تشهد مصر سجالا لعله الأول من نوعه على الإطلاق بين الحكومة والجهاز المركزي للمحاسبات في أعقاب تصريح للمستشار هشام جنينة ــ رئيس الجهاز ــ للصحافة يقول فيه إن دراسة أعدها الجهاز توصلت إلى أن تكلفة الفساد في مصر بلغت ٦٠٠ مليار جنيه أي ما يزيد على ربع الناتج المحلي الإجمالي لسنة ٢٠١٥، وذلك دون تحديد مدى زمني معين أو حتى الأسس المنهجية التى تم بناء هذا الرقم شديد الضخامة عليها. وسارعت الرئاسة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق من جهات تنفيذية بالأساس للنظر في مدى دقة الوقائع والتقديرات الواردة بدراسة المركزي للمحاسبات، وانتهت اللجنة تلك يوم الثلاثاء الماضي إلى ما اعتبرته «تفنيداً» لما ورد في الدراسة على أساس افتقارها للمصداقية وللأساس العلمي السليم، بل وذهبت اللجنة إلى الإشارة إلى اقتراف رئيس الجهاز فعلة تضليل الرأى العام والإدلاء بتصريحات غير سليمة من شأنها الإضرار بفرص مصر لجذب الاستثمارات وترتيبها الدولى في مكافحة الفساد، وصولاً إلى تعالي أصوات في الإعلام باستقالة أو إقالة رئيس الجهاز مع الإشارة لجذور تعيينه الراجعة إلى عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي.

لا يرمي هذا المقال إلى الخوض في الأبعاد السياسية ـ القائمة أو المحتملة ـ للسجال الحالي بين الحكومة والجهاز، ولا يرمي بالقطع إلى تناول المستقبل أو الماضي السياسي والوظيفي للمستشار جنينة بقدر ما يسعى إلى اتخاذ الأحداث الأخيرة مدخلا للتعليق على قضية مكافحة الفساد الإداري في مصر، ودور المركزي للمحاسبات والحكومة في ذلك الإطار.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

مبدئياً كشفت الأزمة الجارية عن أن الرأي العام غير مخاطب بتقارير الجهاز المركزي فكل ما بلغ مسامع الجمهور ومنهم المختصون في الشأن الاقتصادي والقانوني والسياسي هو تصريحات للمستشار جنينة حول دراسة أعدها المركزي، ومن المعروف قانوناً أن الجهاز المركزي يقوم بدراساته وتقاريره الرقابية ويحيلها إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية بدون التزام بنشرها علانية، وهو أمر غير مفهوم لدى دولة يقوم ــ مفترضاً ــ نظامها الدستوري على أن الدولة هي ممثل الشعب، وأن أموال الدولة هي أموال عامة مملوكة للشعب بحيث لا يمكن تبرير تلك «الرقابة السرية» على أداء الحكومة.

من الزاوية التاريخية اكتسب الجهاز المركزي للمحاسبات وظائفه الحالية من الفترة الناصرية رغم امتداد جذوره لما قبل ثورة ١٩٥٢، وهو أن يعمل كجهاز للرقابة المالية على الإدارة الحكومية لصالح الرئاسة وقتها، وذلك لحاجة عبدالناصر حينها لعين له تتابع الجهاز الإداري المشكوك دوماً فى نزاهته أو كفاءته أو الاثنين معاً إبان سيطرة الدولة على أغلب الموارد الاقتصادية في ظل نظام التخطيط المركزي، واستمر ذلك الملمح السلطوي الذي تكون فيه الرقابة للرئيس على جهاز الدولة لا للشعب ولا لممثليه طيلة العهود السابقة حتى ثورة يناير ٢٠١١. ولعل هذا هو ما قد يفسر لنا اعتبار الجمهور «أطرش في الزفة» في السجال الحالي بين الحكومة والجهاز حول دراسة مجهلة. 

ولو أن الدراسات والتقارير كانت تنشر علانية باعتبارها وثائق عامة تخص مجموع المواطنين بعد عرضها على الجهات التنفيذية والتشريعية لأمكن الوقوف على أسسها خاصة لدى المختصين، والذين بدورهم يمكنهم أن يقدموا تحليلات متنوعة عبر الصحافة والإعلام عامة للجمهور الأكبر بما يوفر الحد الأدنى من المعلومات ومن المعرفة لنقاش عام حول ظاهرة تؤثر على الحياة اليومية للملايين وهي الفساد، وذلك عوضاً عن الكلام الطائر بين اللجنة الحكومية ورئيس الجهاز وكأنهما يتحدثان بـ«سيم» ما أمام مشاهدين لا يفقهون شيئاً.

أما النقطة الثانية فهي تصريح المستشار جنينة حول تكلفة الفساد المقدرة بـ٦٠٠ مليار جنيه دون تحديد مدى زمني، ودون الإشارة للمنهج العلمي المتبع ودون إشارة لتعريف مفهوم الفساد في الدراسة، والمفاهيم تتعدد بالمناسبة أكاديمياً وحسابياً، وطريقة إجرائه وقياسه حتى يمكن الوصول لمثل هذا التقدير المهول، وذلك قبل الخروج للإعلام بالتقدير النهائي. وبما أنه من غير الممكن الحكم على مدى دقة التقدير دون الاطلاع على الدراسة ومنهجها وأسس جمع المعلومات فيها فمن غير المجدي الخوض في نقد ما هو مجهول أصلاً، وإن كان مما رشح من كلام السيد المستشار ثم في رد اللجنة على الجهاز أن هناك خلطاً ما بين تكلفة الفساد بمعنى الفرصة الاقتصادية الضائعة أي الدخل الذي كان يمكن خلقه لولا الفساد الإداري، وبين الإيرادات الضائعة على الدولة نتيجة إهدار الأصول العامة، ويبدو أن التقرير قد ركز على مسألة الأصول هذه، وفي تلك الحالة لا تكون المسألة خاصة بالاقتصاد ككل إنما خاصة بالدولة فحسب في صورة إيرادات، وهو أمر يستدعى بالطبع معرفة أسس التسعير التي اعتمدتها الدراسة للأراضي التي اعتبرت مهدرة.

وإن كان الرقم ٦٠٠ مليار جنيه في الفترة الزمنية بين ٢٠١٢ و٢٠١٥ يوحى بالكثير من المبالغة خاصة أنه من غير الواضح من تصريحات جنينة في الرد على اللجنة ما إذا كانت الدراسة قد استندت إلى وقائع الفساد في السنوات الثلاث هذه أم أنها اتخذت من تلك الفترة نقطة زمنية لعمل «جرد» للأصول المملوكة للدولة، والتي تعرضت للإهدار نتيجة الفساد، وإن كان بالطبع من الصعب دائماً ـ لأسباب كيفية وليست كمية ـ معرفة الخطوط الفاصلة بين الفساد بمعنى التكسب بتحويل المال العام إلى مال خاص من قبل الموظفين وشركائهم، وبين انعدام الكفاءة، والتي قد تؤدي لذات الإهدار. هذا علاوة على صعوبة التمييز بين الفساد باعتباره مخالفة للقانون أم ما إذا كان الفساد قد استولى على عملية التشريع ذاتها وأنتج قوانين وقرارات هى ذاتها فاسدة بحيث لا تصبح مخالفتها معياراً من عدمه. 

أما النقطة الثالثة فهي دور المركزي للمحاسبات في ضوء تصريحات جنينة الأخيرة، فحتى مع افتراض أن الدراسة لم تكن مبنية على أساس متين أو أنها قد شابها أوجه القصور التى أشار إليها تقرير اللجنة فإن هذا لا ينبغى له أن يخصم من مستقبل الدور الرقابي للجهاز، والذي حال ثبت قصوره يكون بحاجة لبناء القدرات وتوفير المعلومات ليضطلع بدوره الدستوري بكل استقلالية، علماً بأن دور الجهاز هو عمل الدراسات وإعداد التقارير على أن تترك مهام التثبت من الوقائع والمخالفات للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية كل في مجاله. أما أن يتخذ ما وقع ذريعة للخصم للنيل من استقلال الجهاز أو إخضاعه هو ذاته لرقابة السلطة التنفيذية التي من المفترض أنه هو الذي يراقبها فهذا سيكون تطورا سلبياً حتى مقارنة بالعصور السابقة التي تمتع فيها الجهاز بقدر من الاستقلالية النسبية في مواجهة الحكومة وجهازها الإداري. 

وأما القول بأن تصريحات جنينة تقلل من شأن الجهود التي تبذلها الحكومة لمكافحة الفساد فإن الجهاز المركزي غير منوط به تقييم أداء الحكومة في مجال مكافحة الفساد أو غيره من المجالات؛ فهو ليس البرلمان الذي تساءل أمامه الحكومة بل هو مجرد جهاز متخصص ممنوح له قدر من الاستقلالية حتى يقوم بمهام الرصد المالي لعمل جهاز الدولة الإداري لا أكثر ولا أقل، والادعاء بأن دراسة كهذه أو الإفصاح عنها من شأنه أن يضعضع مركز مصر الدولي وأن يضر بوضعها في تقييم الفساد فهذا أمر لا معنى له لأن مؤشرات الفساد لدى منظمات كالشفافية الدولية والبنك الدولي والمنظمات المتخصصة التي تخدم الاستثمار الخاص الأجنبي تعتمد على مؤشرات كمية تقوم برصدها من عينات، ولو كان مركز مصر يتحدد طبقاً لتصريحات أجهزة الدولة لأصبح من صالح البلاد التكتم عما يجري من فساد أو انعدام كفاءة تحت زعم إظهار صورة إيجابية لمصر، وهو بالطبع أمر غير منطقي. 

إن الجدل القائم حالياً حول تكلفة الفساد وحجمه يعكس هماً مشتركاً بين القيادة السياسية التى تجد عدم كفاءة وربما عدم نزاهة قطاعات من الجهاز الإداري للدولة عائقاً أساسياً أمام فرص التعافي الاقتصادي وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وبين الجمهور الواسع الذي يعاني من الفساد الإداري في العديد من المعاملات اليومية سواء كان من مواطنين عاديين يسعون للحصول على خدمات عامة أو رجال أعمال يحتكون بإجراءات الدولة التنظيمية للاقتصاد، ولا سبيل لحصر مثل هذا النقاش في أروقة مغلقة بين الجهاز وبين البرلمان ناهيك عن أن يكون بين الجهاز والحكومة التي من المفترض أصلا أن يقوم هو بتقييم أدائها المالي لا أن تقوم هى بتقييم أدائه الرقابي. بل يكون الأمر باعتماد مساحة أكبر من الشفافية والعلانية في تداول التقارير والدراسات كاملة حتى يشترك الرأي العام على أسس فيها قدر من المعرفة في متابعة أداء المؤسسات التي انتخبها الشعب لإدارة مقدراته.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.