على اختلاف يافطاتها الإيديولوجية يمينا ويسارا، لم تشهد الأحزاب السياسية المصرية بين 2013 و2016 سوى تراجع حاد في الدور وهزال مستمر للأهمية المجتمعية. في 2016، وبينما يصل عدد الأحزاب السياسية المسجلة إلى 85 حزبا يصعب تصور قدرة أغلبية الناس على تسمية ولو نفر قليل منها.

فمن جهة، واصلت أحزاب يمينية ويسارية أبرزها حزب الوفد الجديد وحزب المصريين الأحرار وحزب المؤتمر وحزب مستقبل وطن وحزب الشعب الجمهوري وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، التصاقها بنظام حكم ما بعد انقلاب 3 تموز/يوليو 2013 وبسلطويته الجديدة نظير شيء من الحضور في أروقة السلطتين التنفيذية والتشريعية. بعض هذه الأحزاب كحزب الوفد شارك في التشكيل الحكومي الأول الذي أعقب الانقلاب والخروج على الإجراءات الديمقراطية وفي الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور البلاد (2014) بعد أن عطل دستور 2012. بعضها الآخر، كحزب المصريين الأحرار وحزب المؤتمر وحزب مستقبل وطن الذي تأسس بعد الانقلاب وحزب التجمع، أيد السلطوية في كافة قراراتها وممارساتها دون مواربة ولم يحل تورط السلطوية في انتهاكات متتالية لحقوق الإنسان والحريات وفي إغلاق للفضاء العام دون استمرار التأييد الذي تطور لاحقا إلى دعم ترشح وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية في 2014.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

وعندما أجريت الانتخابات التشريعية في 2015 لتشكيل البرلمان الجديد (مجلس النواب وإجمالي عدد مقاعده هو 596) وثبت تدخل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في مجرياتها وتأثيرها على نتائجها، تكالبت أحزاب «تأييد ودعم السلطوية» بمعزل عن يافطاتها الإيديولوجية للمشاركة فيها طمعا في حضور برلماني. فحصل على سبيل المثال حزب المصريين الأحرار على 65 مقعدا، وحزب مستقبل الوطن على 50 مقعدا، وحزب الوفد على 45 مقعدا، وحزب المؤتمر على 12 مقعدا، وحزب التجمع على مقعد وحيد.

في المقابل، ابتعدت تدريجيا بين 2013 و2016 فئة أخرى من أحزاب اليسار وأحزاب يسار الوسط عن تأييد السلطوية الجديدة بعد أن كانت قد تورطت في تمكينها من الحكم وصمتت جزئيا على إطلاق يدها القمعية باتجاه المواطن والمجتمع. وبرزت في هذا الصدد أحزاب كحزب الدستور الذي كان تأسس في 2012 وشارك بقوة في ترتيبات ما بعد الانقلاب إن من خلال موافقة شخصيته الأبرز الدكتور محمد البرادعي على تقلد منصب نائب رئيس الجمهورية المؤقت بين 9 تموز/يوليو و14 آب/أغسطس 2013 أو من خلال مشاركة قادة آخرين للحزب في التشكيل الحكومي الذي أعقب الانقلاب وفي الجمعية التأسيسية التي وضعت الدستور، ثم انفتح تدريجيا على معارضة السلطوية الجديدة بعد استقالة الدكتور البرادعي من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية يوم مذبحة رابعة (فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة للإخوان المسلمين) ومع تراكم انتهاكات الحقوق والحريات واستحداث السلطوية للعديد من القوانين والتعديلات القانونية التي تغلق الفضاء العام وتهجر المواطن بعيدا عنه.

وتشابهت مواقف أحزاب مثل حزب الكرامة وحزب التحالف الشعبي ومبادرة تأسيس حزب التيار الشعبي مع حزب الدستور، وانضوت معه في جبهة عرفت باسم التيار الديمقراطي (ضمت أيضا حزب العدل وحزب مصر الحرية وغيرهما من الأحزاب الصغيرة). وبين خواتيم 2013 و2016، سجلت أحزاب التيار الديمقراطي (واقترب منها الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي) موقفها المعارض للسلطوية الجديدة إن من خلال الاحتجاج العلني على قوانين كقانون التظاهر (القانون رقم 107 لسنة 2013)، أو من خلال إصدار بيانات الإدانة المتتالية للنص دستوريا على جواز محاكمة المدنيين عسكريا (المادة رقم 204 في دستور 2014) ولاستمرار إحالة المدنيين إلى المحاكمات العسكرية، أو برفض تأييد ترشح وزير الدفاع السابق لرئاسة الجمهورية والاصطفاف خلف ترشح السياسي حمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية.

كما رتب تراكم الممارسات القمعية للسلطوية الجديدة وتقلبها بين سلب حرية آلاف الشباب والطلاب والعمال سجنا واختفاء قسريا وبين تعقب الأصوات الحرة في خانات اليمين واليسار بعد أن فرغت من قمع معارضي اليمين الديني وحصار المجتمع المدني وإغلاق الفضاء العام، رتب تصعيد أحزاب التيار الديمقراطي والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي لمعارضتها باتجاه بيانات أكثر تفصيلية وحسما في إدانة الانتهاكات ـ وعبرت عن ذلك بجلاء البيانات المتعلقة بقضايا سلب حرية المتظاهرين السلميين، وجريمة قتل شيماء الصباغ في كانون الثاني/يناير 2015، جرائم التعذيب والاختفاء القسري المتكررة، وحصار الإلغاء الذي تفرضه السلطوية الجديدة على مراكز وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني المستقلة وعلى النقابات المهنية التي ترفض الإدارة الأمنية. تشكل أيضا داخل مجلس النواب الحالي الائتلاف البرلماني «25 ـ 30» من نواب الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ونفر من النواب المستقلين (يبلغ عدد نواب الائتلاف 30 نائبا)، وصار تدريجيا صوتا معارضا لبعض القرارات والسياسات الرسمية التي تضمن تمريرها (شبه) التلقائي الأغلبية البرلمانية المرتكزة إلى ائتلاف دعم مصر الذي رعته انتخابيا الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ومكنته من حصد النصيب الأكبر من المقاعد البرلمانية (315 من إجمالي 596 مقعدا).

شغلت أيضا موقع معارضة السلطوية الجديدة أحزاب لم تؤيد الانقلاب على الإجراءات الديمقراطية وانتقلت من التحفظ الصامت عليه في صيف 2013 إلى الإفصاح عن رفضه ورفض تراكم انتهاكات حقوق الإنسان والحريات ومقاطعة الانتخابات الرئاسية 2014 والانتخابات التشريعية 2015، وبرز في هذا الإطار حزب مصر القوية (أسسه في 2012 السياسي عبد المنعم أبو الفتوح) بيافطته شبه الليبرالية وشبه الدينية ومبادرة تأسيس حزب العيش والحرية المعبرة عن اليسار الديمقراطي (بدأت المبادرة في خريف 2013).

غير أن تحلق المنسحبين من تأييد السلطوية الجديدة كأحزاب التيار الديمقراطي والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي ومعهم الأحزاب التي تطورت مواقفها تجاه السلطوية من التحفظ إلى الرفض كمصر القوية ومبادرة العيش والحرية حول مواقع وخانات المعارضة لم يسفر بين 2013 و2016 لا عن إحياء المجال السياسي الذي أماته الانقلاب ولا عن غل يد السلطوية ومكونها العسكري ـ الأمني ـ الاستخباراتي عن قمع المواطن وإخضاع المجتمع. لم تدفع بيانات إدانة قوانين القمع مثل قانون التظاهر وقانون الكيانات الإرهابية وغيرهما إلى امتناع السلطوية عن تمريرها أو البحث الجاد في ضرورة تعديلها، ولم تحل الانتقادات المتصاعدة للسجل الكارثي فيما خص حقوق الإنسان والحريات دون تراكم الانتهاكات واتساع دوائر الضحايا لتضم بجانب اليمين الديني المعارض مجموعات من الشباب والطلاب والعمال المتعاطفين مع الفكرة الديمقراطية ومن فاعلي المجتمع المدني المستقلين. لم تمنع الاستفاقة المتأخرة لبعض أحزاب اليمين واليسار وحش السلطوية الجديدة من الافتئات على النقابات المهنية التي قررت الدفاع عن حقوق وحريات أعضائها.

ولم يختلف واقع الفاعلية المحدودة للمنسحبين من تأييد السلطوية بشروع بعض الأحزاب والشخصيات العامة في طرح مبادرات «للبحث عن بديل» وربطها إن بعموم الأحوال المتردية في مصر أو بمشهد جزئي كالانتخابات الرئاسية المقرر تنظيمها في 2018، فقد أمعنت السلطوية عبر مكونها العسكري ـ الأمني ـ الاستخباراتي في إماتة السياسة تارة والاستخفاف بممارسيها تارات أخرى.

بحسابات التحليل الأخير، لم يمنع الاختياران العريضان للأحزاب اليمينية واليسارية منذ انقلاب 3 تموز/يوليو 2013، تأييد ومهادنة السلطوية من جهة ومعارضتها من جهة أخرى، تراجع الدور السياسي وغياب الفاعلية المجتمعية لليبراليين واليساريين في مصر مثلما لم يقللا على الإطلاق لا من السيطرة الشاملة للسلطوية على أمور الحكم ولا من انفرادها بإدارة شؤون البلاد دون اعتبار لعدل أو حق أو حرية.

تم نشر المقال في القدس العربي.