تُعد قضية بناء الكنائس أحد أهم أسباب التوتر الطائفى بين المسيحيين والمسلمين فى مصر. فعلى مدى عقودٍ عدة، اشتكى المسيحيون من القيود التى تضعها الدولة أمام بناء الكنائس، ما دفعهم فى الكثير من الأحيان إلى بناء أماكن للصلاة من دون الحصول على ترخيص قانونى. إلا أن هذا الأمر عادة ما أسفر عن حالة من التوتر مع جيرانهم من المسلمين، واعتبروه مخالِفا للقانون ومحاولة لفرض أمر واقع عليهم. وبينما استمر المسيحيون فى الشكوى من تعنت الدولة تجاههم، رأى بعض المسلمين أن المسيحيين يرفضون الالتزام بقوانين الدولة ويستقوون عليها. وفى ظل هذا المناخ، استمر التوتر الطائفى، ووصل فى بعض الأحيان إلى حد وقوع صدامات عنيفة بين الجانبين. وقد اعتبر كثيرون أن حل هذه المشكلة يكمن فى صياغة قانون ينظم عملية بناء دور العبادة، ليضمن لجميع المصريين، أيا كانت انتماءاتهم الدينية، حق ممارسة شعائرهم، من دون أن يضطروا إلى الالتفاف عليه. 

 

وقد عرفت مصر خلال السنوات الأخيرة محاولتين لتنظيم بناء دور العبادة. وقد سرد تفاصيل المحاولة الأولى أحد المشاركين فيها، الأستاذ سمير مرقص، فى ورقة صادرة عن «منتدى البدائل العربى للدراسات» بعنوان «القوانين المتعلقة بحرية العبادة: بناء الكنائس نموذجا». ويروى فيها مرقص محاولة لجنة مؤلفة منه ومن على السلمى ومنى ذو الفقار، تطوير مشروع قانون للدكتورة ليلى تكلا فى مايو 2011، وتقديمه من خلال «المجلس القومى لحقوق الإنسان» إلى الحكومة بهدف تنظيم بناء دور العبادة. أما المحاولة الثانية، فهى التى دارت فصولها فى غضون الأسابيع الأخيرة خلال المفاوضات التى جرت بين الحكومة والكنائس الثلاث حول قانون بناء الكنائس، قبل أن تُحيله الحكومة إلى مجلس النواب ليقره مؤخرا.

لكن، ثمة اختلافات عدة بين المحاولتين. يتمثل الاختلاف الأول فى هدف مشروع القانون فى حد ذاته: فبينما يرمى مشروع القانون الأول، الذى يحمل عنوان «القانون الموحد لتنظيم أعمال بناء دور العبادة»، إلى تنظيم أعمال بناء المساجد والكنائس على السواء، جاء القانون الثانى بعنوان «قانون بناء وترميم الكنائس»، ليقتصر فقط على تنظيم أعمال بناء وتجديد الكنائس. أما الاختلاف الثانى، فيكمن فى مفردات كلٍ من النصين: ففى حين أن النص الأول تحاشى استخدام المفردات الطائفية، أصر الثانى على استخدام مفردات مثل «الطائفة»، والتى عرفها القانون باعتبارها «الطائفة الدينية التى تعترف لها الدولة بشخصية اعتبارية». إضافة إلى ذلك، حرص مشروع القانون الأول على تلافى أى احتمال تعنت من قبل مؤسسات الدولة، فنص على ضرورة أن تبت الجهة الإدارية فى طلب الترخيص ببناء دور العبادة ضمن مهلة لا تتجاوز شهرين، ويُعتبر انقضاء المهلة من دون صدور قرار مسببٍ بالرفض بمثابة موافقة عليه؛ هذا فيما ينص القانون الحالى على ضرورة الرد فى غضون 4 أشهر، من دون أن يُشير إلى الوضع فى حال عدم الرد على الطلب خلال المهلة المحددة. وأخيرا، لا يقتصر الخلاف بين القانونين على محتوى النصين وحسب، بل يشمل أيضا الطريقة التى تمت بها مناقشتهما. فبينما جاءت النسخة الأولى حصيلة حوارٍ ونقاشٍ بين مثقفين ورجال قانون فى إطار المجلس القومى لحقوق الانسان، جرى التفاوض حول القانون الثانى بين الحكومة وممثلى الكنائس الثلاث من دون أى حوار مجتمعى حقيقى، وعبر استبعاد المجتمع المدنى والمهتمين بقضايا المواطنة. وحتى عندما أرسلت الحكومة مسودة القانون إلى مجلس النواب، تم تجاهل الأصوات التى اعترضت على القانون بحجة أن الكنيسة نفسها قد وافقت عليه، كما لو أن الأمر يخص القيادات الكنسية وحسب، وليس الأقباط، بل والمواطنين المصريين كافة.

تشير قصة القانونين إلى منهجين مختلفين فى إدارة علاقة الدولة بالأقباط. فقد اختارت الدولة المصرية منذ الخمسينيات أن تتعامل مع الكنيسة باعتبارها الممثل السياسى للأقباط، وبالتالى ظلت مواطنة الأقباط منقوصة. ففى الكثير من الأحيان يضطر الأقباط إلى القبول بالاتفاقات المُبرَمة بين الدولة والكنيسة حتى لو جاءت من خارج إطار القانون، كما هو الحال فى الجلسات العرفية لحل الأزمات الطائفية بين الجانبين. لكن المناخ السياسى بعد 25 يناير 2011 شكل بارقة أمل للكثير من الأقباط بإمكانية بناء دولة مصرية على أساس المواطنة. وفى هذا الإطار، سعى سمير مرقص وزملاؤه إلى مواجهة مشكلة بناء الكنائس من خلال قانون ينظم أعمال بناء دور العبادة للمسيحيين والمسلمين على السواء، وهو ما تجاهلته الحكومة آنذاك. وقامت الدولة المصرية مؤخرا بإعادة إنتاج القواعد نفسها التى كانت تحكم علاقتها مع الأقباط من خلال قانون تم التفاوض حوله مع رؤساء الكنائس وحسب، وتضمن مفردات طائفية تبتعد تماما عن قيم المواطنة، ناهيك عن مواد قانونية تعطى السلطة الإدارية مساحة للمماطلة إذا ما أرادت أن تتهرب من تنفيذ بنود معينة. 

لن يوفر القانون الجديد حلا لمشاكل الأقباط. فقد فشلت القواعد القديمة فى معالجة مشاكلهم سابقا، ولن تغير إعادة صياغتها على شكل قانون شيئا، بل قد تزيد الوضع سوءا. ذلك أن مصر لا تحتاج إلى قانون جديد يعيد إنتاج العلاقة القديمة نفسها بين الدولة والأقباط، بل إلى بلورة قواعد جديدة لتلك العلاقة تقوم على أساس المواطنة لجميع المصريين بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.