منذ اندلاع الصراع الأهلي في اليمن في أيلول (سبتمبر) ٢٠١٤، ثم الصراع الإقليمي ابتداءً من آذار (مارس) ٢٠١٥، يشهد اليمن أزمة إنسانية طاحنة ومستمرة، في ظل عجز متنام من الدولة، التي تعاني من انقسامات بسبب الصراع، عن الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية لعموم السكان، وفي ظل غياب أي استراتيجية لتوفير هذه الخدمات الأساسية والملحّة، سواء كانت المياه والكهرباء والمواد الغذائية والتعليم، وهو ما يعتبر أمراً بالغ الحيوية لضمان استقرار طويل المدى في اليمن.

وعلى رغم الأوضاع البالغة التعقيد التي تعاني منها مؤسسات الدولة على مدى العامين المنصرمين بسبب الحرب، ظلّت المجالس المحلية تلعب دوراً بالغ الأهمية لمصلحة اليمنيين واليمنيات، ولذلك أجرينا على مدى الأشهر الأخيرة بحثاً حول وضع تلك المجالس لإنتاج معرفة أفضل بخصوص تأثير الحرب في هذه الهيئات المهمة، والتي تعتبر مسؤولة في شكل رئيسي ويومي عن توفير جزء حيوي من الخدمات الأساسية لأكثر من ٢٦ مليون يمني.

نشرت نتائج هذا البحث قبل أيام، وأظهرت كيف لعبت المجالس المحلية دوراً رئيسياً وبالغ الأهمية في التخفيف من وطأة الحرب وآثارها على السكان، وكيف استطاعت لعب أدوار وساطة بين الجماعات المسلّحة بما ساعد في الاتفاق على عدد من عمليات وقف إطلاق النار المحلية، ويسر السبل لتوفير ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية عبر خطوط الاشتباك الساخنة، علاوة على المساعدة في إنجاز عدد من عمليات تبادل الأسرى بين الجماعات المختلفة والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من السلم الأهلي والحد الأدنى لحضور الدولة وتماسك النسيج الاجتماعي.

إدراك المجالس المحلية طبيعة التعقيدات الداخلية ذات الطابع الاجتماعي في مناطق الصراع، وفّر لهم خبرة نادرة وحيوية في التعامل معها، وهو ما لا تمتلكه عادة السلطات المركزية ولا الجهات المانحة الدولية. لكن تعقيدات استمرار الحرب الأهلية أدت في إحدى نتائجها إلى تجفيف مصادر تمويل هذه المجالس، ما يعيقها عن لعب أدوارها ويضعها في شكل مكشوف أمام السكان المسؤولة هي عنهم، ما يؤدي إلى إنشاء فراغات في السلطة، حيث مناطقها، تستثمرها في شكل فاعل الجماعات الجهادية الأكثر تنظيماً وتمويلاً كتنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي سيطر على مدينة المكلا في محافظة حضرموت (ثلث مساحة اليمن تقريباً) لأكثر من عام قبل أن تستعيدها قوات محلية مدعومة من التحالف العربي وقوات إماراتية تحديداً، وبتنسيق محوري مع السلطات والمجالس المحلية.

على رغم ذلك، فالأكيد أن وجود الدولة في أي منطقة يُعبر عنه بالخدمات الأساسية التي تقدمها، والحكومة التي تلتزم في شكل فاعل تقديم هذه الخدمات تضمن استمرار العقد بين المواطنين والدولة، وإلا فالبدائل الخطرة تقدم نفسها فوراً. وهذا تحديداً ما يعزز الحاجة الى تقوية دور المجالس المحلية.

قبل إنشاء نظام المجالس في اليمن، كانت الالتزامات اليومية بتقديم الخدمات الأساسية كالمياه والصحة والكهرباء وصولاً إلى جمع النفايات، تتم من خلال مكاتب حكومية في مختلف المحافظات يديرها مسؤولون معينون مركزياً. لكن الضغوط السياسية للتخفيف من الطابع الشديد المركزية للدولة اليمنية تصاعدت في شكل رئيسي بعد انتهاء الحرب الأهلية بين شمال اليمن وجنوبه صيف ١٩٩٤. آنذاك خسر الجنوب الحرب، لكن تصاعدت بمرور الوقت المطالبات بدولة أقل مركزية وبالمزيد من الحكم الذاتي، الأمر الذي اكتسب دفعة قوية إثر تغيير إدارة الحكومة المركزية الذي صدر عام ١٩٩٨، حيث أعادت التغييرات الإدارية تقسيم البلاد إلى مقاطعات تسمّى محافظات، وكل محافظة مقسّمة فرعياً بدورها إلى مديريات.

في عام ٢٠٠٠، صدرت تعديلات مهمة على قانون السلطة المحلية على أن يتم البدء بتنفيذها في ٢٠٠١، وكان هدفها تخفيف الضغط السياسي على الحكومة المركزية. نجح ذلك في نزع مركزية العديد من جوانب سلطة الحكومة المركزية، حيث بدأت المجالس عملياً تتولّى وظائف الحكومة كافة المتعلّقة بإدارة المجتمع المحلي اليومية، إضافة إلى إمكان تخصيص موارد وإطلاق مشاريع تنمية، وتم تحويل صلاحية تنفيذ القرارات هذه، والمسؤولية المباشرة للمجالس المحلية أمام السكّان ككلّ، ما جعلها بسرعة بين أهم المؤسسات العامة في البلاد. غير أن الرئيس والحكومة المركزية احتفظا بحق النقض (فيتو) لأيّ من النشاطات المحلية، واستمر الرئيس في تعيين المحافظين الذين هم رؤساء المجالس المحلية، ما صادر جزءاً كبيراً من استقلالية هذه المجالس.

خلقت الانتفاضة الثورية التي عمّت البلاد عام 2011 وما ترتّب عليها من أزمة سياسية، ظرفاً قاهراً حال دون إجراء الانتخابات الجديدة للمجالس المحلية عام 2012. واستمرّت الأزمة، ثم شهدت تصاعداً ملحوظاً في 2014، حين سيطر على صنعاء مقاتلون حوثيون متحالفون مع قوات موالية للرئيس السابق صالح. وتمخضت عن تلك الأحداث حرب أهلية شاملة، تلاها تدخّل عسكري دولي بقيادة سعودية في آذار 2015، واستمرّت هذه الظروف في عرقلة إجراء أية انتخابات جديدة. وهكذا لا يزال أعضاء المجالس المنتخبون منذ 2006 في مناصبهم حتى اليوم.
إثر سيطرة حركة الحوثيين عسكرياً على صنعاء في أيلول (سبتمبر) 2014، تراجعت بشدّة قدرة المجالس المحلية على الإدارة وتوفير الخدمات، حيث بدأت تنهار مصادر تمويلها بالتزامن مع انهيار الاقتصاد في شكل عام. كما تضاعف حجم الأزمة في شكل هائل بعد توسع الصراع في 2015.

فقد خُفض الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة المركزية للمجالس المحلية بمقدار النصف في 2015، فيما صدر توجيه للمجالس المحلية بالإبقاء فقط على التكاليف التشغيلية الأساسية لأعمالها.

حتى هذا التمويل المخفّض للمجالس المحلية لا يزال غير مضمون ويتعطّل دوماً. فمثلاً في مديرية وصاب التي حافظت فعلياً على حيادها خلال الحرب، كان المجلس المحلي يحصّل من الدعم المركزي حوالى 150 مليون ريال سنوياً، واليوم انخفض إلى ما يتراوح بين 20 و30 مليون ريال. أما الوضع في المناطق المحررة والخاضعة لسلطة الرئيس هادي، فمعقّد وغير ملائم، حيث الاعتماد على المساعدات الدولية هائل، لا سيما من دولة الإمارات، فمجلس مديرية التواهي المحلي، في محافظة عدن، كان يحصّل دعماً سنوياً من الحكومة المركزية يصل إلى 360 مليون ريال، ثم توقف كلياً ابتداءً من آذار ٢٠١٥، وتم الاعتماد على مبلغ لا يتجاوز الـ١٢٠ مليون ريال يمني سنوياً يقدم من المجلس المحلي لمحافظة عدن.

هذا النوع من الخسارة الهائلة للتمويل كفيل بشلّ قدرة الحكومة على تأمين الخدمات حتى في حالة السلم. وفي ضوء النزاع الجاري وانهيار القطاع الخاص، وما نجم عن ذلك من كارثة إنسانية ودمار في البنية التحتية، أصبحت بنى الحكم المحلي في شتّى أنحاء البلاد عاجزة عن توفير أبسط الخدمات الأساسية، فيما أصبح اليمنيون خصوصاً في المناطق النائية أكثر عوزاً من أي وقت سابق.

لقد نجحت المساعدات الدولية في سد بعض الثغرات، لكن حتى في ذلك كان يجب التنسيق مع المجالس المحلية لكي يتم ذلك، ولذلك يشجع تقريرنا المجتمع الدولي وجيران اليمن من دول الخليج العربي لدعم المجالس المحلية والتنسيق معها.

لذا من الحيوي أن يكون التدخل الإنساني للمجتمع الإقليمي والدولي في اليمن مفصّلاً لتمكين المجالس المحليّة من تقديم الخدمات العامة الأساسية لليمنيّين واليمنيّات، إلى أن يَحين الوقت الذي تتمكّن فيه هذه المجالس من العودة لأشكال مستدامة من التمويل المحلّي. على هذا التدخّل أن يأخذ بالاعتبار الحاجة إلى آليات شفافية ومحاسبة، وأن يكفل عدم تسييس المساعدات في شكل مفرط لمصلحة أي طرف من أطراف الحرب الأهلية.

تنسيق المجتمع الدولي مع المجالس المحليّة، وتمرير الدعم من طريقها، سيؤديان إلى مجموعة من النتائج الإيجابية، من رفعٍ للمعاناة عبر حلول مقدّمة محلياً، إلى استهلال دورة الاقتصاد بما يمكّن الأسواق الأساسية من العمل، وأهم من ذلك الحفاظ على البنى المؤسسية التي لعلّها صاحبة الدور الأهمّ في مرحلة المصالحة وإعادة الإعمار بعد النزاع.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.