نشر البنك الدولي، في أواخر أيار/مايو الماضي، مقالاً حمل عنوان "أهمية التخطيط لإعادة إعمار سورية بعد انتهاء الحرب"، ودعا إلى استخدام صور الأقمار الصناعية وتحليلات وسائل الإعلام الاجتماعي بشكلٍ مبتكر لتقييم الأضرار المادية والاستعداد ليس لمرحلة مابعد انتهاء الحرب، بل للمرحلة التي تسبق ذلك. طبعاً، الصراع السوري لم يصل بعد إلى خواتيمه، ولاتزال الآفاق ضئيلة حتى الآن لاتخاذ التدابير المنظّمة والمتكاملة ومناسبة التوقيت في مجال السياسات العامّة، من النوع الذي يتخصّص به البنك الدولي والوكالات المماثلة. ولا بدّ أن تتجاوز الأحداث المخطّطات الأولية التي قد تضعها هذه الوكالات، لذا سيتعيّن عليها إعادة تصميمها. غير أن التخطيط أمرٌ بالغ الأهمية، لأنه يحثّ الأطراف الفاعلة السياسية والتكنوقراطية على تحديد الاحتياجات والأولويّات وتطوير المهارات والموارد اللازمة للنهوض بهذه المهمّة الجسيمة.

ومع أن المقاربات الاستشرافية كالتي ينادي بها البنك الدولي ضرورية للغاية، إلا أن عليها الخروج عن النهج التقليدي للممارسة الدولية في مجال إعادة الإعمار. ففي أعقاب الحرب الباردة، تحوّلت عمليات إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع إلى ميدان متميّز يُعنى بالتطبيق العملي للسياسات العامة، بيد أن سجلّها شابَهُ الكثير من التباين والتفاوت سواء على مستوى جني "ثمار السلام" الحقيقية، مروراً بإرساء الأمن (أو منع تجدّد النزاع المسلّح)، وخلق فرص العمل، ووصولاً إلى بناء الأسس اللازمة لتحقيق نمو اقتصادي حقيقي وعادل ومستدام.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

لم يقتصر الأمر على أن التجارب الفاشلة كانت أكثر من الناجحة – كما في أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والعراق ولبنان وليبيا وفلسطين - بل أدّت هذه الإخفاقات إلى جعل سكّان البلدان المتضرّرة الخارجة من الصراع أسوأ حالاً ممّا كانوا عليه سابقاً من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية. (ثمة من ينظر إلى بعض هذه الحالات على أنها تجارب ناجحة جزئيّاً، إلا أن هذه البلدان في أحسن الأحوال تعيش حالة من الصراع المعلّق، في ظل تفشّي المحسوبية الاقتصادية والفساد المستشري والتآكل العميق للدولة).

ولكي تصبح فُرَص إعادة الإعمار الفعّالة في سورية ممكنة، على الرغم من ضآلتها، ينبغي على الجهات والوكالات المحلية والدولية المعنية أن تفكّر مليّاً بالديناميكيات التي ستشكّل مسار  ونتائج أي جهد تستثمره في البلاد. كما يتعيّن على المعنيّين بالتخطيط وصانعي السياسات والقرارات والناشطين النظرَ إلى ما هو أبعد من الأبنية ومواد بنائها وأكثر من متطلّبات التصميم على مستوى الاقتصاد الكلّي أو مستوى القطاعات. إذ غالباً مايتم التركيز على الجانب المادّي من عملية إعادة الإعمار وتوفير المهارات التقنية والإدارية المرتبطة بها، مع أن العوامل غير المرئية لاتقلّ عن ذلك أهمية – أي الديناميكيات الاجتماعية والسياسية والمؤسّسية – التي ستشكّل عملية إعادة إعمار سورية وستتمخّض عنها بعد انتهاء الصراع هناك، وعن المسار المرتبط بها والمتمثّل في إعادة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم.

تعترض عملية إعادة الإعمار تحدّيات عديدة، أبرزها ثلاثة هي:

يكمن التحدّي الأول في تغيير تَصَوُّر الجهات الدولية المانحة والنخب الوطنية لهذه المهمّة، والذي يستند إلى اعتبار وجهات نظرها ومصالحها النقطة المرجعية الأساسية. فعلى الرغم من الحديث المتواصل عن "الدروس المستفادة"، تميل الجهات المانحة الدولية إلى إعادة تطبيق السياسات والاستراتيجيات نفسها التي سبق أن نفّذتها في بلدان أخرى ضمن إطار جهود إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع. ومن الأمثلة الرئيسة على ذلك ميلها إلى التركيز على تعزيز مؤسّسات الدولة المركزية بهدف تحقيق نتائج فعّالة وسريعة، مايحظى بترحيب النخب الوطنية المحليّة. لكن نادراً ماتتأكّد على أرض الواقع المزاعم القائلة إن هذه الخطوة أدّت إلى تحقيق مكاسب على صعيد الفعّالية والكفاءة.

في سورية، على وجه الخصوص، قد تتمثّل الخطوات الأكثر فعّالية في نقل صلاحيات عملية اتخاذ القرارات وتصميم البرامج وتحديد الأولويات والتحكّم بالموارد، إلى السلطات المحلية وإضفاء اللامركزية عليها. وأغلب الظن أن تعكس هذه الخطوات على نحو أفضل الاحتياجات الخاصة للفئات الضعيفة أو المستضعفة مثل النساء واللاجئين والعشائر والمجتمعات المحلية الريفية – وهذه الفئات معرّضة إلى التهميش مع انتهاء عملية إعادة الإعمار أكثر ممّا هي معرّضة له في بدايتها – وأن تؤدّي إلى المزيد من القبول المجتمعي لمشروع إعادة الإعمار.

يكشف خطر قيام النخب الوطنية أو الأطراف القوية المتشابكة بحرف تدفّقات الموارد عن مسارها الصحيح واستخدام سيطرتها على تلك التدفقات لزيادة نفوذها، عن التحدّي الثاني المتمثّل في تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على ممارسة حوكمة هادفة. إذ تميل الجهات المانحة الغربية إلى مقاربة مسألة إعادة الإعمار بسلّة من التسميات الجاهزة مثل "أصحاب المصلحة" و"الملكية" و"المساءلة" و"الشفافية" و"أفضل الممارسات"، لكن غالباً ماتشكّل هذه التسميات مؤشّراً ركيكاً إلى كيفية تنظيم "الحوكمة"، وهو مصطلحٌ كثيراً مايُساء استخدامه.

تتطلّب التركيبة المعقّدة للمجتمع السوري أن يتمحور أي نموذجٍ للحوكمة حول الطبيعة شديدة المحليّة للديناميكيات الاجتماعية، والفرص الاقتصادية، والمؤسّسات التي تقدّم الخدمات والحوكمة. وقد يكون إسناد مسؤولية تحديد الأولويات وإدارة عملية التنفيذ إلى المجتمعات المحلية في جميع أنحاء سورية، الوسيلةَ الأنجع لتحقيق شرعية ومساءلة فعليّتين، وللجم الخلافات الطائفية والعرقية. وبغضّ النظر عن التفاصيل الدقيقة، ينبغي أن تختلف برامج إعادة الإعمار عن النمط السائد راهناً، أي عليها أن تكون "مملوكة" فعليّاً للسوريين لا للجهات المانحة، وأن ترضخ إلى المساءلة من قبلهم لا من قبل هذه الجهات.

ثالثاً، وكما هو الحال في أي مجال من مجالات السياسة أو تصميم البرامج، يُطرح سؤال أساسي هو: مَن هي الجهة الموكلة تحديد جدول الأعمال بالفعل؟ فمن الأمثلة البالغة الأهمية أن معظم الأطراف السياسية المنخرطة في الأزمة السورية تتعهّد رسمياً بتنمية اقتصاد السوق الحرة، غير أن التفضيلات والتوقعات حياله تختلف كثيراً بين المجتمعات الحضرية في مقابل المجتمعات الريفية، وبين طبقة التجّار في مقابل موظفي الدولة، وبين الأحزاب الراسخة مثل جماعة الإخوان المسلمين في مقابل الوافدين الجدد مثل السلفيين. ولا يقلّ عن ذلك أهمية أن الأطراف الفاعلة الدولية والإقليمية على حدٍّ سواء ستستخدم عروض الاستثمارات والمساعدات المتضمَّنة في عملية إعادة الإعمار لتعزيز مصالحها التجارية الخاصة، ماقد يؤدّي إلى توليد ديناميكيات مختلّة وهياكل حوافز تأتي بنتائج عكسية تعيق الاقتصاد السياسي في سورية في مرحلة مابعد الصراع.

وبما أن من المتوقع أن يظل بشار الأسد في السلطة في المستقبل المنظور، قد يبدو من السابق لأوانه التفكير بشكلٍ طموحٍ جدّاً في عملية إعادة الإعمار. مع ذلك، ينبغي معالجة التحدّيات المذكورة أعلاه ريثما يصبح ذلك ممكناً، وإلّا فسوف تُمَكِّن عملية إعادة الإعمار أولئك الذين يملكون رأس المال الاجتماعي والأدوات الرئيسة لممارسة التأثير السياسي، وستولّد نتائج مشوَّهة في مجالات إعادة دمج اللاجئين والنازحين، والمصالحة المجتمعية، والتنمية الاقتصادية العادلة والمستدامة.

تم نشر هذا المقال باللغة الإنكليزية على موقع الجزيرة.