هذه المقاربة الإقليمية المعمَّقة أُعِدَّت كجزءٍ من مشروع "إعادة النظر في العلاقات المدنية-العسكرية 2014-2015: الحوكمة السياسية والاقتصادية في المرحلة الانتقالية" الذي وضعه مركز كارنيغي للشرق الأوسط، والذي يسعى إلى ترقية البحث حول القوات المسلحة في الدول العربية وتحديات مرحلة الانتقال الديمقراطي.

لايزال الجيش اللبناني، الذي شهد انشقاقات كبيرة عدّة خلال الحرب الأهلية الطويلة بين عامَي 1975-1990، يعكس الانقسامات المجتمعية والسياسية في المجتمع اللبناني الأوسع. ويبدو هذا واضحاً من أنماط تكوين الجماعات بين الضباط بعد العام 1990. ولكن في حين كانت هذه الانقسامات تُنسب في العادة إلى الديناميكيات الطائفية، فإنها تدين بالقدر نفسه إلى الانتماءات السياسية (التي غالباً ماتلوّنها الطائفة)، والروابط بين الأجيال، وهوية الجيش كهيئة مهنية.

قبل العام 1990، كان المحرّك الرئيس لتكوين الجماعات في سلك الضباط اللبناني يتمحور حول سياسات الهوية المسيحية-الإسلامية. بيد أن الحرب الأهلية التي انتهت بهزيمة وحدات الجيش اللبناني ذي الغالبية المسيحية على يد الجيش السوري في تشرين الأول/أكتوبر 1990، أدّت إلى تغيير موازين القوى. وعلى مدى العقد التالي، خسر الضباط المسيحيون هيمنتهم السابقة. كان ذلك أكثر وضوحاً في مايتعلق بالضباط الذين خدموا تحت قيادة العماد ميشال عون، قائد الجيش اللبناني بين عامَي 1984 و1990 ورئيس الوزراء المؤقّت الذي عيّنه الرئيس المنتهية ولايته أمين الجميل في العام 1988. قاد عون ما أسماه حرب التحرير ضد المواقع العسكرية السورية في لبنان بين عامَي 1989-1990، ولذلك عندما بدأت عملية إعادة البناء، اضطرّ الجيش اللبناني إلى التعامل مع الضباط العونيين الذين شاركوا في الحملة ضد القوات السورية. هؤلاء الضباط، الذين كانوا يعتبرون أنفسهم قلب الجيش اللبناني، اشتركوا في هوية جماعيّة مبنيّة على النضال، ومن ثم، في بعض الحالات، التهميش في القوات المسلحة.

نايلة موسى
نايلة موسى باحثة في مبادرة الإصلاح العربي، وتجري أبحاث مابعد الدكتوراه في معهد الأبحاث الاستراتيجية في باريس.

العلاقات بين الأجيال والعلاقات المهنية أكثر أهمية للضباط مما يسلَّم به عموماً. يتم بناء هذه العلاقات أولاً في المدرسة الحربية، حيث يقضي ضباط المستقبل من مختلف الطوائف والتوجّهات السياسية سويّة تدريبات تستمر لمدة ثلاث سنوات. بالنسبة إلى الكثير من خرّيجي  المدرسة الحربية، "يغيّر الزي العسكري الشخص. والتدريب العسكري هو تدريب في الوطنية"، كما أوضح عميد متقاعد، وبالتالي فإن المقصود هو أن يكون ولاؤهم قصراً على المؤسّسة فقط.1 وبالتالي فإن التطوير المهني المشترك للضباط، إلى جانب الخبرة اللاحقة المكتسبة أثناء الخدمة في الجيش، جعل الولاء للمؤسّسة العسكرية عاملاً قوياً ومهيمناً في كثير من الأحيان.

بيد أن العلاقات المهنية تتأثر بالحقبة السياسية التي  ينضمّ خلالها الضباط إلى الجيش اللبناني، مع وجود اختلافات كبيرة في الثقافة والمواقف بين أولئك الذين انضموا تحت قيادة اللواء فؤاد شهاب في الفترة 1945-1958، أو خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، أو في ظل الوصاية السورية في الفترة 1990-2005.

 هذه الانتماءات المختلفة، سواء السياسية أو تلك المتعلقة بالأجيال، مرنة أيضاً، وهي تتداخل عادة مع بعضها بطرق عديدة.

التوازن الدقيق بين الانتماءات المختلفة الذي سعى القادة المتعاقبون إلى الحفاظ عليه، يوضّح السبب الذي مكّن الجيش اللبناني من التغلّب على الأزمات التي يحتمل أن تعرّض تماسكه إلى الخطر، منذ أن تحرّر من الوصاية السورية واستعاد استقلاله المؤسّسي في العام 2005. لكن في حين تجنّب الجيش احتمال أن يصبح مؤسّسة فاشلة، فإنه لايزال عرضة إلى خطر أن تحلّ الانتماءات السياسية أو الطائفية للضباط محلّ ولائهم للمؤسّسة وقائدها الأعلى.

ثلاثة أجيال من العسكريين 

العيش في الثكنات والتدريب المشترك والمشاركة في القتال يخلق روابط بين الجنود. بغضّ النظر عن التدريب الوطني للضباط والجنود، فإنهم يحاربون في المقام الأول من أجل الوحدة التي ينتمون إليها، وليس من أجل مفاهيم مجرّدة مثل الأمة أو الدولة.2 ونتيجة لذلك تحدّد هذه الأفواج العسكرية، في كثير من الأحيان، تكوين الجماعات في الجيش وفي سلك الضباط. في الجيش اللبناني، يمكن التركيز على ثلاث جماعات رئيسة من الأجيال: الجماعة التي تم تشكيلها في عهد فؤاد شهاب، وجيل الحرب الأهلية 1975-1990، وخرّيجو المدرسة الحربية من الحقبة السورية (1990-2005).

كثيراً ماكانت العلاقات داخل هذه الأجيال العسكرية عابرة للطوائف وتجمع الضباط من مختلف الطوائف والخلفيات الاجتماعية والمعسكرات السياسية. يبدأ ذلك في المدرسة الحربية، حيث يبني ضباط المستقبل، على مدى ثلاث سنوات، علاقات مهنية عادة مايتم الحفاظ عليها طوال حياتهم المهنية. ينظر الضباط المتخرّجون إلى المدرسة الحربية باعتبارها مدرسة الأمة، حيث يتجاوزون الهويات الطائفية. وكما قال أحد الضباط: "عندما انقسم الجيش خلال الحرب الأهلية [في الفترة 1989-1990]، لم يكن هناك إطلاق نار بين الجيشين. الضباط الذين يتخرجون في العام نفسه لايمكن أن يطلقوا النار على بعضهم البعض".3

تشكّل الجيل الأول نتيجة استجابة شهاب للأزمتين السياسيتين الحادّتين اللتين شهدهما لبنان في العام 1952 والعام 1958، عندما واجه الرئيس آنذاك بشارة الخوري وخليفته كميل شمعون معارضة داخلية قوية وطلبا دعم الجيش لقمع المعارضة. غير أن شهاب رفض إشراك الجيش في السياسة الحزبية، وأصبح المرشح الشعبي لرئاسة الجمهورية نتيجة لذلك، وتولّى منصب الرئيس في الفترة من 1958 إلى 1964. ويرى أحد الضباط أن "شهاب حمى الكيان اللبناني ووحدة الجيش، [و]حصل على الحق في أن يكون رئيساً".4 غير أن اعتماد شهاب لاحقاً على مديرية المخابرات (المكتب الثاني) لقيادة نهجه غير الحزبي لبناء الدولة، واجه معارضة من كثير من السياسيين، بمن فيهم الزعماء المسيحيون كميل شمعون وريمون إدّه وبيار الجميل، الذين شكّلوا تحالفاً نيابياً مناهضاً للشهابية.

مثّل انتخاب سليمان فرنجية لمنصب الرئاسة في العام 1970 نهاية الشهابية، وتمت محاكمة ضباط في المخابرات بتهمة إساءة استغلال السلطة. ومع ذلك، لاتزال الشهابية مدرسة فكرية قوية في سلك الضباط بالجيش اللبناني، وتجمع بين نظرة وطنية عموماً واعتزاز مهني بالأخلاقيات العسكرية ونظرة سلبية للسياسيين المدنيين. والواقع أن تركة فؤاد شهاب باقية في صفوف الضباط المسيحيين الموارنة الذين يريدون أن يسيروا على خطاه ويصبحوا رؤساء، بدءاً من خليفته في قيادة الجيش اللبناني، إميل البستاني، وهي مستمرة منذ ذلك الحين.

تشكّل الجيل الثاني من العسكريين في المراحل النهائية من الحرب الأهلية. وقد لعب صغار الضباط الذين كانوا قادة سرايا تحت قيادة العماد عون في 1988-1990، على وجه الخصوص، دوراً هاماً في ذلك. عون اعتمد عليهم أكثر من اعتماده على كبار الضباط، الذين لم يكن يثق بهم، ما أضرّ بالتسلسل المؤسّسي للقيادة في سياق هذه العملية عن طريق تشجيع الولاء المباشر له.5

أخيراً، كان قبول النظام السوري، بالنسبة إلى خرّيجي المدرسة الحربية بعد العام 1990، أمراً ضرورياً. بين عامي 1991 و1994، تم إرسال 261 ضابطاً إلى سورية للتدريب، بالمقارنة مع 171 ذهبوا إلى الولايات المتحدة و75 إلى فرنسا أو دول أوروبية أو عربية أخرى.6 على الرغم من أن بعض الضباط اللبنانيين لم يروا فائدة مهنية من البرامج التدريبية في سورية، إلا أنهم قبلوا المشاركة في هذه البرامج لأسباب عدّة. الخضوع إلى التدريب في دول أجنبية يؤدي إلى زيادة الرواتب، في حين كانت تكلفة المعيشة في سورية أقلّ مما هي عليه في لبنان، وكان قرب سورية يعني أن بإمكانهم العودة إلى بيوتهم في نهاية الأسبوع. الأهم من ذلك هو أن قيادة الجيش اللبناني فضّلت الضباط الذين تدرّبوا في سورية، الأمر الذي عاد بالفائدة على ترقيتهم الوظيفية. ويبدو واضحاً أن هذا النهج نجح بالنسبة إلى الضباط المسيحيين أيضاً، الذين بقي الكثير منهم في الجيش وتجنّبوا تحدّي توجّهه الجديد الموالي للنظام السوري بصورة مباشرة.

التركيبة الطائفية والديناميكيات المتغيّرة

كانت الهويات الطائفية عنصراً دائماً وبالغ الأهمية أحياناً في تكوين الجماعات في الجيش اللبناني. ومنذ تأسيس الجمهورية اللبنانية في العام 1920 حتى اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، شكّل المسيحيون غالبية سلك الضباط. فقد سيطر المسيحيون على صفوف الجيش، على الرغم من أن التجنيد لم يكن يستند إلى معايير طائفية علنية. ويعزى ذلك إلى عوامل عدّة، بما فيها ميل المسيحيين الموارنة إلى الارتباط أكثر بمؤسّسات الدولة اللبنانية، التي هيمنوا عليها تاريخياً أيضاً.7 غير أن عدد الضباط الموارنة انخفض، بمرور الوقت، من متوسط ​​قدره 70 في المئة من الضباط قبل العام 1945، إلى 65 في المئة بين عامي 1945 و1958، و55 في المئة بين عامي 1958 و1975. 8

كان الانخفاض التدريجي في نسبة الضباط المسيحيين في الجيش اللبناني جزئياً نتيجة لتحوّلات واسعة في المجتمع اللبناني، حيث خسر المسيحيون الأغلبية الديموغرافية. ويرجع الانخفاض جزئياً أيضاً إلى تزايد عدد المسلمين الذين يتقدّمون للانضمام إلى المدرسة الحربية. وأدّت المحاولات العديدة لتحقيق توازن أكثر إنصافاً بين الطوائف عندما أعيد بناء الجيش خلال الحرب الأهلية (1975-1990) (ولاسيما خلال منتصف ثمانينيات القرن الماضي) ومرة أخرى في أوائل التسعينيات، إلى مزيد من الانخفاض في عدد الضباط المسيحيين. وأدّى التخلّص من عددٍ من الضباط المسيحيين بعد هزيمة عون في العام 1990 وارتفاع عدد الضباط المسلمين، إلى حصول تكافؤ ديني في نهاية المطاف. كما أن استحداث حصة غير رسمية بواقع 50 في المئة من الطلبة المسيحيين مقابل 50 في المئة من الطلبة المسلمين للالتحاق بالمدرسة الحربية، بعد الحرب الأهلية، حافظ على هذا التوازن منذ ذلك الحين.9

ظلت الديناميكيات الطائفية في الجيش اللبناني هامة في تسعينيات القرن الماضي، لكنها تطورت منذ ذلك الحين في عدد من الجوانب الهامة. فقد أصاب إذعان عون للتدخّل السوري، في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990، أتباعه من بني دينه بخيبة أمل شديدة. ذلك أن الكثير من الضباط العونيين لم يوافقوا على قتال القوات اللبنانية، الميليشيا المسيحية، والجيش السوري في 1989-1990. 10 بالنسبة إلى البعض، لم تكن القوات اللبنانية هي العدو، كما أن محاربتها قد لاتؤدّي إلا إلى إضعاف الموقف المسيحي. ومع ذلك، كانت هزيمة عون نقطة تحوّل رئيسة أدّت إلى إعادة بناء الجيش اللبناني، الأمر الذي جرى في خضمّ تحوّلات أوسع في السياق السياسي المحلي والإقليمي.

خسر الموارنة هيمنتهم السابقة، وجرى استبعاد قادتهم من الساحة السياسية بعد العام 1990. التمس عون المنفى في فرنسا، واعتقل سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، في العام 1994. وبسبب شعورهم بالغربة عن النظام السياسي الجديد بعد العام 1990 قاطع المسيحيون بكثافة الانتخابات التشريعية في العام 1992، وهي أول انتخابات تجرى بعد الحرب. بعد ذلك تراجع دخولهم إلى مؤسّسات الدولة، وخاصة الجيش، حيث واجه الجيش اللبناني صعوبة في تجنيد المسيحيين من ضباط الصف والأفراد منذ ذلك الحين.11

كانت القيادة الجديدة للجيش تدرك الحاجة إلى إعادة العونيين إلى الجيش، ولكنها أرادت تأمين ولاء العونيين الثابت لها أولاً. وعلى الرغم من أنه جرى إرسال الضباط المعاندين إلى السجون السورية ليكونوا عبرة لغيرهم،12 كانت هناك حاجة إلى حلّ أكثر ديمومة. جاء ذلك عبر القانون الرقم 27 الصادر في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1990، والذي سمح للضباط من الجيش والشرطة والأمن العام، وأمن الدولة بالتقاعد المبكّر من دون تكبّد خسائر مالية. كانت النتيجة هي المرسوم الحكومي الرقم 1111 الصادر بتاريخ 20 نيسان/أبريل 1991، والذي قبل استقالة 221 ضابطاً 60 من المسلمين و161 من المسيحيين.13 وقد اضطر عون وبعض السياسيين العونيين مثل الوزيرين عصام أبو جمرة وإدغار معلوف، بصورة منفردة، إلى الذهاب إلى المنفى في فرنسا.

برّر الضباط العونيون الذين انضموا إلى القيادة الجديدة للجيش اللبناني اختيارهم على المستوى الواقعي غير الإيديولوجي: فقد هزم عون وأصبح النظام السوري الآن أمراً واقعاً. كما برّر هؤلاء الضباط ولاءهم من الناحية المؤسّسية قائلين إن الجنود يتبعون أوامر قائدهم. لابل إن بعض العونيين السابقين لحقوا قائد الجيش اللبناني العماد إميل لحود إلى القصر الرئاسي عندما انتخب رئيساً في العام 1998، باعتبار ذلك وسيلة للحفاظ على مكانتهم وتأمين الترقية.

فئة أخيرة من الضباط العونيين شملت الضباط المتشكّكين، وهم كانوا من الضباط الصغار الذين كانوا يقومون بأدوار قتالية أثناء قيادة عون. وعلى الرغم من أنهم استمروا بعد العام 1990، إلا أنهم اختلفوا مع التوجّه السياسي للقيادة الجديدة للجيش اللبناني، ونتيجة لذلك جرى تهميشهم بعد ذلك.

سعى لحود إلى ضمان أن تكون الغلبة للديناميكيات المؤسّسية على الولاءات خارج المؤسّسة، خصوصاً الولاءات الطائفية أو السياسية (مثل الولاء لعون). وقد أعاد لحود بناء الجيش بطريقة من شأنها أن توفّر له الحماية من الانقسامات الطائفية المتكرّرة.  حقق لحود ذلك بدعم سوري من خلال منح الضباط امتيازات لتعزيز هيمنة الجيش والولاء للمؤسّسة. وقد أحاط نفسه أيضاً بضباط من مختلف الطوائف لنقل الانطباع بأنه لايحابي أي طائفة على حساب الطوائف الأخرى. بيد أن العديد من الضباط الموارنة كانوا يعتقدون أن لحود لم يكن يثق بشركائه في الدين، إذ أن العديد منهم رفض العمل معه بعد هزيمة عون.

كانت محاباة لحود للضباط غير الموارنة مسألة تسييس شخصي إلى حدّ كبير. وفقاً للميثاق الوطني للعام 1943 لايمكن إلا للموارنة أن يتولّوا منصبَي قائد الجيش ورئيس الجمهورية، وقد سعى لحود إلى تهميش منافسيه المحتملين على الرئاسة من داخل الجيش اللبناني.  وذكر أحد الضباط أنه عندما فتح الجيش السوري أربعة مناصب لضباط لبنانيين كبار للمشاركة في دورة تدريبية في سورية، رفض لحود إرسال الموارنة، خوفاً من أن يطوّروا علاقات مع النظام السوري قد تفيد أي ضابط لديه طموحات سياسية.14 ووفقاً للمصدر نفسه، أرسل لحود بدلاً من ذلك مسيحيين من غير الموارنة، وخصوصاً الروم الأرثوذوكس، لأنهم لم يشكّلوا تهديداً سياسياً شخصياً له.

لعب الولاء السياسي أيضاً دوراً في ذلك. فقد اختار لحود ضباطاً يثق بهم ويشاطرونه رؤيته المؤيّدة لسورية. في هذه البيئة السياسية الجديدة، كان من المفترض بضباط الجيش اللبناني أن يمنحوا ولاءهم الشامل للقيادة الجديدة والوجود السوري في لبنان. كان لحود وحلفاؤه ينظرون إلى الضباط الشيعة باعتبارهم محازبين طبيعيين للترتيب الجديد للجيش. لم يكن ولاؤهم موضع شكّ أبداً، وكان ينظر إليهم بوصفهم صلة وصل أساسية مع جماعة حزب الله الشيعية. على مرّ السنين، ازداد عدد الضباط الشيعة في الجيش اللبناني بصورة كبيرة ليصل إلى 26.8 في المئة في العام 2004 (ارتفاعا من 15.3 في المئة في العام 1958). على سبيل المقارنة، زاد عدد الضباط السنّة بنسبة 15.3-16.1 في المئة فقط خلال الفترة نفسها.15

ولعلّ هذا يساعد في تفسير السبب في أن أحد الضباط السنّة وصف، في العام 2011، التطورات في الجيش اللبناني في ظل الوصاية السورية بأنها "مدّ شيعي".16 ومن الأمثلة على ذلك جميل السيد الضابط الشيعي الذي تم تعيينه نائباً لمدير المخابرات (منصب المدير يشغله دائماً ضابط ماروني). كان السيد، الذي يعتبر إلى حدّ بعيد رجل سورية في لبنان، أحد مهندسي عملية إعادة بناء الجيش بعد العام 1990. وكان يعتبر نفسه "لاطائفياً" ودعم حزب الله لأسباب سياسية، وليس لأسباب طائفية.

العلاقات مع حزب الله

سار تنامي نفوذ الضباط الشيعة في الجيش اللبناني جنباً إلى جنب مع ازدهار علاقة الجيش مع حزب الله. في فترة مابعد العام 1990، سعى لحود إلى فرض عقيدة عسكرية تقوم على أساس تحديد إسرائيل باعتبارها العدو الرئيس للبلاد، والجيش السوري وحزب الله باعتبارهما حلفاء أساسيين في المعركة ضدها. أدّى انسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان/أبريل 2005 إلى إضعاف هذا النهج، بيد أنه تم إحياؤه جزئياً عندما عاد العماد عون إلى لبنان من منفاه في أيار/مايو، حيث وقّع بعد ذلك مذكّرة تفاهم مع حزب الله.  وبما أن الضباط العونيين كانوا لايزالون يشكّلون دائرة أنصار هامة في الجيش، فقد سهّل تحالف عون الجديد قبول بعض الضباط، على الأقل ضمنياً، للاستراتيجية المؤيّدة لحزب الله وللنظام السوري.

تم توقيع مذكّرة التفاهم في شباط/فبراير 2006 بين العماد عون والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. لم يتم ذكر الدور السوري في لبنان ولا العلاقات بين إيران وحزب الله، الأمر الذي أدّى إلى إسقاط نقاط الاختلاف الرئيسة.17 برّر عون نهجه الجديد لأنصاره موضحاً أن صراعه مع النظام السوري انتهى عندما انسحبت القوات السورية من لبنان. إلا أن الكثير من الضباط، بمن فيهم العونيون، كانوا ولازالوا، ينتقدون هذا التحالف. البعض قبل به لأسباب إيديولوجية أو براغماتية، غير أن البعض الآخر رفضه لأنهم يعتبرون حزب الله بمثابة تهديد.

لايزال العونيون المعارضون لمذكرة التفاهم يقولون إنهم لايفهمون لماذا سيختار عون، الذي قاد الجيش لقتال كل الميليشيات في 1989-1990، بما في ذلك الميليشيات المسيحية حتى نهاية الحرب الأهلية، إحدى الميليشيات باعتبارها حليفاً بعد عقود.18 وقد عبّر أحد ضابط عن استيائه إزاء توجّه عون الجديد المؤيّد لحزب الله وللنظام السوري، قائلاً: "خضنا حرباً ضد الجيش السوري، كنا مهمّشين تحت الحكم السوري، والآن انتهى كل شيء".19 لم يتفق هؤلاء الضباط مع التحالف الجديد نظراً إلى هيمنة حزب الله، حيث يرون أن من المستبعد أن يحسّن وضع المسيحيين في الدولة.

في المقابل، قَبِلَ العديد من العونيين مذكرة التفاهم باعتبارها ضرورية بسبب السياق الإقليمي: فقد نظروا إلى المسيحيين والشيعة باعتبارهم حلفاء أقليّة طبيعيين في منطقة يغلب عليها السنّة. على مستوى أكثر واقعية، ظن العديد من العونيين أنه لايمكن للجيش أن يعارض حزب الله بسبب البيان الوزاري للحكومة، والذي وصف حزب الله بأنه حركة مقاومة مشروعة. ووفقاً لهؤلاء الضباط، لايمكن للجيش أن يطلب نزع سلاح حزب الله في حال غياب توافق في الآراء بشأن استراتيجية الدفاع الوطني.

على أي حال، لم تعد السمة العونية عقبة أمام تقدّم الضباط بعد العام 2005. على سبيل المثال، تم تعيين ضابط عوني لقيادة لواء الجيش اللبناني الذي أرسل إلى جنوب لبنان وفقاً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم 1701 الذي أنهى حرب تموز/يوليو 2006 مع إسرائيل. في هذه الحالة، لم يتفق الضابط مع استراتيجية عون وتحالفه مع حزب الله، لكنه لزم الصمت.

تجدّد مسألة الولاء السنّي

أحيى القبول المطّرد، وإن الضمني، لعلاقة القوات المسلحة اللبنانية بحزب الله طرح مسائل قديمة حول الولاء السنّي، وبالتالي حول تماسك الجيش. تقليدياً، لم يكن للضباط السنّة في الجيش هوية جامعة واضحة أو حتى إحساس بالتضامن الطائفي. فالسنّة في لبنان لم ينظروا إلى أنفسهم عموماً على أنهم طائفة مهمّشة أو حتى أقلّية، إذ أنهم يشكّلون أغلبيةً في المنطقة الأوسع. وهم أقاموا تاريخياً في المراكز الحضرية والساحلية الموسِرة، بما فيها مدينتا بيروت وطرابلس المكتظّتان بالسكان، ولذا مالوا إلى عدم الانضمام إلى سلك الضباط كسبيلٍ إلى الارتقاء سياسياً أو اجتماعياً. وهكذا، أبقت هذه العادة، إضافةً إلى الاستراتيجية الفرنسية القائمة على تجنيد الأقليات (كما في سورية المجاورة)، انخراطَ السنّة في الجيش منخفضاً بشكل غير متناظر عقب إنشاء الجمهورية اللبنانية.20 ولايزال هذا الإرث قوياً بعد مرور عقود من الزمن، إذ شرح أحد الضباط المتقاعدين قائلاً: "أنا من بيروت، ولم يكن أمراً طبيعياً جداً أن أتقدّم إلى المدرسة الحربية. إذ مامن أحد في أسرتي كان في الجيش".21

بالتالي، لايميل الضباط السنّة إلى التنظُّم على أساسٍ طائفي. ومع ذلك، شُكِّك في ولائهم مراراً وتكراراً منذ انشقاق الملازم أول السنّي أحمد الخطيب، الذي انشقّ عن صفوف الجيش في العام 1976 لإنشاء جيش لبنان العربي دعماً لمنظمة التحرير الفلسطينية أثناء الحرب الأهلية. ثم اشتُبِه مجدداً بعدم ولاء السنّة بعد توقيع اتفاقية الدفاع والصداقة في العام 1992، والتي منحت النظام السوري سيادةً على شؤون لبنان الدفاعية والخارجية. واعتُبِر نظام الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد أنه يمثّل حكم الأقلّية العَلَوية في سورية، ولذا كان النظام حذراً من الضباط السنّة في القوات المسلحة اللبنانية لما قد يكون لهم من تأثيرٍ محتملٍ مُزَعزِعٍ للاستقرار.

لكن الخصومة بين قائد الجيش إميل لحود والسياسي السنّي رفيق الحريري، الذي أصبح رئيساً للوزراء في العام 1992، ساهمت في تهميش الضباط السنّة في القوات المسلحة اللبنانية. فالرجلان كانت لهما رؤيتان مختلفتان لعملية إعادة الإعمار: إذ فضّل لحود مقاربةً مبنيةً على الأمن، في حين ركّز الحريري على النمو الاقتصادي، وهو اختلاف لخّصه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بطرافةٍ بأنه "هانوي مقابل هونغ كونغ".22 فلحود لم تعجبه بشكل خاص الدفعة السنوية غير الرسمية التي قدّمها الحريري للجيش اللبناني أثناء الحرب الأهلية، والبالغة 500 ألف دولار، وأصرّ قائد الجيش على أن هذه الدفعة يجب أن تمرّ عبر القنوات الرسمية عندما تولّى منصبه.23 كما اعتقد لحود أن رئيس الوزراء سيسعى إلى زيادة نفوذه في الجيش من خلال الضباط السنّة، معتبراً إياهم رجال الحريري بوضوح.

بيد أن الضباط السنّة كان لهم شعور مختلف. فقد أصرّ عميد سنّي متقاعد على أن "الحريري لم يعلم ماكان يجري داخل المؤسسة. أراد [لحود والنظام السوري] عزله وإبقاءه بعيداً عن الجيش. لم يدعوه يوظّف رجاله في الجيش. كما همّشوا الضباط السنّة الذين اعتبروهم مقرّبين منه".24 وشرح ضابط سنّي متقاعد آخر أنه لزم الحياد السياسي طوال حياته العسكرية، عن قناعة أولاً (إذ لم ينحَز إلى أي سياسي)، ولتفادي خلق أعداء له في الجيش لاحقاً.25 وقد حرص لحود على أن يرافقه ضباط سنّة كلما التقى بالحريري، ليبدّد الاعتقاد بأنه كان يهمّشهم.

والواقع أن التوترات بين لحود والحريري كانت سياسيةً لاطائفية، واستمرّت بعد أن انتُخِب لحود رئيساً وحلّ مكانه العماد ميشال سليمان قائداً للقوات المسلحة اللبنانية في العام 1998. لكن الولاء السنّي خضع في مطلق الأحوال إلى الاختبار في مناسبات عدة عقب انسحاب القوات السورية من لبنان في العام 2005. تمثّل الاختبار الأول في حرب العام 2007 بين المجموعة السنّية المتطرّفة فتح الإسلام والجيش اللبناني. احتاج الجيش إلى ثلاثة أشهر وحملات متكرّرة ليستأصل المقاتلين من مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان. واللافت أنه لم تحصل أي انشقاقات سنّية في القوات المسلحة اللبنانية أثناء تلك الفترة، حتى عندما أدّت عمليات الجيش إلى تدمير المخيّم. فكما قال أحد الضباط، "من الصعب أكثر بكثير على الجيش مواجهة مشاكل داخليةٍ من التعامل مع مجموعات مثل فتح الإسلام".26 وقد نجحت القوات المسلحة اللبنانية في الاختبار جزئياً عبر تصنيف هذه المجموعات على أنها منظمات إرهابية، وتعريفها على أنها أعداء الدولة. هذا الأمر أتاح للجيش تصوير نفسه على أنه فوق الصراعات الطائفية والسياسية.

في أيار/مايو 2008، خضع الولاء السنّي إلى الاختبار مجدّداً، بعد أن استولى حزب الله وحلفاؤه على مناطق واسعة من بيروت الغربية. وقد برّر حزب الله هذه الخطوة على أنها ردٌّ على ما اعتبره تدابير عدائيةً من جانب حكومة رئيس الوزراء آنذاك فؤاد السنيورة؛ إذ شملت تلك الإجراءات تفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله، وصرف ضابط أمني كبير في مطار لبنان الدولي كان حليفاً للحزب. نُشِر الجيش في العاصمة باعتباره قوة محايدة، إلا أن حياده المُعلَن انتُقِد من جانب زعماء 14 آذار المتحالفين مع الحريري، الذين اتّهموا الجيش بالاصطفاف فعلياً مع حزب الله.

بيّنت أحداث أيار/مايو 2008 التطييف المتزايد للسياسة اللبنانية، والذي بدأ في العام 2005. لكن بدلاً من الانقسام التقليدي بين المسيحيين والمسلمين، كانت التوترات مابين المسلمين، وبين السنّة والشيعة. هذا النمط اللبناني وحتى الإقليمي الأوسع، انعكس حتماً في سلك الضباط في القوات المسلحة اللبنانية. إذ شعر بعض الضباط السنّة أن طائفتهم تتعرّض إلى الإذلال، فقدّموا استقالتهم احتجاجاً على عدم تحرّك الجيش. وكان العقيد غسان بلعة، وهو ضابط سنّي عالي الرتبة مقرّب من السنيورة، أول مَن قدّم استقالته، وتبعه العميد عبد الحميد درويش، وهو قائد عسكري من الشمال. وقد صوّر اللواء أشرف ريفي، مدير عام قوى الأمن الداخلي آنذاك، وهو سنّي، الاستقالات على أنها رسالة إلى قائد الجيش ميشال سليمان، إذ قال إن الاستقالات أظهرت حاجة القوات المسلحة اللبنانية إلى التحرّك من أجل حماية المواطنين اللبنانيين كافة، بمَن فيهم السنّة.

لكن الوقائع نفسها أظهرت أيضاً أسلوب التباهي الذي غالباً مانجده في السياسة اللبنانية. فوفقاً للحريري، في نقاش له مع السفيرة الأميركية في لبنان جرى نشره عبر ويكيليكس، كانت استقالات هؤلاء الضباط السنّة المئة تقريباً رمزيةً لا أكثر.27 أما سليمان فزعم أن سياسيين شجّعوا الضباط على الاستقالة، إلا أن أياً منهم لم يستقل فعليا.28

جاء اندلاع الأزمة السورية في العام 2011 ليفاقم التوترات السنّية-الشيعية المتصاعدة. مذاك الحين، تدخّلت القوات المسلحة اللبنانية بشكل متواصل لحماية الأمن الداخلي والنظام العام في لبنان، ولاسيما من المجموعات الجهادية السنّية. لكن انخراط حزب الله في الصراع السوري ضد انتفاضةٍ شعبيةٍ إلى جانب نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أثار معارضةً شديدةً من بعض الأحزاب اللبنانية، وخصوصاً القيادة السياسية السنّية. وذهب الخطباء السنّة المتشدّدون أبعد من ذلك، إذ اتّهموا بشكل متزايد القوات المسلحة اللبنانية بالتحرك فقط ضدّ المجموعات السنّية في لبنان لصالح حزب الله.

تمثّلت الأزمة الخطرة الأولى بين السنّة والجيش في مقتل شيخٍ سلفي عند حاجزٍ للجيش في عكار في أيار/مايو 2012، الأمر الذي أدّى إلى ردود فعلٍ عنيفةٍ ضدّ القوات المسلحة اللبنانية في تلك المنطقة اللبنانية الشمالية.29 بعد عام، في حزيران/يونيو 2013، تواجَه الجيش طوال يومَين، في مدينة صيدا الساحلية الجنوبية، مع أنصار الشيخ السلفي أحمد الأسير المعروف بموقفه الشرس ضد حزب الله.30 وفي 2 آب/أغسطس 2014، ألقى الجيش القبض على عماد أحمد جمعة في عرسال، واتّهمه بإعلان الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية، ما أشعل صدامات مع مقاتلين جهاديين.31 إضافةً إلى ذلك، قام عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، وهي فرع للقاعدة في سورية،32 باختطاف حوالى 35 جندياً ودركياً، وطالبوا في المقابل بإطلاق سراح إسلاميين محتجزين في السجون اللبنانية. كما واجه الجيش مجدداً مقاتلين إسلاميين في الأسواق القديمة لطرابلس في شهر تشرين الأول/أكتوبر نفسه،33 ناقلاً النزاع للمرة الأولى من حيّ باب التبانة السنّي وحيّ جبل محسن العَلَوي إلى وسط المدينة.

واللافت أن أربعة جنود سنّة فقط انشقّوا عن القوات المسلحة اللبنانية منذ بداية الحرب السورية. فالموقف السياسي الرسمي للمجموعة السياسية السنّية، تيار المستقبل، كان حاسماً في سدّ الثغرة بين الجيش وبين الطائفة السنّية، مع تأكيد زعيم التيار سعد الحريري دعمَه للجيش ضد المجموعات الجهادية. ومع أن ضباطاً سنّة عدة لايوافقون على استراتيجية القيادة، إلا أنهم لايزالون على ولائهم. فكما شرح أحد الضباط، "لايمتلك السنّة سوى المؤسسات والدولة، فإلى أين يذهبون إذا مافشلت الدولة؟".34

تسييس التعيينات العسكرية

النشاط السياسي ممنوع رسمياً في القوات المسلحة اللبنانية، إذ يُحظَّر على الضباط والمجنّدين مناقشة السياسة أو الانضمام إلى حزب سياسي أو الانتخاب. لكن وفقاً لأحد الضباط، "نعرف جميعاً آراء أحدنا الآخر".35 والواقع أن السياسة والإيديولوجيا تتأثّران بالسياق وبارتباطات العناصر وفرصهم، وغالباً ماتحدّد هذه العوامل المواقف التي يتّخذها الضباط في مايتعلّق بالمسائل السياسية، بما في ذلك علاقة الجيش بحزب الله. بعبارة أخرى، أصبحت المحسوبية السياسية – بدلاً من الميول الإيديولوجية أو الحياد المهني – عاملاً حاسماً في العلاقات المدنية-العسكرية.

في الوقت نفسه، عرّض تسييسُ التعيينات والترقيات الكبيرة في الجيش هذا الأخير بشكل متزايد إلى تقلّبات النظام السياسي اللبناني وشلله. على سبيل المثال، يجب أن يحصل منصب رئيس الأركان، وهو أعلى منصب يتولاه فردٌ من الطائفة الدرزية، على موافقة وليد جنبلاط، الزعيم الأساسي للطائفة الدرزية. في المقابل، يجب أن يحصل الضباط الموارنة الذين يسعون إلى قيادة القوات المسلحة اللبنانية، على موافقة الأحزاب السياسية كافة، بما أن المنصب يُعَدّ مُنطلَقاً إلى رئاسة الجمهورية، وبالتالي غالباً مايكون عليهم أن يخفوا آراءهم السياسية لينالوا قبول الجميع. لكن العواقب السلبية تزايدت منذ نهاية الوصاية السورية في العام 2005. فبعض المناصب القيادية تُرِكَت أحياناً شاغرةً لأشهر طويلة، إذ أن غياب التوافق السياسي حال دون شغلها.

تمثَّل التهديدُ الذي فرضه هذا الجمود على تماسك الجيش في مأزق تعيين قائدٍ جديدٍ للقوات المسلحة اللبنانية في العامَين 2014-2015. كان من المفترض أن يتقاعد العماد جان قهوجي في أيلول/سبتمبر 2014، لكن بما أن مجلس الوزراء عجز عن التوافق على خلفٍ له، أرجأ تقاعدَه لعام ثم لعام آخر بدءاً من أيلول/سبتمبر 2015. هذا التأجيل عارضه عون، الذي انتصر لصهره، العميد شامل روكز، ليحلّ مكان قهوجي. ويُذكَر أن روكز، وهو قائد فوج المغاوير النخبوي، كان يُنظَر إليه على نطاق واسع في الجيش على أنه قائد كفؤ وضابط محترف، لكن كان يُفترَض أن يتقاعد هو أيضاً في تشرين الأول/أكتوبر 2015.

الواقع أن الجدال كان سياسياً بالكامل وأدّى إلى أشكال جديدة من المناورة. فقد طُرِح اقتراحٌ بأن تُمدَّد ولاية روكز في الجيش من خلال ترقيته إلى رتبة لواء، يكون التقاعد منها في سنّ متأخّرة أكثر. بيد أن هذه الرتبة مخصّصة للأعضاء الخمسة في المجلس العسكري، أعلى هيئة في الجيش، والذين يمثّلون عُرفاً كلاً من السنّة والشيعة والدروز وطائفتَي الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكس؛ أما الموارنة فيُمثَّلون بقائد الجيش، ولذا لم يكن ممكناً ترقية روكز إلى رتبة لواء. فقانون الدفاع الوطني للعام 1983 نصّ على أنّ المجلس العسكري يجب أن يتألّف من خمسة ضباط برتبة لواء، ويرأسه قائد الجيش، إلا أن عون حاجج بأن القانون غير قابل للتطبيق لأن المراسيم التنفيذية المطلوبة لم تُنشَر قط. وقد استخدم عون هذه الحجّة لينادي بدلاً من ذلك بتطبيق القانون السابق الصادر في العام 1979، والذي يحدّد عدد الضباط برتبة لواء في القوات المسلحة اللبنانية بثمانية، مايتيح ترقية الموارنة إلى هذه الرتبة.

عارض كلٌّ من قهوجي وقائد الجيش السابق ميشال سليمان، الذي انتهت ولايته الرئاسية في أيار/مايو 2014، ترقية الضباط لحلّ مشكلةٍ سياسية، إذ من شأنها تقويض بنية الجيش القيادية. ولم يكن خيارٌ آخر طرحه بشكل أساسي مدير العام الأمن العام، اللواء عباس ابراهيم، أقل إشكالية، وهو تمثّل في رفع سنّ التقاعد لكبار الضباط كافة، لإتاحة المجال أمام قهوجي وروكز وآخرين للبقاء في الخدمة الفعلية، وإرجاء النزاع السياسي. لكن الجيش يضمّ في صفوفه أصلاً الكثير من الضباط برتبة عميد (مايزيد عن 500 عميد في جيشٍ عديدهُ حوالى 60 ألف رجل)، وهو للمقارنة ضعف عدد الجنرالات في الجيش الفرنسي الذي يُعَدّ أكبر بكثير، ويضمّ 200 ألف عنصر في الخدمة الفعليّة. ويُذكَر أنه وفقاً للهيكل التنظيمي للقوات المسلحة اللبنانية، يجب ألا يضمّ الجيش أكثر من 160 عميداً، إلا أن التدخّلات السياسية الدائمة وسياسات الترقية السيئة أضعفت تطبيق هذا التوجيه.

يُضاف إلى ذلك أن مأزق تعيين قائد جديد للجيش، عَكَس مشكلةً أكبر بكثير. فثمة مناصب ثلاثة شاغرة في المجلس العسكري منذ العام 2013: منصب مدير عام الإدارة (يتولّاه شيعي)، ومنصب المفتش العام (روم أرثوذكس)، ومنصب للروم الكاثوليك (من دون وظيفة معيّنة). كما أنه كان من المفترض أن يتقاعد كلٌّ من رئيس الأركان (درزي) وأمين عام المجلس الأعلى للدفاع36 (سنّي)، في 7 آب/أغسطس و12 أيلول/سبتمبر على التوالي، غير أن ولايتهما جُدِّدَت مرّتين (في العام 2014 ثم في العام 2015) بغية تفادي شغور مماثل. هذا وتقاعد مدير المخابرات (ماروني) في 22 أيلول/سبتمبر 2015، لكنه طُلِب مجدداً إلى الخدمة فوراً لولايةٍ مدّتها ستة أشهر إضافية إلى أن يتم الاتفاق على خلفٍ له، علماً أن تقاعده كان أُرجِئ ثلاث مرات قبلاً. هذا النظام المعطّل إلى حدّ كبير ليس مبنيّاً على الجدارة، وهو مُحبِطٌ أيضاً للضباط المؤهّلين الأصغر سنّاً الذي يسعون إلى الترقّي.

إن عواقب الترقيات السياسية مثيرة للقلق أيضاً في مايتعلّق بتماسك الجيش وانضباطه. ففي 29 أيلول/سبتمبر 2015، سعى عميد في القوات المسلحة اللبنانية إلى تحدّي قرار وزير الدفاع بإرجاء تقاعد قهوجي عبر اللجوء إلى مجلس شورى الدولة، وهو المحكمة الإدارية في الجمهورية. كانت هذه الخطوة غير اعتيادية إلى حدّ كبير، وحثّت مديرية المخابرات على استدعاء العميد إلى الاستجواب، إذ أن الضباط ينبغي أن يحصلوا على إذنٍ من القيادة قبل اللجوء إلى المحاكم غير العسكرية. وكان من المفترض أن يتقاعد هذا الضابط، وهو ماروني، في آب/أغسطس 2016، مايعني أن تمديد ولاية قهوجي عرقلت تلقائياً فرصتَه الوحيدة ليُعيَّن قائداً.37

خاتمة

توخّت الحكومات اللبنانية المتعاقبة حذرها في ماتطلبه من الجيش، لأن ذلك من شأنه أن يؤدّي إلى تداعي التماسك بسبب الولاءات المتعدّدة في سلك الضباط. ومع ذلك، مالَ الضباط إلى التقيّد في الممارسة بمعيارٍ سلوكيٍّ مشترك، بصرف النظر عن ولاءاتهم الشخصية منذ الانسحاب السوري من لبنان في العام 2005. فقد غضّ ضباطٌ ذو آراء مناهضة بشدّة لحزب الله الطرفَ، عند تعيينهم في جنوب لبنان، عن نقل الحزب أسلحته سرّاً. وبالمثل، لم يؤدِّ الانتقاد السنّي لاستراتيجية قيادة الجيش إزاء الأزمة السورية منذ العام 2011، إلى عصيانٍ أثناء العمليات العسكرية ضد المتشدّدين السنّة في لبنان. لكن تدخّل الجيش في نزاعات داخلية ذات صبغة طائفية قوية لايزال يطرح تحدّياً، كما كانت الحال في اشتباكات أيار/مايو 2008 في بيروت. ومع ذلك، أثبتت القوات المسلحة اللبنانية تماسكها في مناسبات عدة، حتى عندما جرى تخطّي خطوط حمر سابقة، بما في ذلك القتال في معركة نهر البارد، وتأمين الحدود الشرقية منذ العام 2012 لتسهيل تدخّل حزب الله العسكري في سورية.

أحد العوامل المهمة التي ساهمت في الحفاظ على تماسك الجيش، هو أنه لم تشعر أي مجموعة من مجموعات الضباط – سواء أكانت مُحدَّدةً بالهوية الطائفية أو الولاء السياسي – بالعزلة في القوات المسلحة اللبنانية منذ العام 2005. والواقع أن تداخل مختلف أنواع الانتماءات (الطائفية أو السياسية، أو الانتماءات المرتبطة بالأجيال)، وتقاطُع الروابط بين مجموعات الضباط، صانا حتى الآن وحدة القوات المسلحة اللبنانية. لكن تسييس التعيينات والترقيات العسكرية، الذي أسفر عن فائض في أعداد كبار الضباط، يقوّض الفعالية العملياتية للجيش. كما أن هذا التسييس يولّد انقساماً غير سليم بين الضباط السياسيين وبين الضباط غير المسيّسين أو المسيّسيين بدرجة أقل، يتحدّى مفاهيم الاحتراف العسكري، ويُضعِف بالتالي ثقة الضباط بواحدةٍ من مؤسسات الدولة اللبنانية القليلة التي يعتبرها معظم المواطنين جديرةً بالثقة وشرعيةً وهيئةً وطنيةً بحق.

هوامش

1 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، آب/أغسطس 2009.

2 Florence Gaub, Military Integration After Civil Wars: Multiethnic Armies, Identity and Post-conflict Reconstruction (New York: Routledge, 2011), 57.حلّل موريس جانويتس أيضاً أهمّية "الجماعات الأوّلية":“The men seem to be fighting more for someone than against somebody,” Morris Janowitz, Sociology and the Military Establishment (New York: Russel Sage Foundation, 1974), 93.

3مقابلة مع ضابط لبناني، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2011.

 

4 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2009.

5 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2009.

6 رياض تقي الدين، إحياء جيش 1988-1994 (بيروت، 1994)، 309.

7 Oren Barak, “Towards a Representative Military? The Transformation of the Lebanese Officer Corps Since 1945,” Middle East Journal 60, no. 1 (Winter 2006): 91.

8 المصدر السابق.

9 كان الوضع مختلفاً على مستوى ضباط الصف والأفراد، حيث يشكّل المسلمون الأغلبية.

10 مقابلات مع ضبّاط متقاعدين، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2014.

11 في بداية تسعينيات القرن الماضي، اضطر الجيش إلى تجنيد 3100 جندي مسيحي ووقف تجنيد المسلمين بهدف تحقيق التوازن في صفوفه. تقي الدين، 193.

12 مثل عامر شهاب أو فايز كرم أو شامل موزايا أو فؤاد عون، الذي اتهم بأن له علاقات مع صدام حسين.

13 فؤاد عون، من ضيافة صدام إلى سجن المزة، (بيروت، 2008)، 199.

14 مقابلة مع ضابط متقاعد، بيروت، أيار/مايو 2010.

15 Oren Barak, 84-88.

16 مقابلة مع ضابط متقاعد، بيروت، آب/أغسطس 2011.

17 Beltram Dumontier, “L’entente entre le CPL et le Hezbollah: pacte national ou ‘zawâj mut‘a’?” (master’s dissertation, Sciences Po, 2007), 42.

18 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2014.

19 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2014.

20 Nikolaos Van Dam, The Struggle for Power in Syria, Politics and Society Under Asad and the Ba’th Party (London: I. B. Tauris, 1996), 26–27.

21 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، آب/أغسطس 2011.

22 Michael Young, The Ghosts of Martyrs Square: An Eyewitness Account of Lebanon’s Life Struggle (New York: Simon & Schuster, 2010), 117.

23 كريم بقرادوني، "صدمة وصمود، عهد إميل لحود" (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2010)، 19.

24 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، آب/أغسطس 2011.

25 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، أيار/مايو 2011.

26 مقابلة مع ضابط لبناني، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2009.

27 برقية دبلوماسية من ميشال سيسون، السفيرة الأميركية في بيروت، إلى وزير الخارجية، 12 أيار/مايو 2008، نُشِرَت عبر ويكيليكس.“Lebanon: Army Commander Says He Will Protect the Government,” Al-Akhbar, http://english.al-akhbar.com/node/367.كانت الزيارة الأخيرة للموقع في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

28 المصدر السابق.

29 Nicolas Nassif, “Lebanon: Turning the Page on the Kuweikhat Incident,” Al-Akhbar, September 13, 2012, http://english.al-akhbar.com/node/12113.

30 جان عزيز، "النار السلفية تسقط قتلى للجيش وتهدّد بإشعال لبنان"، المونيتور، 2 حزيران/يونيو 2013:http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2013/06/lebanon-sidon-assir-salafists-kill-army.html

31 Rakan al-Fakih, “Militants Kill Two Lebanese Soldiers in Bekaa Clashes,” Daily Star, August 2, 2014, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2014/Aug-02/265857-militants-surround-bekaa-army-center.ashx.

32 جان عزيز، "آلو... وسيط الخاطفين على الخط!"، المونيتور، 22 كانون الثاني/يناير 2015:http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2015/01/lebanon-mediation-terrorists-arsal-prisoners-soldiers.html#

33 “Lebanon Army Steps Up Tripoli Battle Against Militants,” BBC News, October 26, 2014, http://www.bbc.com/news/world-middle-east-29778462.

34 مقابلة مع عميد متقاعد، بيروت، تموز/يوليو 2013.

35 مقابلة مع عقيد متقاعد، بيروت، كانون الأول/ديسمبر 2014.

36 أُنشِئ المجلس الأعلى للدفاع في العام 1983. أعضاؤه هم: رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، ووزير المالية، ووزير الداخلية، ووزير الاقتصاد. يقرّر المجلس الإجراءات الضرورية لتطبيق سياسة الحكومة الدفاعية. بحسب قانون الدفاع الصادر في العام 1983: "يرأس الامانة العامة للمجلس الاعلى للدفاع ضابط عام مجاز في الأركان من ضابط الجيش في الخدمة الفعلية".

37 “Prorogation du mandat de Kahwagi: un officier recourt au conseil d’Etat,” L’Orient le Jour, September 29, 2015.