ليس خافيا أن استراتيجية الحكومة المصرية منذ ٢٠١٤ تحديدا ترتكز على محاولات جذب استثمارات أجنبية لمصر، وأنه فى هذا السبيل جرى عقد مؤتمر شرم الشيخ فى مارس ٢٠١٥، وجرى تعديل عدد كبير من القوانين ذات الصلة من أجل تهيئة مناخ أفضل للمستثمرين العرب والأجانب المفترض أن يأتوا بأموالهم الدولارية ليضخوها فى الاقتصاد المصرى الذى يعانى من مختلف أنواع الاختلالات. وقد يكون جذب الاستثمارات الأجنبية هو الحل من الناحية النظرية لبلد يعانى منذ خمس سنوات من التباطؤ الاقتصادى وتراجع معدلات التشغيل من ناحية، مع تفاقم الوضع المالى للعجز فى الموازنة والدين العام (الذى تخطى ١٠٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى طبقا لبيانات المركزى انطلاقا من ٨٧٪ فى ٢٠١٠، وهو معدل نمو شديد التسارع)، كما أن الاستثمارات الأجنبية ستكون أرخص وسيلة لإعادة بناء الاحتياطيات الدولارية وسد العجز فى ميزان المدفوعات مقارنة بالاقتراض، وفى ظل تراجع المساعدات والمنح من الخليج. ولكن النظر إلى تاريخ مصر الاقتصادى المعاصر يقلل كثيرا من جدوى الرهان على تدفقات استثمارية ضخمة فى المدى القصير.

لم يكن الاقتصاد المصرى يوما منذ بدء تجربة الانفتاح الاقتصادى فى منتصف سبعينيات القرن الماضى محط جذب لتدفقات ضخمة من الاستثمارات الأجنبية، فعلى الرغم من أن الانفتاح قد بدأ فعليا بإعداد قانون للاستثمار استهدف المستثمرين العرب والأجانب بغرض جذب رءوس الأموال الدولارية إلا أن مصر لم تنجح فى تحقيق زيادة كبيرة فى معدلات التدفق، وطبقا لبيانات البنك الدولى فإن نصيب صافى الاستثمارات الأجنبية المباشرة (وهى النوع المستهدف من قبل الحكومة باعتباره الأكبر عائدا من ناحيتى التشغيل والنمو) نصيبه كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى كانت أقل من ١٪ (واحد بالمائة) كمتوسط فى السنوات بين ١٩٨٠ و٢٠٠٤، وقد ارتفع هذا النصيب فى السنوات بين ٢٠٠٥ و٢٠٠٩ ليقترب من ٥٪ من الناتج المحلى لينهار مرة أخرى مع الأزمة المالية العالمية ثم أزمة الديون السيادية فى أوروبا ثم ثورة يناير وما تلاها من اضطرابات سياسية وأمنية وهروب لرءوس الأموال. فهل يمكن التعويل على معدلات تبدو هى الاستثناء الذى يثبت القاعدة دون النظر إلى المتوسط الذى غلب طيلة عقود؟، والذى يؤشر للقيود المؤسسية والتشريعية والهيكلية التى طالما واجهت قدرة الاقتصاد المصرى على جذب الاستثمار الأجنبى، وعلى رأسها ضعف قدرة الاقتصاد المصرى على المنافسة اللهم إلا فى قطاعات تقليدية وعلى رأسها البترول والغاز الطبيعى، والذى استحوذ تقليديا على ما يربو عن ثلثى إجمالى الاستثمار الأجنبى المباشر فى مصر منذ الثمانينيات وحتى يومنا هذا.

إن القيود الموضوعية هذه لا تزال فى محلها، ولا تبدو الحكومة اليوم أقدر من سابقاتها على علاجها بشكل جذرى خاصة فيما يتعلق بحجم ونطاق عمل البيروقراطية الحكومية، والتى تعتبر أحد أهم العوائق أمام جذب الاستثمار الأجنبى، وقد وجهت محاولات تمرير قانون الخدمة المدنية بمقاومة شديدة أثبتت فاعليتها، ويضاف إلى هذه العوائق التقليدية مشكلات جديدة تتعلق باستمرار الاضطراب المالى العالمى منذ ديسمبر ٢٠٠٨، وانكماش الاقتصاد العالمى على وقع التباطؤ فى الصين، وانخفاض أسعار النفط بما يقلل من قدرة بلدان الخليج على ضخ استثمارات ــ وكذلك مساعدات ــ لمصر فى المدى المباشر، فهذه جميعا عوامل مستجدة تضيف للعوائق التقليدية التى طالما جعلت نصيب مصر من الاستثمارات الأجنبية محدودا مقارنة ببلدان مثل الصين والبرازيل وتشيلى والمكسيك والتشيك.

إذن فأغلب المؤشرات تفيد بأن الرهان على استثمارات أجنبية كحل لمعضلات الاقتصاد المصرى الحالية ليس له ما يبرره، وأنه قد يكون الوقت قد حان للتفكير فى مصر خارج مستقرات النيوليبرالية للتنمية والتى وضعت فى التسعينيات ودارت حول جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتوسع فى التصدير، بالنظر لوضع الاقتصاد العالم، فما هى البدائل تحديدا؟

أعتقد أن الحكومة بحاجة للنظر لمناخ الاستثمار الكلى، وليس فحسب الاستثمار الأجنبى، إذ إن صورة رئيسية من صور التدفق الدولارى على مصر هى تحويلات العاملين بالخارج، والتى ضوعفت كقيمة مطلقة منذ ٢٠١١، وبلغت نحو ٢٠ مليار دولار (أى أربعة أضعاف دخل قناة السويس سنويا) فى ٢٠١٥، وهذه الأموال تعتبر مصدرا بالفعل شديد الأهمية للتقليل من العجز فى ميزان المدفوعات وربما التخفيف من أزمة العملة، إلا أن استخدامات هذه الأموال وفيم تنفق تعد أسئلة شديدة الأهمية، وبكل أسف لا نملك عنها أى إجابات لندرة الدراسات الاقتصادية أو السوسيولوجية، والراجح أن هذه الأموال الدولارية إما تستخدم لتمويل الاستهلاك العائلى أو لتمويل أشكال استثمارية معينة خاصة عقارية (مبانٍ وشقق أو أراضٍ)، ولعل النظر فى إمكانية تهيئة مناخ أكثر مناسبة لاستخدامها استثماريا فى مشروعات قد ترفع عائدات النمو والتشغيل يمكن أن يكون شاغلا مناسبا للحكومة لتعظيم الاستفادة الكلية من مثل هذه التدفقات بدلا من أن تذهب لتغذية مضاربات عقارية أو أن تظل قابعة فى حسابات خاصة بالبنوك التجارية دون استخدام، هذا علما بأن شبكات المقيمين بالخارج والمهاجرين كانت قد لعبت دورا جوهريا فى التحرير الاقتصادى فى الصين منذ نهاية السبعينيات، ولم يقتصر دورها على التمويل فحسب بل امتد لنقل التكنولوجيا والمعلومات والمهارات.

ويتصل بالنقطة السابقة أن ثمة حاجة لمقاربة الاستثمار الأجنبى والمحلى على حد سواء من زاوية أشمل تضم القطاعات ذات الأولوية تبعا لمخططات التنمية، والتى من شأنها أن تجيب عن قضايا مثل تنويع الاقتصاد المصرى، وتوجيه الاستثمار صوب قطاعات تصنيعية أو زراعية بعيدا عن الاستثمار العقارى واقتصاد المضاربات المرتبط به، والذى رسم صورة التنمية فى مصر فى العقدين الماضيين دون نجاح كبير فى ملفى التشغيل أو تنافسية الاقتصاد المصرى.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.