وافق مجلس النواب دون تعديل يذكر على ما يزيد عن ثلاثمائة تشريع صدر بين ٢٠١٣ و٢٠١٥، ولم يجر الاستثناء إلا على قانون الخدمة المدنية الذي سبق أن أصدره الرئيس السيسي كإطار تنظيمي لإصلاح جهاز الدولة الإداري، وإعادة هيكلته ورفع كفاءته مع فتح السبيل ــ ولو جزئياً ــ أمام تخفيض العبء المالي لجهاز الدولة الإداري عن طريق توسيع فرص الخروج للمعاش المبكر والاستقالة والتضييق على الإجازات والإعارات، وقد عكس هذا الاستثناء مقدار الحساسية الاجتماعية والسياسية لقضية «إصلاح» الجهاز الإداري في مصر، والتي تتجاوز من حيث تداعياتها وآثارها مقتضيات الكفاءة الفنية والإدارية والمالية التي تبتغي الحكومة ــ والرئاسة بالطبع ــ تحقيقها في هذه المرحلة. فكيف يمكن التوفيق بين إصلاح الجهاز الإداري للدولة وفي الوقت ذاته عدم الإخلال بالاستقرار الاجتماعي والسياسي؟

مبدئياً ليس هناك مجال كبير لإنكار الحاجة لإصلاح جهاز الدولة، والذي يجمع بين التضخم في العدد، وتدني الكفاءة سواء في أداء الخدمات العامة أو إتمام الإجراءات التنظيمية للمواطنين أو لأصحاب رأس المال، مصريين كانوا أو أجانب، ومن كبار أو من صغار المستثمرين، وقد أصبح من المعلوم بالضرورة في المرحلة الحالية أن الجهاز الإداري للدولة يعاني من بطالة مقنعة، قد تصل طبقاً لتقديرات وزير التنمية الإدارية الأسبق إلى ما يزيد على نصف إجمالى العاملين، وأن هذه العمالة تتقاضى مرتبات وأجوراً زهيدة ــ على الأقل للقاعدة العريضة من الموظفين ــ وأن هذا التضخم يؤدي إلى تدني إنتاجية العامل، ويضعف من قدرة الدولة على الاستثمار في بناء القدرات والمهارات أو حتى توفير أجور لائقة للعاملين بما يحفزهم للعمل ويقيهم الحاجة للتكسب بطرق غير شرعية، وهو ما يؤدي لتفشي عدم الكفاءة والفساد بمختلف أنواعه، ومن المعلوم كذلك أن غياب الكفاءة وانتشار الفساد يكبدان الاقتصاد والمجتمع تكاليف باهظة متمثلة في الاستثمارات غير المتحققة والموارد المهدرة والفرص الضائعة علاوة على التكلفة السياسية من حيث فقدان الثقة في جهاز الدولة ونزع الشرعية والمصداقية عن السياسات والمؤسسات العامة.

ولكن في مقابل هذا فإن الجهاز الإداري للدولة بجميع مكوناته من إدارات مركزية ومحلية وهيئات عامة خدمية واقتصادية، مضافاً إليها شركات قطاع الأعمال والقطاع العام، توظف ما يقارب الثلث (٣١٪) من إجمالي القوى العاملة في مصر طبقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في ٢٠١٢، وأن الرقم المطلق الذي يصل إلى ستة ملايين يشير إلى أن هناك نحو عشرين مليون مصري على أقل تقدير يعتمدون على الوظيفة العامة كمصدر للدخل، وإذا أضيف إلى هذا أن العاملين في الدولة هم الغالب الكاسح من العاملين بعقود وتأمينات ــ أي بالقطاع الرسمي ــ تبين أن غالب الوظائف في القطاع الخاص هي إما غير رسمية أي بدون عقود دائمة ومن ثم بقدر محدود من الأمان الوظيفي، أو أنها من عينة التوظيف الذاتي في مهن صغيرة ضعيفة الإنتاجية، وهو الأمر الذي قد يفسر ــ ولو جزئياً ــ استمرار تفضيل العديد من الشباب المتعلم تعليماً عالياً أو متوسطاً للتوظيف الحكومي، وعلاوة على ما سبق فإن الجهاز الإداري للدولة يحوي القسم الأكبر من العمالة النسوية علماً بأن القطاع الخاص قد أظهر عزوفاً عاماً عن توظيف النساء نتيجة ارتفاع التكلفة النسبية لإجازات الوضع وفرص الانقطاع عن العمل بعد الزواج.

يشير ما سبق إلى حقيقة يجب عدم تجاهلها في السياق التاريخي الاجتماعي لمصر في العقود الخمسة الماضية وهي أن جهاز الدولة الإداري ليس فحسب جهازاً لتنفيذ السياسات العامة، وتقديم الخدمات وإتمام الإجراءات القانونية حتى ينظر إليه من منظور الكفاءة ــ كأي بيروقراطية أخرى ــ أو من منظور العبء المالى على جهة التوظيف ــ وهي الدولة ــ بل إن لجهاز الدولة في مصر وظيفة اجتماعية سياسية مهمة وهي استيعاب الملايين من الشباب ــ ذكوراً وإناثاً ــ في سن العمل ممن لا يمكن استيعابهم في القطاع الخاص ــ المشوب بغياب الرسمية والأمان الوظيفى ــ، وأن الملايين الذين يعتمدون على جهاز الدولة كمصدر للدخل هم في واقع الحال يحصلون على نوع من إعانة البطالة أو توفير دخل لشرائح متعلمة تعليماً جامعياً أو متوسطاً، وأن هذا ضروري ــ على تكلفته المالية والبطالة المقنعة ــ لحفظ قدر من السلام الاجتماعي ومن ثم السياسي، ومن هنا أمكن من الزاوية الواقعية النظر لبند الأجور في موازنة الدولة العامة، والذي يصل إلى نحو الربع من إجمالي الإنفاق العام كضريبة يدفعها المجتمع ككل لمكافحة البطالة وما ينجم عنها من مشاعر بالإقصاء والغبن خاصة لدى الشباب المتعلم.

إن المخرج يكمن في الاعتراف بأن جهاز الدولة الإداري في مصر يؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز مجرد كونه جهازاً إدارياً لشركة أو لمرفق، وأن تكلفة تخفيض العمالة باسم الإصلاح تعرض الاستقرار الاجتماعي لخطر داهم وغير مبرر من عدم الاستقرار بالفعل، والثاني هو أن الجهاز بالفعل غير كفء، ويجب فصل بناء كفاءته وزيادة قدراته عن تسريح العمالة الزائدة في المدى القصير أو حتى المتوسط ويكون هذا أولا بالإبقاء على العمالة الزائدة ودفع الرواتب كاملة لمدة الخدمة المتبقية أي تحويل أجور العمالة الزائدة بشكل معلن وصريح إلى إعانة بطالة، وأن يتم هذا طبقاً لمعايير واضحة وموضوعية وشفافة خاصة ببناء القدرات والمهارات للعاملين في الدولة ما يقضى بالإبقاء على النصف، والاستثمار فى الموارد البشرية والمادية الخاصة به.

وفي المقابل تخفف الدولة من عبء الأجور عليها بتقليص وزنها النسبي أي بزيادة الإيرادات الضريبية مع عدم زيادة الرواتب بنفس النسب، وهو ما يعني عدم الإضرار بدخل العائلات المعتمدة على جهاز الدولة ولكن في الوقت نفسه تحويل القدر الأكبر من الموارد لأغراض استثمارية لها عائد على الاقتصاد.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.