كانت إنجلترا واحدة من أولى البلاد في أوروبا الغربية التي حدث بها التحول الرأسمالي حول القرنين ١٥ و١٦، وكانت المسألة مرتبطة بحدوث استقرار سياسي مع تركيز السلطة في يد الملوك، ما سمح بتوحيد الأسواق الداخلية وتوسع طبقة من التجار الذين ما لبثوا أن راكموا ثرواتهم وزادت استثماراتهم داخل وخارج الجزيرة الصغيرة. وقد ارتهن هذا بقدرة إنجلترا على الخروج من الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت وغيرهم مبكراً نسبياً، وبتكلفة أقل مقارنة بما حدث في دول القارة الأوروبية، والتي ظلت طيلة قرنين تقريباً تعاني من حروب دينية طاحنة في شمالها وخاصة في الوسط منها أهلكت الحرث والنسل، وسلمت القارة لجيوش من المرتزقة دمرت الاقتصاد الزراعى، وتسببت في تهجير الفلاحين من قراهم. وبينما كانت الحروب الدينية تمزق ألمانيا ووسط القارة كانت إنجلترا في عزلة نسبية وفي رواج اقتصادي، ما اصطلح على تسميته بالعزلة المجيدة Splendid Isolation.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

كيف تتصل المقدمة أعلاه بالظرف السياسي والاقتصادي الراهن في منطقة الشرق الأوسط؟ إن الجانب الآسيوي من العالم العربي، يمر بمرحلة تحولات جذرية وعنيفة لم تحدث سوى من مائة سنة مع انهيار الدولة العثمانية وتقسيمها إلى الدول القائمة حالياً من خلال سلسلة اتفاقات بين بريطانيا وفرنسا وبين بريطانيا وأسر محلية في منطقة الخليج العربي واليمن. ويبدو اليوم أن ذلك الترتيب قد ولى إلى غير رجعة، وأن المنطقة يعاد تقسيمها على خطوط عرقية وطائفية جديدة مع انهيار للحكومات المركزية وصعود لقوى عسكرية غير نظامية، باتت تسيطر على مساحات شاسعة من الدول المنهارة، ونموذج داعش في سوريا والعراق يقف واضحاً أو يسيطر على العواصم كحال الحوثيين في اليمن أو تتحكم في الدول ذاتها كحال حزب الله في لبنان أو القوى الطائفية الشيعية في العراق. ومن الواضح أن الخطوط الطائفية، ستكون أساس الصراع لسنوات طويلة قادمة خاصة في ظل الانسحاب الأمريكي من المنطقة على وقع الفشل في حرب العراق، وبالنظر للصراع المستعر بين الرياض وطهران، ولن يكون القضاء على داعش نهاية لمثل هذا الصراع، بقدر ما إنه قد يؤسس لمظلومية للسنة في العراق وسوريا ولبنان، تستمر لعقود قادمة وتترجم إلى صراعات أهلية أو حروب دولية في حال التقسيم على أساس طائفي. 

في المقابل فإن مصر بلد قد مر بمرحلة تطور تاريخية لظهور الدولة القومية تختلف جذرياً وهيكليّاً عن الجانب الآسيوي من العالم العربي، حيث حدثت مركزة مبكرة مع محمد علي، وكانت عمليات التحديث والنضال الوطني ضد الاستعمار سبباً في إضعاف التقسيمات العرقية والطائفية والجهوية والقبلية بدلاً من إذكائها، ما جعل مصر قريبة من نموذج الدولة القومية التي لا تعاني من مشروعات بديلة من أسفل تهددها بالتقسيم أو بالانقسام. وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة لمد خطوط الصراع الطائفي من الهلال الخصيب إلى مصر، باستخدام لغة تحريض أو إثارة ضد الممارسات القريبة من التشيع في أوساط المصريين أو ضد التصوف من جانب دوائر سلفية، فإن التقسيم والتحريض الطائفي بين المسلمين ولله الحمد لم يأتِ يوماً ليمثل خطاً فاصلاً لصراع مجتمعي، ومن غير المنتظر أن تسهم الدولة في مصر في إذكاء الصراع الطائفي لا في المنطقة ولا في داخل مصر، بما يحمله هذا من مخاطر وأهوال نحن في حل عنها، ويمكن قراءة الموقف من الحرب الأهلية في سوريا، وما سببه من توتر في العلاقات مع المملكة العربية السعودية في هذا الضوء.

إن فرص الاستقرار السياسي والاقتصادي في مصر، وهو بلد مكتظ بالسكان، يعاني من معضلات تنمية خانقة وملحة، ترتبط بالانعزال عن الصراع الطائفي المدمر المرشح للامتداد والاستمرار في السنوات القادمة، وأن يقتصر التفاعل مع ما يجرى على مكافحة الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، وهو المرتبط بتمدد التنظيمات الجهادية في سوريا والعراق، دون التسامح مع إمكانية التورط في مغامرات عسكرية في الخارج أو حتى تقديم الدعم السياسي للمزيد من رسم خطوط الصراع على أساس طائفي في المنطقة. 

قد لا تكون مصر فاعلاً مؤثراً في أى من الملفات الساخنة في سوريا أو العراق أو اليمن، ولتكن هذه نقطة في صالحنا، فالفاعلون المؤثرون ليسوا في حال جيدة، ولعل تركيا تمثل مثالا صارخا لبلد سيدفع ثمناً باهظاً لمجاورة خطوط الصراع في المنطقة عرقياً وطائفياً، وليكن التوجه في المقابل شمال أفريقى بالاهتمام بمسألة ليبيا، وبتحديات التحول السياسى والاقتصادى في مصر، باعتبارها الأبرز. 

صحيح إن لمصر مصالح في الخليج العربي، والذي يظل مركزاً هاماً لتدفق رؤوس الأموال على مصر، إما في صورة مساعدات أو تحويلات للعاملين المصريين أو استثمارات، وهى مصالح يجب الحفاظ عليها باستئناف التعاون مع حكومات الخليج ومستثمريه، وبالحفاظ على علاقات متوازنة، ولكن ليكن الجميع على وعي بالمتغيرات المتوقعة في السنوات القليلة القادمة من استمرار انخفاض أسعار النفط، وربما عدم معاودتها الارتفاع للمستويات القياسية التي غلبت بين ٢٠٠٨ و٢٠١٤، نظرا لتطور بدائل كالبترول الصخري، والذي قد يخفض من أسقف ارتفاعات أسعار النفط في المدى البعيد، وبالتالي في ضوء تراجع الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لمنتجي النفط في المنطقة بشكل عام، مع توسع إنتاج النفط في الولايات المتحدة، ومع إعادة توجيه الحضور العسكري لبحر الصين بعد عقدين من منح الأولوية للشرق الأوسط. وهذه كلها مؤشرات توحي بأن الدور التقليدى الذي احتله الشرق الأوسط منذ السبعينيات كمنتج ومصدر للنفط الخام في طور التغير، وأن مستقبل التنمية سيرتهن بتنويع بنى الاقتصادات بعيداً عن تصدير المواد الخام لصالح قطاعات تصنيعية وخدمية، تستطيع أن توفر النمو اللازم، لخلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة للسكان الآخذين في الازدياد، وقطعاً بعيداً عن تصيد الريع النفطى من البلدان الغنية، من أجل إعادة تدويره للبلدان الأفقر.

تم نشر هذا المقال في الشروق.