الكردستاني)، وفاروق زروان المسؤول عن 80 قوة (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، ووزير شؤون البيشمركة مصطفى سيد قادر (غوران)، ووزير الداخلية كريم سنجار (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، ومستشار مجلس أمن الإقليم مسرور بارزاني (الحزب الديمقراطي الكردستاني). وهذا يعني أن أربعة أعضاء من أصل ستة هم من الحزب الديمقراطي الكردستاني. أنظر: Gruber, “Revisiting Civil-Military Relations,” 27.

29 “Kurdistan President Fiercely Criticizes Kurdish Opposition Party,” Rudaw, published by Ekurd Daily, February 14, 2010, www.ekurd.net/mismas/articles/misc2010/2/independentstate3558.htm.

30 “Talabani‌’s Militia and PUK Media’s Dangerous Plan to Change Election Results,” Kurdish News Network, May 4, 2014, http://knnc.net/en/full-story-27518-28-False#.VWSIxmSeDGc. أنظر أيضاً:“PUK, Gorran Agree on Cooperation, Dialogue,” Rudaw, May 7, 2014, http://rudaw.net/english/kurdistan/07052014.

31 مقابلة مع جبار الياور، الناطق باسم وزارة شؤون البيشمركة، أربيل، نيسان/أبريل 2015.

32 Gruber, “Revisiting Civil-Military Relations,” 41.

33 ICG, Arming Iraq’s Kurds, 11.

34 Michael Knights, The Long Haul: Rebooting U.S. Security Cooperation in Iraq (Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, January 2015), 29, www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-long-haul-rebooting-u.s.-security-cooperation-in-iraq.

35 Tyler Malcolm, “Emerging Powers and Forgotten Allies in Iraq,” Medium, August 4, 2014, https://medium.com/the-eastern-project/emerging-powers-and-forgotten-allies-in-iraq-4974b4df1ea6.

36 Knights, The Long Haul, 29.

37 Invest in Group, “Overview: Kurdistan Region,” last accessed October 15, 2015, www.investingroup.org/publications/kurdistan/overview/human-capital/.

38 Michiel Leezenberg, “Urbanization, Privatization, and Patronage: The Political Economy of Iraqi Kurdistan,” in Ethnicity and the State: The Case of the Kurds, eds. Faleh Abdul-Jabar and Hosham Dawod (London: Saqi Books, 2006), 14.

39 Chapman, “Security Forces,” 96.

40 KRG officials cited in a U.S. Department of State cable, “Kurds Delay Budget Over Funding for Peshmerga,” February 7, 2007, published by WikiLeaks, www.wikileaks.org/plusd/cables/07BAGHDAD408_a.html; also Peshmerga Affairs Minister Mustafa Sayid Qadir in Gehlen, “Mustafa Sajid Kadir.”

41 Gruber, “Revisiting Civil-Military Relations,” 30.

42 مقابلة أُجريَت مع بحر عبد الرحمن محمد، الاتحاد الإسلامي الكردستاني،عضو في البرلمان وفي قوات البيشمركة وفي لجنة أنفل المعنية بالإبادة الجماعية ، أربيل، نيسان/أبريل 2015.

43 رأى الإعلامي المستقل كمال شوماني أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حاولا إبقاء القوات منقسمة لأنهما يعلمان أنه بغياب البيشمركة والأسايش لايمكنهما الفوز بالانتخابات، لأنهما لطالما أجبرا البيشمركة والأسايش على انتخابهما. مقابلة أُجريَت مع كمال شوماني، إعلامي مستقل، نيسان/أبريل 2015.

44 “The Time of the Kurds,” Council on Foreign Relations, July 29, 2015, www.cfr.org/middle-east-and-north-africa/time-kurds/p36547#!/.

45 أنظر: Gruber, “Revisiting Civil-Military Relations,” 32. وتمّ التطرّق إلى نقاطٍ مماثلة خلال المقابلة التي أجراها كاتب الدراسة مع جبّار الياور، الناطق باسم وزارة شؤون البيشمركة، أربيل، نيسان/أبريل 2015، وخلال المقابلة مع أمانج عبدالله، مسؤول في حزب غوران، أربيل، نيسان/أبريل 2015.

46 ICG, Arming Iraq’s Kurds, 13–14.

47 Wladimir van Wilgenburg, “Iraqi Kurds Fear Fallout From Erdogan-Gulen Conflict,” Al-Monitor, March 17, 2014, www.al-monitor.com/pulse/originals/2014/03/iraq-kurdistan-pkk-puk-barzani-erdogan.html

48 Sevil Erkus, “Turkish Army’s Special Forces to Train Peshmerga,” Hurriyet Daily News, November 21, 2015.

49 Knights, The Long Haul, 35.

50 في تموز/يوليو 2012، تم أيضاً توحيد شرطة الأمن الداخلي المعروفة بـ"أسايش"، وأجهزة مخابرات الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني رسمياً تحت إدارة مجلس أمن حكومة إقليم كردستان الذي يرأسه مسرور، ابن مسعود بارزاني. ويُدير المجلس أيضاً مجموعة مكافحة الشغب التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني. لكن في الواقع، بقيت الأسايش والأجهزة الأمنية تحت سيطرة الحزب السياسية.

51 “Erbil: PUK Members Arrested - PUK Leaders Concerned About This KDP Act,” Milletpress, January 18, 2015, www.milletpress.com.

52 Michael Knights, “What Iraq’s Kurdish Peshmerga Really Need,” Washington Institute for Near East Policy, August 7, 2014, www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/what-iraqs-kurdish-peshmerga-really-need.

53 أنظر الموقع الموالي للاتحاد الوطني الكردستاني:“Video: KDP Forces Withdraw From Shingal,” Milletpress, August 3, 2015, www.milletpress.com

54 تمرّد حزب العمّال الكردستاني على الحكومة التركية في العام 1984.

55 أنظر:“Who Recaptured Makhmur District,” Milletpress, September 4, 2014, www.milletpress.com.

56 “KDP and PUK Resolve Disputes by Reviewing Their Strategic Agreement,” Kurdish Globe, October 20, 2014, www.kurdishglobe.net.

57 ورد في مجلّة دابق الصقيلة الصادرة عن تنظيم الدولة الإسلامية في 13 تموز/يوليو 2015 مايلي (بالإنكليزية):“Add to this that the KDP and PUK have a history of violence, mistrust, and animosity between them, largely due to their divergent political stances.”

58 مقابلة أُجريَت مع جبار الياور، الناطق الرسمي باسم وزارة شؤون البيشمركة، أربيل، نيسان/أبريل 2015.