لا يخفى على أحد اليوم أن مشكلة الاقتصاد المصرى تكمن فى القطاع الخارجى أى الأنشطة الاقتصادية التى تربط مصر بالعالم، وأن هذه المشكلة قد ترجمت إلى نقص فى العملة الصعبة يجعل من تمويل الواردات أمرا عسيرا، ويلقى بظلال من الركود والبطالة والتضخم على الاقتصاد بما يضر بحياة غالبية المواطنين.

لقد كان الحل الأمثل للخروج من الأزمة هو جذب الاستثمارات الأجنبية، وهو ما لم يتحقق لظروف عدة بعضها محلى وكثير منها عالمى وإقليمى ما اضطرنا فى نهاية المطاف للبحث عن وسيلة أكثر تكلفة وأشد خطورة وهى الاقتراض الخارجى، وهو حل مرحلى ومؤقت باعتراف الحكومة ذاتها، ويظل الأمل قائما على استجلاب استثمارات أجنبية بعد استقرار سعر الصرف ومؤشرات الاقتصاد الكلى، واستقبال ملايين السياح بعد إثبات أن الأمن والأمان قد استعيدا بالكامل، وتشجيع المصريين العاملين بالخارج على تحويل دولاراتهم دون خشية على مدخراتهم، وعلى تعافى اقتصاد السوق الأوروبية حتى تتوسع الصادرات المصرية، وحتى تدخل الاستثمارات فى قطاعات مهمة كالطاقة الكهربائية واستخراج الغاز الطبيعى.

وفى هذه الآونة تآلف العالم ــ أو قل أغلبه ــ باختلاف توجهاته السياسية والأيديولوجية وعلى تنوع مصالحه لدعم خروج مصر من كبوتها الاقتصادية، فبعد مليارات الخليج التى تدفقت لسد فجوة البلاد التمويلية من ٢٠١٣ إلى ٢٠١٥، وافقت بعثة صندوق النقد على برنامج الحكومة، وها نحن فى انتظار موافقة المجلس التنفيذى لتكون خطوة أولى لبرنامج اقتراض ضخم من جهات غربية على رأسها البنك الدولى، واستثمارات من البنكين الأوروبيين للاستثمار وللإعمار والتنمية، وفى هذا الخضم ستقوم روسيا ببناء أول مفاعل نووى مصرى لتوليد الطاقة الكهربائية فى العقدين القادمين، وتجرى المفاوضات لاستعادة المليونى روسى لإنعاش قطاع السياحة بعد حادثة الطائرة فى أكتوبر الماضى. 

إن الخلاصة هى أن مصر منذ أن تبنت برنامج الانفتاح الاقتصادى فى عهد الرئيس أنور السادات فى منتصف سبعينيات القرن الماضى، وما تزامن معه من إعادة توجيه السياسة الخارجية نحو المعسكر الغربى، وهى بلد يقيم خططه التنموية على الاندماج فى الاقتصاد العالمى، وعلى جذب الاستثمارات والسياح بالأساس من الولايات المتحدة وأوروبا والخليج العربى، باعتبار أن هؤلاء معا هم شركاؤنا التجاريون ومصدر تدفق رءوس الأموال والسياح وحيث يستقر غالب المصريين بالخارج (بالإضافة لأستراليا). وطيلة العقود الأربعة الماضية كان الرهان هو أن تندمج مصر فى الاقتصاد العالمى وفى النظام الدولى بشكل يحقق لها مصالحها، ولا يزال هذا هو محور الصراع، وذلك لأن مصر ونخبتها الحاكمة لم تختر نموذج كوريا الشمالية أو إيران أو فنزويلا ــ تشافيز من حيث مقاومة الإمبريالية، وتحمل تبعات هذا من العزلة أو الانعزال بل هى بلد أخذ الخطوات المعاكسة تماما اقتصاديا وسياسيا وثقافيا على حد سواء. 

ورغم هذا فإن هناك حضورا غامضا لحديث ما عن المؤامرة والاستهداف من جانب ذات القوى والفاعلين الذين يجرى الرهان عليهم من أجل إعادة إطلاق الاقتصاد المصرى، فتأخر عودة السائحين البريطانيين أو الروس يجرى تفسيره من بعض الدوائر فى الإعلام على أنه للضغط على الاقتصاد المصرى ومفاقمة أزمة العملة، على الرغم من أن بريطانيا لم تعد إلى اليوم حركة الطائرات إلى تونس منذ هجوم سوسة، وأن الحكومة البريطانية تحاول أن تتجنب متاعب فى مواجهة شعبها فى حال تكرار التهديدات الأمنية فى الشمال الإفريقى، ويبدو أن هذا المسلك قد وضع ضغطا على الحكومة الروسية أمام شعبها بعد سقوط الطائرة الروسية، خصوصا أن الاستهداف كان من قبل داعش وعلى خلفية التدخل فى سوريا، وهو ما يرفع مخاطر المعارضة الشعبية هناك للتورط الروسى فى سوريا. وفى جميع الأحوال لو كانت هذه الدول تتآمر علينا حقا فلماذا ننتظر منها أن ترسل بمواطنيها سياحا كى ينتعش الاقتصاد المصرى؟

وينطبق الأمر نفسه على التعويل على الاستثمار الأجنبى وتدفقه، والذى تحكمه فى المقام الأول حسابات اقتصادية وليست سياسية، كون رأس المال الكبير من شركات متعدية الجنسية غير خاضع للقرارات الحكومية ــ وإن كان يتأثر بها ويؤثر فيها ولكن ليس بنحو مباشر ــ وهناك عوامل عديدة أضعفت من تدفق الاستثمارات إلى مصر، كثير منها خارج عن إرادة الحكومة المصرية مثل التباطؤ الاقتصادى العالمى، والركود فى منطقة اليورو، وانكماش التجارة العالمية، وانهيار أسعار البترول، مضافا إليها عوامل محلية على رأسها اضطراب مؤشرات الاقتصاد الكلى وأزمة العملة الصعبة، وهى المسوغات التى لأجلها لجأت الحكومة المصرية لصندوق النقد ومجموعة المقرضين الدوليين على أمل أن تؤدى الإصلاحات لجذب تلك الاستثمارات من البلاد التى من المفترض أنها لا تريد للاقتصاد المصرى إنقاذا فى رواية المؤامرة العالمية.

إن بلدا كالصين الشعبية ارتبط نموه المذهل فى العقود الأربعة الماضية بالاندماج المتزايد فى الاقتصاد العالمى وبالأساس من خلال الارتباط بالأسواق الأمريكية إما من خلال التصدير أو من خلال جذب الاستثمارات واستيراد التكنولوجيا ونقلها أو من خلال الاستثمار فيما بعد فى سندات وأذون الخزانة الأمريكية، ومع الاندماج العضوى بين الصين والولايات المتحدة تفيد تقارير إعلامية أن الإعلام الحكومى الصينى ــ وليس هناك غيره فى الصين وهو البلد الذى احتفظ بهيكل النظام الشيوعى السلطوى ــ يتحدث دوما عن المؤامرة الغربية للحد من قدرة الصين على النمو، وهذا جائز للغاية وله شواهد عدة مثل الوجود الأمريكى العسكرى فى اليابان وكوريا الجنوبية وبحر الصين، ولأن الصين مرشحة أن تكون قوة عظمى تخصم من نصيب الولايات المتحدة، ولكن فى المقابل حديث أردوغان عن ضلوع أهم أعضاء حلف شمال الأطلنطى فى زعزعة الاستقرار فى تركيا، وهو الحلف الذى يضم فى عضويته بلاده وله قواعد على أرضها، بينما ترتبط تركيا باتحاد جمركى مع أوروبا، فيه قدر كبير من السخف وغياب المنطق.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.