بات واضحا أن الأزمة الاقتصادية فى مصر تشتد سواء على صعيد سعر صرف الجنيه فى مواجهة الدولار، وعلى صعيد احتواء العجز فى الموازنة وتضخم الدين الخارجى، والتزاوج الخطير بين انخفاض معدلات النمو والتشغيل وبين ارتفاع معدلات التضخم بما ينذر بتردى مستويات المعيشة لشرائح عريضة من المجتمع، ولا يبدو أن الجهود التى أطلقتها الحكومة فى السنتين الأخيرتين قد أتت ثمارها فيما يتعلق بإعادة إطلاق الاقتصاد المصرى من خلال رفع معدلات الاستثمار ولاسيما الأجنبى بعد مرور سنة على مؤتمر شرم الشيخ فى مارس ٢٠١٥، والذى كان يراد له أن يدشن استعادة معدلات النمو التى ميزت الاقتصاد المصرى فى مرحلة ما قبل ثورة ٢٠١١.

والحق فإنى أجرؤ على القول إن جزءا أساسيا من الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بأبعادها المختلفة ليست فى أغلبها من صنع الحكومة أو نتيجة لسوء إدارتها للأزمة بقدر ما إن الأمر ينطوى على قدر كبير من سوء الحظ والتوقيت، فبعد أربع سنوات تقريبا من التباطؤ الاقتصادى الناجم عن الاضطراب السياسى والأمنى الذى أعقب ثورة يناير بما أدى لارتفاع معدلات البطالة وتقلص معدلات النمو والاستثمار وتضاؤل الاحتياطيات الأجنبية إذا بالاقتصاد المصرى يقف فى مواجهة دورة جديدة من الأزمة الاقتصادية العالمية، فالصين تسجل أشد تباطؤ منذ ٢٠٠٩ بالتزامن مع دخول منطقة اليورو، أكبر شريك تجارى لمصر، إلى الركود رسميا، وفى الوقت ذاته، وكجزء من التباطؤ الاقتصادى العالمى مقرونا بفائض فى الإنتاج العالمى، انهارت أسعار البترول بما أثر سلبا على قدرة الاقتصاد المصرى فى الحصول على استثمارات أجنبية فى مجال الغاز والبترول وأثر على قدرة بلدان الخليج الحليفة بالاستمرار فى تقديم الدعم للموازنة أو للاقتصاد المصرى فى صورة استثمارات، وبما لم ينعكس إيجابا على الميزان التجارى فى ضوء تزايد حاجة مصر من الطاقة المستوردة.

إن الخلاصة هى أن الاقتصاد المصرى مضطر اليوم أن يواجه أزمة جديدة مصدرها خارج بالكامل عن سيطرته، ولكنه يواجه هذه الأزمة بعد خمس سنوات من الإنهاك الشديد، مما يجعله فى غير وضع الاستعداد لهذه الجولة الجديدة من أزمات الاقتصاد العالمى التى لا تنتهى منذ الانهيار المالى الكبير فى ديسمبر ٢٠٠٨، ولا يزال الاحتياطى من الدولار فى مصر عند ١٥ مليارا، أى أقل من نصف ما كان عليه قبل خمس سنوات، على الرغم من تدفقات رأسمالية بالغة الضخامة من دول الخليج الحليفة بلغت فى بعض التقديرات ٣٠ مليار دولار منذ ديسمبر ٢٠١٢، حافظت على قيمة الجنيه بصورة مؤقتة ولكنها لم تسهم فى إيجاد حلول هيكلية لمشكلات مالية الدولة أو وضع ميزان المدفوعات.

وليس من المتاح أمام الحكومة سوى أن تسعى إلى جذب رءوس الأموال الأجنبية، رغم أن هذه المساعى من غير المرجح أن تؤتى أكلها فى المدى المباشر أى فى بحر السنة أو السنتين القادمتين، وأن تسعى لتطبيق إجراءات تقشفية قدر الإمكان لاحتواء العجز فى الموازنة، ولتخفيض فاتورة الواردات بما يقلل من الضغط على العملة الوطنية، وبما يحفظ الاحتياطيات الدولارية فى هذه الفترة المأزومة، وكلها إجراءات تلوح فى الأفق مع ظهور صندوق النقد والبنك الدولى فى المشهد، وكلها إجراءات تؤدى إلى تعميق التباطؤ الاقتصادى.

فماذا نحن فاعلون؟

ليس أمام الحكومة خيارات كثيرة فهامش المناورة محدود، يمكن بالطبع أن تستمر فى مساعى الإصلاح المؤسسى وتمرير حزم تحفيزية للمستثمرين المحليين والأجانب، ولكن من غير المنتظر أن يؤدى هذا لانعكاسات على المدى المباشر كما سبقت الإشارة، ويمكن أن تقوم الحكومة بترشيد التقشف حتى لا تؤذى القطاعات كثيفة العمالة بدرجة كبيرة، أو أن تُحسِن من إجراءات الأمن حتى تنشط السياحة جزئيا. ولكن غير «إدارة الأزمة» أخشى أنه لا توجد أدوات اقتصادية لدى الحكومة المصرية أو لدى أى حكومة فى وضع شبيه كى «تحل الأزمة» بدلا من أن تديرها.

ولكن هناك ما يمكن فعله فى مجال السياسة من أجل بناء وتدعيم توافق وطنى أو على الأقل تفاهم وطنى للصعوبات التى يواجهها الاقتصاد المصرى، وللخيارات المحدودة التى بيد الحكومة وللإجراءات التى ستتخذ، وليس هذا ممكنا إلا بإطلاق مساحة للنقاش الحر لا فحسب بين الاقتصاديين وأساتذة الجامعات الذين يدعون أنهم يملكون ما يكفى لتطوير السياسات السليمة، إنما بين عموم المواطنين، خاصة أن مصر قد شهدت طفرة فى التواصل الإعلامى فى العقدين الماضيين، وشهدت موجات تسييس للملايين منذ ثورة يناير على نحو لم يعد من الممكن معه استبعاد هؤلاء من النقاش العام، خاصة الحاصلين على تعليم ما فوق المتوسط وجامعى وفى سن ما بعد التخرج وهم بالملايين بل إنهم يشكلون الأغلبية الديموغرافية، كما أنه ربما قد آن الأوان لإشراك التنظيمات الحزبية الموجودة بالفعل فى البرلمان فى مساحة أكبر من صنع السياسات العامة واتخاذ القرارات الصعبة، وبالتالى الاشتراك فى تحمل المسئولية كما ينص الدستور، هذا علاوة على إجراءات لتخفيف التوتر مع المحسوبين على ثورة يناير خاصة الشباب المعتقل أو المبعد عن الوطن، والذين يمثلون شريحة لا تزال تجد نفسها مهمشة اقتصاديا مع ضعف فرص التوظيف اللائق وكذلك سياسيا كما ظهر فى ضعف مشاركة الشباب فى الفعاليات السياسية الأخيرة.

فوحدها مثل هذه الإجراءات السياسية ــ لا الاقتصادية ــ التى قد تدعم موقف الدولة والقيادة السياسية فى مواجهة إجراءات الضرورة المؤلمة التى سيكون عليها اتخاذها فى الأسابيع والشهور القادمة. ووحده حوار مجتمعى ودور نشط للقوى السياسية الموجودة على الساحة هو الذى يصنع الإجماع الوطنى، ويحقق الاصطفاف لا الدعاية الفارغة والكتائب الإلكترونية أو التعالى على الجمهور باسم الخبرات الفنية أو بأحاديث مواجهة المؤامرة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.