أطلقت تونس وشركاؤها الدوليون، غداة مرحلة غير مسبوقة من عملية بناء التوافق السياسي، آلية تنسيق جديدة لتعزيز وتدعيم الاستثمار طويل المدى، وتسهيل نمو القطاع الخاص. لكن تكلّل مثل هذا الجهد بالنجاح، يتطلَّب انتهاج مقاربة تصاعدية تساعد على التصدّي بحيوية للتحديات الأكثر إلحاحاً، على غرار بطالة الشباب، والفساد، والحوكمة المركزية، وتضعضع ثقة الرأي العام. كل هذا يستدعي بلورة واستحداث إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة النطاق، تساهم في كلٍّ من دمقرطة المداخل إلى السوق، والانخراط مع القوى المحلية، وتلبية احتياجات كل المواطنين، خاصة المُهمَّشين منهم في مناطق الداخل.

الأفكار الرئيسة

  • على الرغم من أن تونس قطعت شوطاً مؤثِّراً وملموساً في مسيرتها لتعزيز الديمقراطية، إلا أن التوافق بين أحزابها السياسية لمّا يُثمر بعد تنامياً في المقبولية الشعبية لعملية الإصلاح. 
  • لاتزال ثمة فجوة تفاوتات واسعة بين المواطنين التونسيين، على أساس الموقع الجغرافي، والسن، والوضعية السياسية والاجتماعية.
  • صحيح أن مؤتمر تونس 2020 للاستثمار في تشرين الثاني/نوفمبر الحالي يُعتبر جزءاً من استراتيجية لضمان التطور الاقتصادي بعيد المدى، إلا أن ثمة عقبات كأداء على المدى القصير قد تُعيق تنفيذ خططه.
  • لم تترك زيادة الإنفاق ورفع الأجور في القطاع العام، سوى هامش ضيّق للاستثمار في الموازنة التونسية.
  • تفرض المحسوبية والفساد المُستشريان وأنظمة الجمارك والضرائب المُفرطة، عراقيل جمّة أمام المؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم، وأيضاً أمام تقاسم مزايا البحبوحة والازدهار.
  • قد تُفاقم الإصلاحات الصعبة، على غرار تقليص العمالة في القطاع العام، التوترات الاجتماعية والسياسية.
  • ستكون أنماط الاستثمارات وأنواعها ومعها مستويات انخراط المجتمع المدني، عوامل مهمّة في بناء نظام اقتصادي وسياسي واجتماعي حيوي ومُتجدد في تونس.

توصيات

يتعيّن على الحكومة التونسية، مع الدعم الدولي لها،:

  • وضع مسألة إصلاح الجمارك والضرائب على رأس الأولويات، بهدف فتح السوق أمام المؤسسات المحلية الصغيرة ومتوسطة الحجم، وخلق فرص العمل.
  • مكافحة الفساد على كل المستويات، من خلال إلزام المسؤولين بالكشف علناً عن أصولهم ومصالحهم، وبلورة آليات للتتبُع والإبلاغ عن الاستثمار، والتنمية، وقطاعات التجارة، ومكافحة تدفق الرساميل غير المشروعة.
  • العمل لتحقيق لامركزية الحوكمة على المستويات المحلّية، من خلال وضع قانون انتخابي وإجراء انتخابات محلّية حرّة ونزيهة.
  • تعزيز الاستثمار المحلي في مناطق تونس الداخلية المُهمّشة.

أما شركاء تونس الدوليون فيجب عليهم:

  • إعادة التأكيد ثانية على دعمهم للحكومة والمجتمع المدني برمته، في خضم مسيرتهما الشاقة نحو الإصلاح.
  • رفع مستوى الدعم المالي والفنّي للتطور الديمقراطي والاقتصادي لتونس، والتركيز على مشاريع واسعة النفع، كالبنى التحتية.
  • إبداء قدر كبير من الحساسية إزاء شروط الإقراض، وتجنُّب التسرُّع في إعادة هيكلة الاقتصاد بشكل حاد، ماقد يهدد بمفاقمة التوترات الاجتماعية، وزعزعة عملية الانتقال الهشّة في البلاد.
  • الانخراط مع الأطراف المحلية، والمجتمع المدني، والإعلام، في نسج سياسات تنموية منسّقة، بهدف منح هذه الأطراف حصّة في الحوكمة، وترقية فرص نجاح الإصلاحات.

مقدّمة

لاتزال التحوّلات الكبرى في النظام السياسي التونسي، التي انطلقت تباشيرها في أواخر العام 2010، تتوالى فصولا. ولفهم مضامين هذه التغيرّات، يمكن استخدام إطار عام يتنبّى مقاييس التقدم والاصلاح، لا معيار الثورة.1 والحال أن كلاً من الطبقة الحاكمة التونسية، على وجه الخصوص، وشركائها الدوليين لهم مصلحة مشتركة في دفع البلاد قُدُماً نحو مسار يستند إلى إصلاحات قانونية وسياسية واقتصادية، تُعلي من شأن النموذج الديمقراطي الليبرالي الذي يُعتبر الضمانة الفُضلى للاستقرار والحيوية.

هنا، في هذا المضمار، يمكن القول إن تونس حققت تقدّماً ملموساً. فدستور 2014 يُعتبر بحق ميثاقاً تقدمياً يُنافح لتأسيس نظام حوكمة تعددي، وشامل للجميع، وقابل للمساءلة، وعادل، على قاعدة الضوابط والموازين.

أكثر من ذلك، كانت عملية صياغة الدستور نفسها، وفق تعبير أحد الباحثين2، نموذجاً ساطعاً لـ"التسوية العميقة"، بين مختلف الأطراف السياسية التي تتبنى إيديولوجيات متباينة وبين تاريخ من الصراعات والعنف وحتى التعذيب.3 وبالتالي، التغلُّب على هذه الاختلافات كان مثالاً رائعاً لعملية بناء الوفاق السياسي. ومذّاك، حثّت ممارسة التوافق بين النخب السياسية الخُطى عبر تشكيل ائتلافات حاكمة، بما في ذلك حكومتي الحبيب الصيد في 2015-2016 ويوسف الشاهد منذ آب/أغسطس 2016. 4

لكن، على الرغم من كل ذلك، لايزال التونسيون يعانون من مشاعر الاقصاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فالثورة بالنسبة إليهم لاتزال ناقصة ومتعثرّة، وسردية الإصلاح والتقدّم لم تعد عملة رائجة تحظى بصدقية بينهم.5 لا بل أكثر: فشلت الثورة، برأيهم، في تصحيح فجوة التفاوت الشاسع بين المناطق الساحلية وبين الداخل؛ وبين الشبان والشيبان؛ وبين أولئك المحظوظين المتمتعين بصلات جيّدة مع المسؤولين، وبين المحرومين من الشبكات المهنية والشخصية التي تُعتبر ضرورية في نظام اقتصادي يغشاه الفساد والمحسوبية. وهكذا، وفي حين أن الأحزاب السياسية تعمل يداً بيد في بيئة توافقية لبلورة حلول اقتصادية لمحن تونس وبلاياها، تبرز مؤشرات خطرة على أن التونسيين فقدوا الثقة بهذه العملية (قال 95 في المئة من الشبان التونسيين إنهم لايثقون بالأحزاب السياسية).6

كل هذا يشي بأن جَسرْ الهوة بين الحكومة وبين المواطنين، سيكون المفتاح الرئيس لضمان ديمومة الإصلاحات وتعزيز المبادئ الديمقراطية التي بدأت تُبلور التجربة السياسية التونسية. وهذا يتطلب عملياً تطوير حكومة قادرة على تلبية حاجات المواطنين وطموحاتهم، في الوقت الذي يجري العمل فيه على قدم وساق لإعادة هيكلة الدولة والمجتمع، لإقامة نظام أكثر عدلاً وأوسع تقاسماً للازدهار. صحيح أن الحكومة الحالية وزميلتها السابقة نشطتا مع الشركاء الدوليين لإعادة هيكلة الاقتصاد عبر الإصلاحات التشريعية، بهدف جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتسهيل عملها، وحصدتا بعض الفوائد، إلا أن الصحيح أيضاً أن لهذه المقاربة مضاعفاتها السلبية. فالقضية الرئيسة هنا هي ما إذا هذا كافياً أم لا لضخ عوامل الصمود والحيوية في أوصال النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي التونسي.

في نيسان/أبريل 2016، وضع باحثون في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي دراسة حملت العنوان "بين الوعد والوعيد"، حددوا فيها مجالات عدة يمكن فيها اجتراح حلول للتحديات التي تُواجه تونس. كيف؟ من خلال إطار عمل جديد يشمل تونس وشركائها الدوليين.7 مثل هذا الإطار يمكن أن يُعزَّزْ أساساً عبر استثمار اقتصادي وسياسي مُنسّق ومساعدات متواصلة في قطاع الأمن.

منذ نشر هذه الدراسة، دشّنت تونس وشركاؤها الدوليون- مجموعة الدول السبع الكبرى والاتحاد الأوروبي ومؤسسات مالية عالمية- آلية تنسيق جديدة (فيما كانت الحكومة تواصل في الوقت نفسه تدعيم وتطوير قدرات البلاد الأمنية)، ركّزت على الإصلاحات في الحوكمة والاقتصاد عبر ما أُطلق عليه آلية مجموعة الدول السبع (G-7 mechanism). وقد أشرعت هذه الأدوات، مضافاً إليها سلسلة من الإصلاحات الليبرالية، الأبواب أمام امكانية شق طريق جديد لتطوّر تونس.

يمكن لهذه الآليات الدولية أن تفيد في الوقت عينه من بروز مقبولية شعبية أعم، وانخراط أكبر للمجتمع المدني، وتوسّع الحوار الشامل للجميع. أما الإصلاحات الرئيسة الأخرى المشحونة بتحديات سياسية أكبر بسبب قدرتها على إزعاج مصالح خاصة قوية- على غرار إصلاحات الجمارك، والإصلاحات الضريبية الشاملة، أو المكافحة النشطة للفساد- هذه الإصلاحات لم تكُ من الأولويات في الأجندة التنشريعية للحكومات الأخيرة.

والحال أن العمل الشاق المتمثّل في بناء التوافق على الإصلاحات التشريعية، وبلورة سردية مشتركة حول التحديات الاقتصادية الجمّة التي تجابه تونس وطرح الحلول لها، انطلق بالفعل ويُمثّل في حد ذاته ضرباً من النجاح. إضافةً إلى ذلك، نجحت الحكومة التونسية وشركاؤها في إبراز مدى الحاجة الملحّة إلى الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد، وإلى التدليل على أن السياسة الاستبقاقية ضرورية لخلق الوظائف وتعزيز الفرص الاقتصادية للمواطنين العاديين. لكن لاتزال ثمة حاجة ماسّة إلى إنفاذ المهمة الصعبة المتمثّلة بإيجاد الحلول الخلاّقة المناسبة للتجربة التونسية، والحسّاسة للتحديات الاجتماعية الخاصة بالبلد، بشرط أن تكون هذه الحلول مقدامة وشجاعة بما فيه الكفاية لحفز المصالح الخاصة على المساهمة في الخير العام، وأن تُطوَّر من خلال نقاشات شفافة ومفتوحة أمام الجميع. هنا بالتحديد يكمن الأمل في ترقية وتعزيز وتطوير الجمهورية الثانية في تونس.

إطار شراكة متواصل وحملة ترويج جديدة للاستثمار

تسعى الحكومة التونسية، في خضم جهودها لتنسيق الدعم الدولي، إلى تحقيق مشروعين كبيرين إثنين على الأقل. الأول، هو مواصلة تطوير آلية الشراكة مع مجموعة الدول السبع بقيادة تونس (بما في ذلك الاتحاد الأوروبي). هذه الآلية كانت تستهدف تنظيم الدعم الدولي للتنمية، لكنها وسّعت البيكار ليشمل قضايا أوسع كالحوكمة والإصلاحات. والثاني، هي حملة ترويج قام بها مسؤولون حكوميون تونسيون في الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية ودول الخليج في آب/أغسطس 2016، لعرض برنامج الإصلاح التونسي واجتذاب الاستثمارات الخاصة والمؤسسية، في إطار الاستعدادات لعقد الندوة الدولية للاستثمار الدولي في تونس بين 29 و30 تشرين الثاني تحت عنوان "تونس 2020".

يُذكر أنه دُشِّنت آلية مجموعة السبع في حزيران/يونيو 2016 لتسهيل الإصلاحات وإطلاق مشاريع لدعمها بين الحكومة وبين الشركاء الدوليين، بما في ذلك المؤسسات المالية العالمية. هذه الآلية تتمتع بمدى أوسع من تلك التي جرى اقتراحها في دراسة كارنيغي في نيسان/أبريل 2016، حيث أنها تتمتد لتشمل الحوكمة الهيكلية والإصلاحات. تقود هذه الآلية رئاسة ثنائية- سفير تونس لدى البلد الذي يرئس مجموعة الدول السبع ووزير الشؤون الخارجية التونسي-، ولها لجنة تنفيذية تتكوّن من سفراء دول مجموعة السبع (بمن فيهم الاتحاد الأوروبي)، وكلٍ من وزيري التنمية والاستثمار والتعاون الدولي والشؤون الخارجية التونسيين. تعمل تحت هذه اللجنة ست فرق عمل فنيّة، لكلٌ منها رئيسان: ممثِّل عن وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي التونسية وممثِّل عن كل شريك دولي. فرق العمل هذه هي:

1-    فريق الإصلاحات الاقتصادية والحوكمة الرشيدة (يشترك الاتحاد الأوروبي في رئاسته).
2-    البنية الأساسية المُنتجة والمشاريع الكبرى(تشارك فرنسا في رئاسته)
3-    التنمية الجهوية واللامركزية.(تشارك إيطاليا في رئاسته)
4-    الاقتصاد الأخضر والزراعة(تشارك ألمانيا في رئاسته)
5-    التنمية البشرية. هذا الفريق لم يكن له رئيس مشارك حتى كتابة سطور هذه الدراسة.
6-    وأخيراً الاتصالات (تشارك في رئاسته المملكة المتحدة).8

عقدت اللجنة التنفيذية ثلاثة اجتماعات أوّلية في حزيران/يونيو وتموز/يوليو 2016. وبعد تغيير الحكومة في آب/أغسطس، واصلت فرق العمل عقد لقاءاتها بانتظام، وصاغت مسودات تقارير لرفعها إلى اللجنة التنفيذية.

توفّر بنية آلية مجموعة السبع مروحة من المزايا. فإطلاق هذه الآلية مثَّل في حد ذاته خطوة أولى بالغة الأهمية نحو توسيع دائرة المعلومات والمعطيات حول التحديات التي تواجه السياسة العامة التونسية؛ كما توفّر في الوقت عينه هيكلية تضرب صفحاً عما كان سيُصبح مفاوضات خاصة ومعزولة بين شركاء متباينين، يتحاورون عبر أقنية عديدة. أكثر من ذلك: مثَّل تشكيل فرق العمل فرصة لتعاون أكبر حول مساعدات التنمية والدعم المالي، في وقت تقاطعت فيه جملة من العوامل العديدة لعرقلة تنفيذ مشاريع التنمية.

بيد أن تكرار أسلوب آلية مجموعة السبع يفرض تحديات جمة، أبرزها كيفية التطرق إلى التحذيرات التوضيحية التي طُرحت في دراسة كارنيغي في نيسان/أبريل. نذكِّر هنا بسمتين رئيستين من الآلية المقترحة في الدراسة هما "القيادة والالتزام التونسيين"، وطرح مبادرة محاسبة دقيقة وشفافية أكبر أمام الحكومة التونسية، والشركاء الدوليين، والبرلمان، والمجتمع المدني التونسي، ومجموعات المصالح، والرأي العام، على حد سواء.9 صحيح أن وجود فريق عمل فنّي صُمِّم خصيصاً لهدف الاتصالات، قد يساعد على معالجة قضايا المساءلة والمحاسبة والشفافية، لكن عملية كسب دعم شعبي واسع، تتطلّب أن توضع هذه الآليات بحزم تحت إشراف الحكومة التونسية وقيادتها.

إحدى الوسائل الممكنة لترقية مقبولية الرأي العام لهذه العملية، هي إشراع أبواب ونوافذ هذه العمليات أمامه ودعوة ممثلي المجتمع المدني إلى المشاركة فيها. ثم أن من شأن إصدار شركاء تونس التقارير المنتظمة ورفع المعلومات العامة إلى مجلس نواب الشعب، وإلى الإعلام حين يستدعي الأمر ذلك، حول أهداف آلية مجموعة السبع والتحديات التي تُواجه، أن يوفّر قدراً من الرقابة والنقاشات التي قد تستوعب الانتقادات المُحتملة. يتعيّن على اللجنة التنفيذية للآلية أيضاً ألا تألُ أي جهد لتبيان كيف يمكن لهذه الآلية أن تؤثّر إيجاباً على كلٍ من أزمة البطالة بين الشباب وإزالة العقبات الكأداء العديدة التي تقف حجر عثرة في طريق المؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم، وأمام المداخل إلى القروض والحماية القانونية ومسألة "الشرعية". وهذه الأخيرة يعرّفها الاقتصادي هيرناندو دي سوتو 10Hernando de Soto  بأنها المعاملة العادلة في المجالات المالية والجمارك وأنظمة الشرطة وسوى ذلك. 

مع تواصل عمل آلية مجموعة السبع، انطلقت حملة ترويجية في خريف 2016، شارك في إطارها الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في اللقاء السنوي الثاني للمنتدى الاقتصادي الأميركي– الأفريقي في نيويورك، على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة. هذا النشاط وفّر لتونس مقابلة حظيت بتغطية إعلامية واسعة بين السبسي وبين وزير الخارجية الأميركية جون كيري أمام حشد من قادة القطاع الخاص البارزين في 21 أيلول/سبتمبر، ودارت وقائعها بعد أربعة أيام من إقرار تونس قانوناً جديداً للاستثمار تلقى السبسي تهنئة عليه من كيري.11

علاوةً على ذلك، زار محمد فاضل عبد الكافي، وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، واشنطن في خريف 2016 لتسليط الأضواء على برنامج الإصلاح التونسي. أبرز الاجتماعات التي عقدها هناك كانت مع صندوق النقد الدولي12 وتطرّقت إلى المسألة الحسّاسة المتعلقة بالتزام تونس تجميد أجور القطاع العام، على الرغم من وجود اتفاق بين الحكومة السابقة وبين الاتحاد العام للشغل التونسي لمواصلة رفع الرواتب حتى العام 2018. 13 آنذاك، وخلال الاجتماع، شنّ الاتحاد العام حملة إعلامية ضروس ضد تجميد الأجور. وفي تشرين الأول/أوكتوبر 2016، نظّم قادة أكبر حزب تونسي معارض احتجاجات ووصفوا مشروع التقشُّف بأنه انتهاك للسيادة التونسية.14 بيد أن صندوق النقد الدولي أعاد التأكيد، في مذكرة حول البرنامج في آب/أغسطس، على توصياته حيال السياسة العامة التي شددت على "احتواء قائمة الأجور في حدود 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي،15 وهو هدف لن تستطيع تونس تحقيقه إلا إذا جمّدت أجور القطاع العام. ولاريب أن هذه قضية تتطلب قدراً أكبر من المفاوضات بين الأطراف المعنية.

مقاربة اقتصادية للتحديات السياسية والاجتماعية

أصاب صانعو القرار التونسيون وشركاؤهم الدوليون حين اعتبروا أن القضايا الاقتصادية هي البؤرة التي تترعرع فيها العديد من مشاكل تونس. وقد تمثّلت استراتيجية الحكومة أساساً في العمل لوضع مروحة من الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية التي اعتقدت أنها ستزيد الاستثمارات الأجنبية، فيما هي كانت تنشط في الوقت نفسه لإعادة إطلاق المقاربة الاقتصادية التي تستند إلى الخطط الخمسية، والتي كانت دوماً سمة أساسية من سمات توجهات الدولة التونسية وعدّة عملها الرئيسة. كانت الخطة الخمسية الأخيرة، والتي غطت الفترة من 2007 إلى 2011، الحادية عشرة من نوعها في تاريخ تونس. وفي أعقاب الانتفاضة، منع اللااستقرار السياسي وضع خطة جديدة، ما أدّى إلى إضافة أهمية رمزية إلى ضرورة وضع الخطة الخمسية الثانية عشرة.

ثمة اعتقاد شائع بأن جني ثمار الاستثمار الأجنبي الخاص هدف بعيد المدى، وهذه أولوية من أولويات الحكومة التونسية. لكن على المدى القصير، يوفّر أيضاً الالتزام بتوصيات صندوق النقد الدولي حول التغييرات التشريعية دعماً مالياً، في وقت تزداد فيه الأجور ومدفوعات خدمة الدين.16 كما أن هذا الالتزام سيوجّه رسالة قوية إلى المؤسسات المالية العالمية وإلى الشركاء الثنائيين بأن عليهم مواصلة الالتزام بتونس ومساعدتها على تحقيق مشاريع التنمية التي تمثّل استثماراً حقيقياً وتساهم في توفير الوظائف.17 

أما الأولوية الأخرى للحكومة، والتي لايمكن تدبُّر أمرها بالإصلاحات المالية والتنظيمية وحسب، فهي التصدي للبطالة. فمع وجود 31 في المئة من الشبان من دون عمل18، تشكّل البطالة أحد الدوافع الرئيسة للاضطرابات ومصدر تحديات كبرى أخرى اجتماعية واقتصادية. ووفق تعبير عبد الكافي "تمثّل البطالة أكبر معضلة اقتصادية واجتماعية في تونس... وأنا أعتبر أن الحرب على البطالة توازي في أهميتها الحرب على الإرهاب".19

التحدي الأول الذي يواجه السياسة العامة في مجال البطالة هو التوظيف في القطاع العام. ففي الفترة بين 2010 و2014، ارتفع عدد موظفي القطاع العام من نحو 480 ألفاً إلى نحو 580 ألفا. وهذا لايشمل موظفي الشركات العامة.20 وقد قام الخريجون المُتبطلون، خاصة في مناطق الداخل، بمئات المظاهرات والاعتصامات مطالبين بالعمل في القطاع العام. والحال أن بطالة الخريجين عبء على دولة استثمرت كثيراً في نظام التعليم العالي )حصة السكان التونسيين من التعليم الثالث مابعد الثانوي تضاعفت ثلاث مرات من 4 في المئة في 1990 إلى 12 في المئة في 2010)، ولكن من دون استثمار مماثل في قطاعات العمالة أو في تطبيق سياسات لتشجيع العمالة بشكل فعّال في القطاع الخاص. ولو حدث ذلك لكان هذا الاستثمار الأخير صنواً يوازن تكاليف تعليم الخريجين.21

الشكل 1: ما بين الرواتب العامة والديون العامة: فسحة صغيرة للاستثمار

استندت مقاربة الحكومات السابقة لمعضلة البطالة والاضطرابات المرتبطة بها ولقضايا اجتماعية أخرى، إلى زيادة التوظيف في القطاع العام ورفع الرواتب فيه. وقد طرح عبد الكافي، في مقابلة تلفزيونية مطوّلة، تحليلاً للمضاعفات الاقتصادية الكلّية لهذه السياسة:

"خلال السنوات الخمس الأخيرة، كان لدينا نمو يتأتى من الأجور. فرواتب القطاع العام ارتفعت من 6 مليارات دينار (2.7 مليار دولار) في العام 2010 إلى 13.2 مليارات دينار (5.9 مليارات دولار) في العام 2016. وهذا يمثّل 70 في المئة من عائداتنا المالية... هامش المناورة في الموازنة الوطنية راهناً لم يعد ممكنا... والآن لم يعد أمامنا من خيار سوى تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية".22

إضافةً إلى ذلك، تُحدث مدفوعات خدمة الديون ثقوباً واضحة في مالية تونس. وقد أوضح عبد الكافي، في المقابلة نفسها، أن الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ارتفع من 40 في المئة العام 2010 إلى 62 في المئة في العام 2016، وبعدها قفز إلى 80 في المئة "حين نأخذ في الاعتبار ضمانات الحساب التي قدمتها الحكومة التونسية إلى مؤسسات مُحددة".

والحال أنه يتعيّن التدقيق بحرص في الحلول التي تقترحها الحكومة، والهادفة إلى تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية. فالاستثمار الخاص في الزراعة، على سبيل المثال، كانت له تأثيرات سلبية على صغار المزارعين.23 وفي هذه الأثناء، إذا ما أرادت الحكومة ضبط الأجور، لن يكون لذلك مضاعفات اجتماعية وحسب، بل سيضر أيضاً بالنمو عبر كبح الاستهلاك والتأثير سلباً على إجمالي الطلب بوجه عام. 

أحد البدائل عن العمالة في القطاع العام، هي ترقية ذهنية ريادة الأعمال. إذ بعد قول كل شيء، تبقى الحقيقة بأن الشركات الصغيرة والمتوسطة هي غالباً أكثر القطاعات توفيراً للعمالة. ووفقاً لسيدة الونيسي، كاتبة الدولة المسؤولة عن المبادرة الخاصة في وزارة التكوين المهني والتشغيل، لم تبدأ الدولة سوى الآن في اعتبار تعزيز ريادة الأعمال جزءاً من دورها. ومثل هذا التعزيز سيتطلّب ضرورة قطع دابر الروتين البيروقراطي، وإعادة بناء الهيكلة المالية، ودمقرطة مداخل السوق. ما يهم، في ما يتعلّق بالروتين، هو المساعدة على إزالة العوائق عن طريق ريادة الأعمال، مثلاً عبر تقليص المعاملات المكتبية الخاصة بالتسجيل والإجراءات التنظيمية، أو اعتبار تعبير "مهنة حرّة" بنداً رسمياً في وثائق الهوية.24

بيد أن إعادة الهيكلة المالية أمر أكثر مشقة. فالمصارف الخاصة لاتُقرض كثيراً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتخص بقروضها في الغالب عملاء الشركات الكبرى. ثم أن المصارف العامة، خاصة البنك التونسي للتضامن، كان منذ الثورة يحذو حذو المصارف الخاصة التي تقيس أداءها ليس بمعيار المشاريع التي تم تمويلها أو الوظائف والأعمال التي خُلقت، بل بمحصلات الربح والخسارة. كان البنك التونسي للتضامن يعمل في السابق تحت العين الساهرة لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، في إطار نظام الحزب الواحد السلطوي. في مثل هذا النظام، استند عمل مصارف الدولة، برأي البعض، إلى المحسوبية ومحاباة حلفاء النظام، من خلال تقديم القروض الهالكة، في مقابل الإفادة من قيام الدولة بإعادة الرسملة.25 لكن البنك التونسي للتضامن قلّص كثيراً قروض المخاطر التي كان يقدّمها منذ حلّ حزب التجمع الدستوري غداة ثورة 2011، وبذلك ساهم في مفاقمة ندرة الفرص المالية أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة. وثمة هنا مشكلة أخرى هي أن هذا البنك ليس مُصمّماً لمواءمة ظروف المؤسسات الصغيرة التي يمكن أن تغرق إذا توقفت عن دفع الرواتب لشهر أو شهرين. على أي حال، يبدو أن الحكومة التونسية تبدو على بيّنة من هذه التحديات، وتنشط بحمّية للبحث عن حلول لها.

عقبة ثالثة تعترض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي السيطرة المكينة والقوية للشركات الراسخة على السوق، مايؤدي إلى غياب التنافس. وقد أدّت العمليات غير الشفافة في إصدار رخص الاستيراد والتصدير، وكذلك إجراءات الضبط والقواعد التنظيمية التي تستهدف الأعمال الصغيرة وتتجاهل الشركات الكبيرة، إلى إثباط نمو المنافسين صغار ومتوسطي الحجم. مثل هذه العراقيل تميل إلى التفاقم إذا ماكانت عمليات غرفة التجارة مُمركزة، وإذا ماكانت غرف التجارة الجهوية تفتقد إلى إمكانية دعم وترقية الصناعات الخاصة بفعالية واستقلالية.26

كانت حصيلة كل هذه العراقيل والعقبات دفع الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى حقل القطاع غير المنظّم، الذي يشكّل وفق بعض التقديرات نصف حجم السوق، والذي "فاق الاقتصاد الرسمي في حساب.. الناتج المحلي الإجمالي"،27 كما أشارت دراسة كارنيغي في نيسان/أبريل 2016. وعلى الرغم من أن القطاع غير المنظّم التونسي، خاصة في مجال التجارة غير المشروعة وتهريب السلع من الجزائر وليبيا، يشكّل مصدراً للعمالة، إلا أنه غير منظّم ويقع إلى حد كبير خارج نطاق سيطرة الدولة. وهذا يعني خسارة الدولة لعائدات ضريبية كبيرة، فيما يفتقد عمال القطاع غير المنظّم، في الوقت نفسه، إلى الأمن الاجتماعي والأمان الوظيفي.28

إن إصلاح أنظمة الجمارك والضرائب بطريقة تؤدي إلى دمقرطة المداخل إلى السوق، سيكون أمراً شاقاً ، لكنه يقطع شوطاً مهماً في عملية دمج القطاع غير المنظّم في القطاع المنظّم، وفي الافادة القصوى من قدرته على خلق الأعمال.
ثمة تحدٍ ثانٍ أمام زيادة العمالة، يتمثّل في الحقيقة بأن برامج التدريب التقني الذي ترعاها الحكومة لا ترقَ إلى مستوى المهنية التي تحتاجها بيئة العمل الراهنة. إضافةً إلى ذلك، لا تُعتبر برامج التدريب والتطوير المهني مؤسسات جوهرية في تونس. وكما قال الوزير المُنوط به تطوير ريادة الأعمال: "إذا ما أردنا حيازة القدرة على إقامة البنى التحتية الكبرى، فعلينا أن ننشّط التدريب بفعالية".29

والواقع أنه إذا ما عمدت الحكومة للتصدي إلى البطالة عبر برامج التوظيف خارج الهيكلية الرسمية للعمالة التقليدية في القطاع العام، فقد يجنّبها هذا المشاكل المعتادة المتعلّقة بالقطاع العام المُتضخم، خاصة تلك المتعلقة باستحقاق الفرد للعمالة من دون تقييم أدائه في مجال الانتاجية أو خدمة المواطنين. مثل هذه المقاربة يمكن أن تشمل العقود المؤقتة في مشاريع الاشغال العامة المُقوّمة بالدينار، والتي لاتتطلّب زيادة الأعباء على كاهل احتياطيات العملات الأجنبية أو التمويل الدولي. كما أن مجالات مثل الإدارة المدينية، وبيوت الشباب، والمشاريع الفنية، كلها أعمال تمكّن المتبطلين من تطوير مهارات عمل، فيما هي تخفف من وطأة البطالة، وفقاً لباحث يطوّر مشروعاً وفق هذه الخطوط.30 أما تمويل هذه المشاريع، فيمكن أن يتأتى من بيع سندات خزينة بالدينار تُصدرها الحكومة بالتنسيق مع مستثمرين من القطاع الخاص. 

قانون الاستثمار الجديد

نأتي الآن إلى الإصلاحات التنظيمية لنقول إن قانون الاستثمار الجديد في تونس، يجب أن يكون تحولّاً يحظى بالترحاب والتصفيق من لدن المستثمرين الأجانب. فهذا القانون الذي تبنّاه البرلمان في 17 أيلول/سبتمبر 2016، أقصر للغاية من زميله السابق، وهدفه الأول والأخير كان التبسيط.31 القانون السابق ساعد على تفريع الاقتصاد التونسي إلى قطاع خارجي (أوفشور) وقطاع داخلي، وهي كانت قسمة ثنائية وجد البنك الدولي أنها "جعلت الاقتصاد حبيس انتاجية منخفضة" وفاقم التفاوتات الجهوية.32

ينص القانون الجديد على تشكيل مجلس أعلى للاستثمار يقوم بتنسيق كل عمليات الترخيص. ويقول مسؤولون حكوميون إنهم يعتبرون هذا المجلس بمثابة هيئة متكاملة الخدمات للمستثمرين، وسيكون مسؤولاً عن تنسيق التراخيص، والأذونات، والتصاريح، وتذليل العقبات الإدارية التي يتسبب بها عادة تعدد الهيئات الإدارية. الحكومة تعترف بأن هذا القانون غير كامل، غير أن فاضل عبد الكافي يعتبر أنها "خطوة أولى" وسيضع تونس على قدم وساق مع بلدان أخرى في حوض البحر المتوسط، في مجال التنافس على جذب المستثمرين.33

سياسة التنمية

ستكون خطة التنمية الخمسية 2016-2020 إحدى القضايا الكبرى الرئيسة في مؤتمر تونس 2020 للاستثمار. وهذه المرة الأولى منذ انتفاضة 2010-2011 التي تمكّنت فيها الدولة التونسية من صياغة مسودة خطة خمسية التي هي الآلية الرئيسة للاقتصاد الدُولتي في تونس. هذه الوثيقة لم تكن قد أُنجِزت كلياً بعد حتى كتابة هذه السطور، بيد أن الوزير السابق للتنمية، الذي لعب دوراً رئيساً في بلورة الخطة، قال إن الوثيقة حظيت بتغطية واسعة النطاق عقب العديد من الاجتماعات التي عقدت في أنحاء تونس.34 كما أن وزراء الاتحاد الأوروبي وصفوا الخطة بأنها "حجر الزاوية لتمكين شركاء تونس من تحديد دعمهم وتقديم المساعدة المالية".35

صحيح أن الأرقام الصعبة يمكن أن تتغيّر، لكن إحدى صيغ الخطة تتطرّق إلى مشاريع بقيمة 60 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، على أن يتم دفع التمويل بعد فترة خمس سنوات.36 وتتوقّع ميزانية هذه الخطة أن يأتي الثلثان من تمويل خارجي، والباقي من موارد العائدات الخاصة للدولة. الإنجاز الملحوظ لهذه الخطة، وفق وزير التنمية السابق، هو أنه جرى التفاوض عليها بين معظم الأحزاب السياسية الرئيسة التي تأتي من خلفيات إيديولوجية غاية في التباين. إضافةً إلى ذلك، صُمِّمت الخطة بحيث يذهب 70 في المئة منها إلى التنمية في الولايات الداخلية الـ16 الأقل تطوراً، فيما يخصص الثلث الأخير للولايات الساحلية المُتقدمة.37 وإذا ماوضعنا في الاعتبار الحقيقة بأن سكان تونس يتركزون أكثر في المناطق المُتقدمة، سندرك أن هذه الأرقام تعني أن التنمية تستهدف المناطق الفقيرة.

بيد أن الخطة الخمسية لاتمثّل سوى أطروحة تنموية طموحة وحسب يتعيَّن إنفاذها من خلال إجراءات الموازنة السنوية. ومع ذلك فهي تنطوي على رؤى تأمل تونس أن تحظى بدعم كلٍ من شركائها والدولة والمستثمرين المؤسيين وكذلك أفرقاء القطاع الخاص. لقد سُلِّط الكثير من الأضواء على الاستثمار الخارجي المباشر، لكن كبار المسؤولين والعديد من صنّاع السياسات والمراقبين الخارجيين يقرّون بأنه يتعيّن أن يباشر رأس المال التونسي الاستثمار، كي يساعد على جذب الرساميل الخاصة الأجنبية. وهذا يصح أكثر مايصح على المناطق الداخلية من البلاد.

في إطار هذه الروحية، عقد رئيس الوزراء يوسف الشاهد لقاءً شبه علني مع كبار رجال الأعمال المحليين وشركات تونسية متعددة النشاطات، بعد وقت قصير من تسلّمه السلطة في آب/أغسطس 2016. في هذا الاجتماع، وصف الشاهد دوائر رجال الأعمال بأنها "قصة النجاح" غير المرويّة، وناشدهم الاستثمار في المناطق الأقل تطوراً.38 لكن بعض التونسيين انتقدوا هذا اللقاء لأنه لم يشمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مُسلّطين بذلك الضوء على الفكرة بأن رجال الأعمال البارزين هم وحدهم الحائزون على المداخل إلى كبار المسؤولين. ومع ذلك، أطلّ أعضاء فريق رئيس الحكومة على هذا الاجتماع على أنه خطوة أولى على طريق بناء علاقة إيجابية مع الفئات السكانية القادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد في ظل ظروف ملائمة.39 كما أن استراتيجية إبراز قصص النجاح المحلية، يمكن أن تراكم الضغط على القطاع الخاص، كي يلعب دوراً أكثر إيجابية في السياسة العامة خلال حقبة الأزمات الاقتصادية. 

التحديات التصاعدية للتعزيز الديمقراطي والحيوية الاقتصادية

لايعتمد نجاح الشراكة المتواصلة الهادفة إلى تسهيل تطوّر تونس السياسي والاقتصادي على آليات التعاون أو على الإصلاح التشريعي وحدهما. ثمة أيضاً جملة من التحديات الفعلية التصاعدية التي تهدد، في حال لم تُواجه من قِبَل كل أصحاب المصلحة، بلعب دور المتلاف المُفسد لعملية تعزيز نظام سياسي رسمي يمكنه أن يتجاوب مع مواطنيه. هذه التحديات عديدة للغاية، لكن أكثرها إلحاحاً في الوقت الراهن هو تحسين شروط المقبولية الشعبية، ومكافحة الفساد، والحوكمة اللامركزية.

حدّدت ورقة كارنيغي في نيسان/أبريل 2016 خمسة التزامات رئيسة يمكنها أن تساعد على ضمان نجاح تونس، إثنان منها كانتا، أولاً، إعادة إحياء التواصل مع الرأي العام وإطلاق حوار شامل مع كل أصحاب المصلحة، وثانياً، تحسين الإصلاحات التي يمكنها الظَفَرْ بالمقبولية الشعبية، وإزالة العقبات التي تحول دون النمو الاقتصادي، خاصة في المناطق المهمشة.40 بيد أن الوسائل التي استخدمتها الحكومة التونسية لتطبيق الإصلاحات الاقتصادية منذ ذلك الحين، ضعضعت المقبولية الشعبية وقلّصت التواصل مع الرأي العام. صحيح أن سياسات التوافق نجحت إلى حد ما في تلطيف الانقسامات بين شخصيات النخب السياسية عبر الاجتماعات المغلقة، لكن هذه المقاربة أسفرت في الوقت عينه عن تهميش المعارضة الرسمية، وأعادت توجيه سياسة المماحكات إلى أشكال غير رسمية، على غرار الإضرابات، والاعتصامات، وحركات الاحتجاج الشعبي.41

تحسين المقبولية الشعبية

ترافقت الإصلاحات الاقتصادية التي شرّعتها الحكومة التونسية مع استراتيجية إعلامية نشطة، لكن هذه الإصلاحات كان يمكن أن تغتني أكثر من نقاش عام حيوي وشفاف، يتضمن قسطاً وافراً من المعلومات. هذا إضافةً إلى أن إدارة التوترات الاجتماعية المتواصلة، يتطلب مزيداً من العمل لبناء المقبولية الشعبية للحكومة ولسياساتها.

لعبت عملية بناء التوافق بين النخب دورها الحاسم الأول في تشكيل نظام الحوكمة التونسي بعد الثورة، عبر تشكيل اللجنة الرباعية للحوار الوطني. التأم شمل هذه الهيئة، التي تشكلت من أربع منظمات غير حكومية، في صيف 2013 لتسوية الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد والتي عجز السياسيون عن معالجتها. هذه الأزمة اشتعلت بفعل كوكتيل من الاضطرابات الشعبية العنيفة والاستقطاب الإيديولوجي حول دور الدين في الدولة. ومما نفخ أكثر في إوارها كان اغتيال سياسيين، ونشوب سلسلة من الهجمات الأمنية الصاخبة إعلامياً على يد مُتشددين ضد قوات الأمن التونسية. 

كان نجاح اللجنة الرباعية في الابحار بالسفينة التونسية نحو مرفأ الحل السياسي غير العنيف قد أكسب المنظمات الأربع جائزة نوبل للسلام في العام 2015، لكن العديد اعتبروا هذه الجائزة اعترافاً بجهود الشعب التونسي برمته لعمله معاً على ما وصفه البروفسور تشارلز تراب Charles Trapp بأنه "المشروع السياسي المشترك"، ألا وهو الجمهورية الثانية التونسية.42

تواصلت سياسات التوافق بين النخب بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية العام 2014، مع ولادة ائتلاف حاكم بين الحزبين الرئيسين نداء تونس والنهضة، ثم تعزز هذا التقليد أكثر مع تشكيل حكومة جديدة في آب/أغسطس 2016. وفي حزيران/يونيو 2016، أطلق الرئيس السبسي، وهو قائد سابق لحزب نداء تونس وأحد مؤسِسَيه، عملية لتشكيل حكومة وحدة وطنية. وبعد سلسلة من المشاورات طيلة صيف 2016، توصّلت تسعة أحزاب سياسية ومنظمات هي: الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة أرباب العمل الرئيسة)، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري (نقابة الفلاحين الرئيسة) إلى إبرام اتفاق قرطاج، الذي أجْمَلَ أولى أولويات السياسة العامة. تمخّضت هذه العملية عن ولادة حكومة تشمل مزيداً من الأحزاب ووزيرين لهما علائق مكينة مع قيادة الاتحاد العام للشغل.43 وقد كانت وزيرة في الحكومة عن حزب النهضة في غاية الحبور، حين لاحظت أن العديد من السياسيين الذين تعهدوا سابقاً بعدم العمل مع حزبها قط، هم الآن شركاء معه في ائتلاف حكومي.44

لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، غالباً ما تغشى سياسات التوافق على الأسباب التي دفعت أصلاً إلى بدء هذه العملية. أبرز هذه الأسباب لاتكمن في الاستقطاب الإيديولوجي الشرس الذي تطلّب بناء الوفاق في 2013 وحسب، بل أيضاً في الاضطرابات الحادة التي تنبع من دوافع عديدة، والتي ساهمت في استمرار المشاعر المناوئة للحكومة منذ انتفاضة 2010-2011. 45 والواقع أن أسباب هذه الاضطرابات تعكس أسباب الثورة نفسها، وهي: غياب الفرص الاقتصادية، وهدر كرامة المواطنين في علاقتهم مع الدولة، ونقص الخدمات العامة، والاسكان، والتنمية. وإضافة إلى كل هذا الضيم والظلم- بعد الثورة- أطلّ التضخم والنمو الخفيض برأسيهما مجددا.

هذه المشاكل الفاقعة التي أشعلت فتيل الاضطرابات والتي حفزت على بناء التوافق، لم تتبخر بفعل هذه العملية الأخيرة. لا بل تشير المعطيات إلى أن المواقف الشعبية من الحكومة شهدت المزيد من التدهور. وعلى سبيل المثال، قال 91 في المئة من الشبان التونسيين إنهم لايثقون بالبرلمان،46 كما تعاني مؤسسات أخرى في الدولة من غياب مماثل للثقة.

وهكذا، وفي الفترة بين كانون الثاني 2015 وأيار/مايو 2016، اندلعت أكثر من 5000 مظاهرة عبر البلاد47، وسَرَتْ احتجاجات شعبية في طول تونس وعرضها في كانون الثاني/يناير 2016 تخللتها اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، بعد أن نحر شاب نفسه خلال تظاهره ضد المحسوبية في التوظيف العام ما أدى إلى شطب اسمه من لائحة المرشحين للعمل.48 ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد أن فُرِضَ حظر تجوّلٍ شامل، ترافق مع تعاطي الشرطة بليونة ملحوظة مع المتظاهرين، ومع إعلان رئيس الحكومة الصيد عن إصلاحات اقتصادية شعبوية، وإن كانت غير مُلزمة. وتكشف كل هذه الديناميكيات الكامنة واستمرار وجود صدع بين المواطنين وبين الدولة بجلاء ساطع، عن حدود عملية بناء التوافق التي هيمنت على السياسات التونسية.

كان السبسي قد أنحى سبب تغيير الحكومة في آب/أغسطس 2016 إلى أن الإدارة السابقة لم تكُ قادرة على معالجة التحديات التي تُواجه البلاد، خاصة منها القضايا الاقتصادية.49 بيد أن عدداً من المعلقين التونسيين، بما في ذلك نقّاد وحلفاء الحكومة على حد سواء،50 يرون في التعديل الحكومي الكبير توسيعاً وتعزيزاً للسلطة التنفيذية، خاصة الرئاسة، في وقت يتواصل فيه فقدان الثقة بالقيادة. ومع استمرار غياب المحكمة الدستورية، التي لايزال تشكيلها بنداً مطروحاً على الأجندة التشريعية، ستبقى النزاعات حول السلطة التنفيذية وبين السلطتين التشريعية والتنفيذية مُستعرّة، ما يفسح في المجال أمام الرئاسة القوية لقولبة وصياغة السياسات.51

في خاتمة المطاف، ستبقى قدرة سياسات التوافق، المُدارة برئاسة قوية، على معالجة القضايا الاجتماعية قضية جوهرية من الطراز الأول. فحين تعلَّق الأمر بإصلاحات تشريعية معيّنة، أماطت أجندة الإصلاح الأخيرة اللثام عن وجود فجوة صارخة على صعيد المقبولية الشعبية، والشمولية للجميع، والشفافية. وقد حازت تونس في الفترة بين 2011 و2014 على عملية تشريعية منفتحة وعلى تطور سياسي أوسع، بيد أن هذا الانفتاح لم تلفحه بعد إجراءات المأسسة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن البيئة المُنفتحة هي سمة رئيس من سمات التطور الديمقراطي في تونس: إذ أن هذا الانفتاح على المجتمع المدني، والإعلام، والدفاع عن المواطنين، هو الذي سمح لهذا النمط من التسويات التي توّجت النقاشات، بصياغة دستور 2014 وإقراره.

لقد تم التوصل إلى العديد من التشريعات الأخيرة في إطار ما أُطلق عليها اسم لجنة الوفاق. هذه اللجنة، التي صُمّمت أصلاً لتذليل العقبات أمام إقرار دستور 2014، باتت تُستخدم الآن لمناقشة القضايا الحسّاسة التي ستؤثّر على الهيكلية المستقبلية للاقتصاد التونسي، وستعيد تعريف دور الدولة. وكل هذا يحدث على الرغم من الحقيقة بأن وجود اللجنة غير منصوص عليه في اللوائح الإجرائية الداخلية للبرلمان. تعقد لجنة الوفاق اجتماعاتها غالباً من دون حضور الصحافيين أو هيئات الرقابة المدنية، كما لايجري تسجيل ولا نشر دقائق مداولاتها.52 وفي الوقت نفسه، لم تكن الجلسات البرلمانية الموسّعة بحضور كامل الأعضاء- والتي تسمح بلقاءات عامة بين أعضاء البرلمان والوزراء وطرح الأسئلة حول مسائل السياسة العامة- تُعقد شهرياً كما تنص اللوائح الداخلية للبرلمان. 

ثمة أيضاً عوامل أخرى تفاقم من لاشفافية عملية صياغة التشريعات. ففي حين يُقطف العديد من ثمار الفوائد من قانون استثمار مُتقن الاعداد، إلا أن بعض الأطراف المعنية- بما في ذلك مسؤولين حكوميين- يعتقدون أن النقاشات العامة محدودة والنقاشات البرلمانية متسرّعة. ويقول صنّاع القرار التونسيون، في مجالسهم الخاصة، إن عليهم حث الخطى بسرعة قصوى في مجال وضع الإصلاحات،  لكن شروط الدعم المالي "قيّدت معاصم" المشرعين، وفق تعبير أحد النواب.53 لا بل يعتقد البعض أيضاً أنه جرى استعمال المساعدات ومكافآت الاستثمار للتحكُّم بالتغييرات التشريعية، ما أسفر عن التحايل على النقاشات العامة الأوسع نطاقا.54 وفي تشرين الأول/أوكتوبر 2016، انتقد الأمين العام للاتحاد العام للشغل الطريقة التي يقارب بها شركاء تونس الدوليون الإصلاحات الاقتصادية، مجادلاً بأنها لاتأخذ بعين الاعتبار ضعف الديمقراطية التونسية.55

وتعتقد أطراف معنية أخرى، أن لاعبين من القطاع الخاص الأجنبي يؤثرون أيضاً على العملية التشريعية بطرق غير شفافة. فبعد أن أودع نائبان من كتلتين تنتميان إلى مشارب متباينة، اتهامات بأن زملاء لهم يتلقون رشى في مقابل تسهيلات تشريعية، باشرت الدولة تحقيقات قضائية بهذه الاتهامات.56 لكن لاتزال القواعد الصارمة الخاصة بشفافية وجلاء مناورات الأروقة (جماعات اللوبي) غير مركزية في هيكلية الحوكمة التونسية.57 كل هذه المعطيات تشي بأن تونس في حاجة ماسة إلى قواعد مكينة تحكم تنازع المصالح، والمال السياسي، ومناورات الأروقة.

نأتي الآن إلى أحد الالتزامات الخمسة التي وردت في دراسة كارنيغي في نيسان/أبريل 2016، المتعلقة بآلية المسار السريع الخاصة ببعض مشاريع التنمية. يُذكر هنا أن الدراسة وصفت الآلية بأنها لجنة وزارية قادرة على تحديد المشاريع الجاهزة للإطلاق، وعلى التوفير السريع لإجراءات التراخيص التقليدية. الهدف الجوهري لهذا المسار السريع هو الإفراج عن مشاريع البنية التحتية، خاصة في المناطق المحرومة في البلاد. واتساقاً مع هذه الخطوة، اتخذت تونس خطوات لمناقشة آلية المسار السريع هذه، وصّفها وزير التنمية بأنها بمثابة "قانون الطوارىء الاقتصادية".58

الإفراج عن مشاريع البنية التحتية خطوة إيجابية بالطبع. لكن مسودة سابقة من هذا القانون كانت قد اقترحت أن يتم استثناء مشاريع التنمية واسعة النطاق من الرقابة البرلمانية. وسيكون فريق مرتبط برئيس الحكومة مسؤولاً إلى حد كبير عن تقرير الوجهة المحددة للمشاريع، من دون تدخل البرلمان. صحيح أن المشاريع المجمّدة قد تفيد من آلية تخترق الروتين الإداري، إلا أنه يتعيّن على النواب أن يتفاكروا حول مخاطر زيادة السلطة التنفيذية وتنحية النقاش والتحقُق العامين جانبا. والحال أنه لم يجر بعد اقتراح آلية بديلة لعملية الاشتراء والتوريد، يكون هدفها ضمان إجراءات مكافحة الفساد؛ كما لا تتوافر توجيهات تحكم مسألة تضارب المصالح. 

معالجة الفساد

أحد التحديات الكبرى أمام حل متاعب تونس الاقتصادية هي مكافحة الفساد. إذ حتى ولو تم تشجيع الاستثمار عبر سَنّ الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية، ستستمر المفاوضات غير الرسمية مع كل تلاوين الأطراف البيروقراطية. فالفاعلون في الإدارات المحلية، من شركات المرافق العامة ومسؤولي الجمارك إلى ضباط الشرطة، قادرون على طرح مطالب مستقلة على ممثلي قطاع الأعمال، مايجعل الاستثمار عرضة إلى الفساد. أكثر من ذلك: لم تتصدَّ الحكومات المتعاقبة لاحتمالات الفساد على مستوى عالٍ، ولا لغياب الكشف العلني الحقيقي عن أصول مسؤولين رفيعي الرتب. وهذا يُهدّد بوضع النظام السياسي تحت مقصلة المحسوبية والحظوات الخاصة.

يشي الخطاب الأوّلي المُنمَّق للحكومة الجديدة بأن التصدّي للفساد سيكون أولويتها الثانية بعد محاربة الإرهاب.59 وقد طلب الشاهد من وزرائه الكشف عن أصولهم في غضون عشرة أيام من تسنّمهم مناصبهم. كما أن قانون 1987 يتطلّب من الوزراء، وكذلك العديد من الموظفين الرسميين، طرح أصولهم في مظروف مختوم ورفعه إلى ديوان المحاسبة.60 بيد أن هذا المظروف يبقى مغلقاً إلا إذا تطلبت قضية في المحكمة فضّه. كما يتطلّب قانون 1987 أيضاً أن يكشف المسؤولون المنتخبون عن أصولهم حال مغادراتهم المنصب، على الرغم من أن الإذعان لهذا الإجراء يبدو ضئيلا.61 إلى ذلك، تنص المادة 11 من الدستور التونسي على أن الرئيس والمشرعين يجب أيضاً أن يميطوا اللثام عن أصولهم، لكن لم يكُ هناك تشريع خلال السنتين اللتين أعقبتا دستور 2014 لتدوين هذا المبدأ الدستوري في صيغة قانون. 

كذلك، تتطلب مكافحة الفساد الصغير جهداً منسّقاً لاستئصال شأفته وفُرص بروزه على أعلى مستويات الحكومة، بهدف تعرية ثقافة الإفلات من العقاب. كما تستدعي الشفافية الأوسع في هذا الحقل ليس فقط كشف الأصول، بل أيضاً ضرورة جلاء طبيعة تضارب المصالح. وفي ضوء عملية التنمية التونسية، ومشاريع البنى التحتية، وآلية المسار السريع، قد يخلق فقدان التنظيم التشريعي الفعّال للمادة 11 من الدستور الظروف التي قد يغرق فيها النظام في لُجج المحسوبية.

على الرغم من أن تونس لديها هيئة لمكافحة الفساد، إلا أنها، ومعها ميزانيتها، تقبعان تحت سيطرة رئيس الوزراء. وهذا يعيق استقلالية الهيئة وقدرتها على التحقيق في الفساد. لكن يبدو أن حياة جديدة بُثَّت فيها في كانون الثاني/يناير 2016، مع زيادة تمويلها وحصولها على قيادة جديدة.62 وتقول الهيئة إنها تلقّت 1937 شكوى منذ بداية العام 2016، رفعت منها 832 ملفاً إلى المحققين و106 إلى وزارة العدل.63 مع ذلك، ليس واضحاً عدد القضايا التي تمكّنت الهيئة من حلّها، أو ما إذا كان النظام القضائي عموماً يمتلك القدرة على حلّها.

أما بالنسبة إلى التدفقات المالية غير الشرعية، فقد فاق حجم هذه الرساميل، وفقاّ لأحد التقارير، الديون في تونس على مدى العقود الماضية.64 وهذا يعني، بكلمات أخرى، أن النموذج التنموي الراهن يمكن إعادة تشكيله بصورة جذرية إذا ما شُنَّت الحرب على الفساد بحيوية ونشاط. وقد أشار هذا التقرير عينه إلى أن تونس كانت تخسر 905 ملايين دولار سنوياً، بسبب تدفق الرساميل غير الشرعية في الفترة بين 1970 و2010. وعلى المستوى الاقتصادي الكلّي، تأخذ هذه التدفقات شكل تحرير فواتير غير صحيحة وتجنّب دفع الضرائب.65

 يمكن لتونس اتخاذ خطوات لمعالجة هذه المشكلة، من خلال إصلاح أنظمة الجمارك والضرائب كي تصبح أكثر عدلاً، وأكثر شفافية وحرفية. لكن هذه ستكون في المقام الأول معركة سياسية تتطلب إرادة النضال في آن ضدّ كلٍّ من الاحتكارات العاملة بشكل شرعي والتجارة غير المنظّمة. وما لم تصبح هذه المهمة أولوية، سيقوّض تدفّق الرساميل غير الشرعية قدرة تونس على المضي قُدُماً في طريق التنمية.

بالطبع، هناك وسائل أخرى عدّة لتقليص حجم الفساد تستطيع الحكومة التونسية وشركاؤها الدوليون مدّ يد العون فيها، إحداها سنّ تشريع يطلب الكشف عن أصول كبار المسؤولين المُنتخبين، وفقاً للمادة 11 من الدستور. وسيلة أخرى هي العمل لتطبيق شفافية أكبر في مجال الضرائب، ما قد يساعد على فرض الإذعان لدفع الضرائب. وثمة خيار ثالث هو توظيف رأسمال سياسي أكبر في مجال التحقيقات ومقاضاة الموظفين الرسميين، وكذلك الفاعلين في القطاع الخاص الذين أُدينوا بالفساد. ويمكن كذلك للتطبيق الصارم والحازم للقوانين ضدّ مناورات الأروقة (اللوبي) والمال السياسي أن يقلّص احتمالات الفساد.

 يستطيع شركاء تونس الدوليون، من جهتهم، المساعدة على خفض الفساد بوسائل عدّة، الأمر الذي يصب كذلك في مصلحتهم. إحدى هذه الوسائل هي تتبُّع مسار مساعدات الإنماء، ونشر الموازنات في كل مرحلة من دورة المشاريع: من المواد إلى الأجور. لا بل أكثر: يمكن للأسرة الدولية أن تدرس الدفع باتجاه تعاون دولي أوثق لخفض كلٍّ من تدفّق الرساميل غير الشرعية والملاذات الضريبية.

نحو الحوكمة اللامركزية

يُلزم دستور تونس الجديد البلادَ اعتمادَ اللامركزية كأساس رئيس للسياسة العامة للدولة.66 والحال أن قدرة الدولة على العمل لصالح مواطنيها وثقة هؤلاء بحكومتهم تعتمدان كلتاهما جزئياً على دور البلديات. ثم أن العديد من العجوزات التي تشوب العقد المُبرَم بين المواطنين وبين الدولة تتبدّى على مستوى البلديات، بدءاً من جمع القمامة وصيانة الطرق، إلى إصدار صكوك الملكية والتراخيص التجارية. لقد كان الشرطي، الذي صادر بضاعة البائع المتجوّل محمد البوعزيزي، ما دفعه إلى إضرام النار في نفسه وساهم بذلك في إشعال جذوة الثورة التونسية، تابعاً للبلدية. ولايخفى أن موقع انتحار البوعزيزي يقع قبالة مبنى البلدية. وبدورها، تشي أحداث كانون الثاني/يناير 2016، التي اندلعت شرارتها بعد أن أقدم شابٌّ عاطل عن العمل على صعق نفسه، بالكهرباء، احتجاجاً على الحكومة المحلية في مدينة القصرين وسطَ تونس، بأن التوتّر بشأن الحوكمة المحلية متواصل.

في خضم هذا الشرخ المتّسع بين الحكومة المحلية وبين المواطنين، وأزمة الحوكمة المحلية القائمة (أنظر الشكل)، تُعدّ الديمقراطية المحلية ضرورية لبناء المقبولية ومنح المواطنين القدرة على التحكّم بشؤونهم الخاصة.67 ومع أن الانتخابات البلدية في تونس خطوة رئيسة في مسار توطيد الديمقراطية، إلا أنها أُرجِئت مرّتين عن موعدها المُقرّر، كما حصل تأخير في إقرار قانون الانتخابات البلدية، ناجم عن "نقصٍ فاقع في الاهتمام بتنظيم الانتخابات الجهوية"، وفق تعبير إحدى منظمات الرقابة الدولية.68 لكن ثمة من رأى، في مجالسه الخاصة، أن الحكومة تتحكّم بالموعد الذي يناسبها سياسيّاً لإجراء الانتخابات.

لايُمكن إجراء الانتخابات من دون سنّ قانونين، أحدهما لتنظيم الانتخابات البلدية والثاني لتطبيق اللامركزية وتحديد المسؤوليات والمهام الجديدة التي ستضطلع بها المجالس البلدية والجهوية. من بين هذين القانونين، حظي قانون الانتخاب بالأولوية على جدول أعمال السلطة التشريعية.69 وهكذا طُرح مشروع قانون ناقشته اللجنة البرلمانية المسؤولة، ورُفع إلى البرلمان في الأول من حزيران/يونيو 2016، إلا أنه لايزال معلّقاً مذّاك.70 ويشير مراقبون كثر يتابعون هذه المسألة عن كثب، في مجالسهم خاصة، إلى أن هذا التأجيل يُعزى إلى كَوْن الأحزاب السياسية التونسية، عدا حركة النهضة، غير منظّمة بما فيه الكفاية لتعبئة القواعد الشعبية عبر الحملات الانتخابية، وأن العديد من الأحزاب الوطنية لن تُبلي على الأرجح بلاءً حسناً.71

الشكل 2: جمنة: حوكمة الأمر الواقع المحلية تواجه سلطة الدولة

ثمة تناقض، راهناً، في تونس بين ضبط الأمن وبين انتهاج سياسة تنموية شاملة، بالتنسيق مع السكان المحليين. تجلّى ذلك بأوضح صوره في بلدة جمنة: ففي أعقاب ثورة العام 2011، استولى سكان هذه البلدة الصغيرة الواقعة في ولاية قبلي الجنوبية على الأراضي الزراعية المُنتجة للتمور، والتي يُزعم أن الحكومة المركزية باعتها قبل سنوات إلى شركات خاصة من دون موافقة السكان المحليين أو المجلس البلدي.72 هؤلاء المواطنون كانوا هم من قاموا بشكلٍ جماعي بتطوير الأرض وبيع المحصول وإعادة استثمار العائدات في مشاريع مدنية.73

وعلى الرغم من هذا الإنجاز الواضح، أعلنت الحكومة التونسية أن بيع محصول التمور بالمزاد العلني في جمنة غير قانوني، وتعهّدت بمحاكمة جميع المنخرطين في عملية البيع. فهي اعتبرت هذا البيع مخالفاً للقانون، وأن هذه الأراضي أملاك عامة، وبالتالي لايحق للسكان المحليين إدارتها من دون تسوية وضعها القانوني مع الدولة.74

زار بعض السياسيين المُنتخبين من تونس العاصمة بلدة جمنة في تشرين الأول/أكتوبر 2016 لدعم السكان المحليين الذين يتحدّون الدولة. قبل ذلك، أجرى مسؤولون حكوميون مشاورات في جمنة، اقترحوا خلالها تحويل جمعية المواطنين إلى شركة خاصة تتمتع بوضع خاص، إلا أن هذا المُقتَرَح أثار قلق السكان لأن الشركات قامت بتطوير الأراضي من دون إعادة الاستثمار في المجتمع المحلي.75

يمثّل تحدّي الانتخابات المحلية طَرْفاً واحداً فقط من مُعضِلة اللامركزية. أما الطَرْف الآخر فهو إعادة التفاوض حول أدوار المؤسسات الرسمية الأخرى في السياسات المحلية، سواءً أكانت وزارات أو غرف تجارة أو حكام ولايات أو نقابات عمالية أو قطاع خاص أو شبكات اقتصادية غير منَظمّة تشمل الجهات التي باتت في حدّ ذاتها مجموعات مصالح نافذة. على الصعيد الرسمي، ستبقى الدولة المركزية هي الجهة التي تعيّن ولاة تونس الأربعة والعشرين، لكن بعد الانتخابات سيتعيّن على هؤلاء الأخيرين التفاوض مع موظفيهم والمجالس الإقليمية المنتخبة على حدّ سواء. إن مهام الولاة، ومسألة ما إذا كانوا سيتمتعون بحق الفيتو على الموازنات والمشاريع المقترحة من قبل المجالس الإقليمية، والوزارة التي سيعملون تحت سلطتها، تُعتبر من القضايا الرئيسة.

ونظراً إلى التغيير السريع للحكومات منذ العام 2011، فضلاً عن محدودية قدرة المشرعين وقلة موظفيهم، انحصرت إلى حدّ كبير مهمة صياغة القوانين المتعلقة باللامركزية على موظفٍ ما يُعرف الآن بوزارة الشؤون المحلية، التي كانت سابقاً دائرة في وزارة الداخلية. وقد جعلت تفاصيل هذه المسألة المعقّدة وخصوصياتها التقنية والقانونية الغامضة إشراك العامة أمراً صعباً. مع ذلك، قامت بعض المنظمات غير الحكومية – وأبرزها جمعية البوصلة - بتسخير الموارد للبحث في هذه القضية بتعمّق، عبر زيارة المسؤولين المحليين، وتعيين متطوعين في البلديات يمكنهم أن يكونوا بمثابة عين المواطن الساهرة على سير الشؤون البلدية. وسيكون تبادل الخبرات والمعارف هذا حيوياً لرسم معالم اللامركزية بطريقة تزيد من ترقية مقبولية المواطنين ومن عملية التواصل معهم.

خاتمة 

ليس ثمة شكّ بأن التحديات التي تواجهها تونس تتطلب حلولاً سياسية واقتصادية دقيقة ومتقنة. صحيح أن السياسات التي تنحو إلى عزل الحلول الاقتصادية عن التوترات السياسية تبدو جذابة، لكن هذه المجالات محكمة الترابط ببعضها البعض. كما أن معالجة السخط السياسي مفتاح جوهري لنجاح الإصلاح الاقتصادي على المدى الطويل.

إن الآليات التنازلية التي تهدف إلى تسهيل اندماج تونس بشكل أفضل في اقتصاد السوق العالمي - وخاصة رُزم الإصلاح التي تمّ التفاوض بشأنها بين الحكومة التونسية وبين الشركاء الدوليين - تتطلب العمل بصورة متوازية على التحديات التصاعدية التي يفرضها إشراك وتمكين المواطنين بشكل أوسع. من هذا المنطلق، أصدر البرلمان الأوروبي قراراً في أيلول/سبتمبر 2016 دعا فيه مفاوضيه حول إتفاقية جديدة للتجارة الحرة مع تونس، إلى الأخذ في الاعتبار "البيئة وحماية المستهلك وحقوق العمال" وضمان "أن يستفيد الطرفان على نحو مماثل من هذا الاتفاق، مع المراعاة الملائمة للفوارق الاقتصادية الكبيرة بينهما"، ومع ضرورة إشراك الجهات الفاعلة في المجتمع المدني بفعالية في عملية أكثر انفتاحاً وشفافية.76

يمثّل مؤتمر تونس 2020 الاستثماري، المرتقب في العاصمة يومَي 29 و30 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، فرصة جُلَّى أمام شركاء تونس الدوليين لتجديد الالتزام بتوفير دعمهم، من خلال الاهتمام بالاحتياجات التمويلية للمشاريع التنموية التي من شأنها ضمان مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي.

يمكن أن يشكّل مؤتمر تونس 2020 أيضاً فرصة لرواد الأعمال التونسيين المفترضين لتقييم احتياجات البلاد التنموية. غير أن العوائق التي تعرقل دخولهم إلى السوق – بدءاً من المحسوبية والفساد وصولاً إلى الأنظمة الجمركية والضرائبية التي لم تلفحها رياح الإصلاح – لاتزال ضخمة، لكن الجهود التي تبذلها الحكومة لتحرير الاقتصاد يمكن أن تؤدي في المقابل إلى تأييد العامة لدمقرطة منافذ السوق. وفي هذه الأثناء، سيكون بإمكان الشركات التونسية الراسخة الاستثمار في المشاريع التنموية العامة. قد تكون ربحية هذه المشاريع أقل من استثمارات التجمعات الاقتصادية، إلا أن ضمّ الخطط المشتركة بين القطاعين العام والخاص إلى العائدات الرمزية المتأتية من الاستثمار في المجتمعات المحلية، يمكن أن يشكّل فرصة تتيح للقطاع الخاص الانخراط في الصالح العام.

في الوقت نفسه، يمكن أن يُكتب لهذه الاستثمارات النجاح في تحقيق إنجازات ملموسة فقط إذا التزمت الأطراف المعنية في تونس (الحكومة والبرلمان والشركات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني) بالشفافية وتعقُّب عمليات الاشتراء والتوريد، وتجنّب تضارب المصالح، ومواصلة التوعية العامة، والمشاركة في صنع القرار. الاستثمار في تونس يبرز كضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى. ونظراً إلى ضعف النظام السياسي التونسي، يُعتبر هذا النوع من الاستثمارات أساسياً لتحقيق النجاح تماماً كالاستثمار نفسه.

أما بالنسبة إلى شركاء تونس الدوليين، فهذه هي اللحظة الحاسمة لمعاودة تأكيد دعمهم القوي للحكومة وللمجتمع التونسي برمّته في مسيرته الشاقة نحو تطبيق الإصلاح. لا ريب أن الطريق يعجّ بالصعوبات، لكن تونس تمتلك ميزة فريدة من نوعها ورثتها من ثورتها، وهي قدرة مجتمعها على التوصل إلى التوافق والتسويات. وهذا الآن هو الأمر الأكثر حسماً وإلحاحاً من أي وقت مضى.

هوامش

أنظر:
Jocelyne Dakhlia, trans. Muriam Haleh Davis, “Can We Think in Transition? Reflections from Tunisia,” Jadaliyya, June 30, 2016, http://www.jadaliyya.com/pages/index/24697/can-we-think-in-transition-reflections-from-tunisi.

2 Nadia Marzouki, “Tunisia’s Rotten Compromise,” MER Online (blog), Middle East Research and Information Project, July 10, 2015, http://www.merip.org/mero/mero071015.

أنظر:
Mischa Benoit-Lavelle, “The Future of Tunisian Democracy,” New Yorker, November 1, 2014, http://www.newyorker.com/news/news-desk/future-tunisian-democracy;
وأيضاً:
Monica Marks, “Tunisia’s Ennahda, Rethinking Islamism in the Context of ISIS and the Egyptian Coup,” Project on U.S. Relations with the Islamic World, Brookings Institution, August 2015, https://www.brookings.edu/wp-content/uploads/2016/07/Tunisia_Marks-FINALE.pdf.

4 ينطبق ما تسمّيه نادية المرزوقي "التسوية الفاسدة" في مقال "التسوية الفاسدة في تونس" على هذا النوع من التوافق. وهو نوع من "تسوية قسرية" أجرتها حركة النهضة خوفاً من أن تستبعدها شخصيات من النظام القديم، ورسم معالمها انقلاب العام 2013 في مصر وتاريخ من القمع الحادّ. تضع مرزوقي هذه التسوية الفاسدة على طرفَي نقيض مع التسوية التي اتّسمت بها عملية صياغة دستور تونس في العام 2014، وتحاجج بأن التسوية الفاسدة تنطوي على مخاطر فعلية تهدّد مستقبل السياسات الديمقراطية.

5 أنظر:
Laryssa Chomiak, “The Revolution in Tunisia Continues,” Middle East Institute, September 22, 2016, http://www.mei.edu/content/map/revolution-in-tunisia-continues.

6 مهى يحيَ، "ديمقراطية تونس مهدّدة"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أيلول/سبتمبر 2016،
http://carnegie-mec.org/2016/03/31/tunisia-s-challenged-democracy-pub-64734

7 مروان المعشّر ومارك بييريني وألكساندر جيراسي، "بين الوعد والوعيد: إطار جديد للشراكة مع تونس"، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 14 نيسان/أبريل 2016،
http://carnegie-mec.org/2016/04/14/ar-pub-63339

8 وافق على هذه الهيكلية مسؤولون في الاتحاد الأوروبي وموظّف رفيع في قطاع الخدمة المدنية في وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي.

9 المعشّر ومؤلّفان آخران، "بين الوعد والوعيد".

10 Hernando De Soto, “The Facts Are In: The Arab Spring Is a Massive Economic Revolution,” (Tunis: Cérès Éditions, 2013), https://www.ild.org.pe/images/our_work/property_paradigm/arab_spring/yellowBook_en.pdf.
(مترجم من الفرنسية إلى الإنكليزية).

11 أنظر:
U.S. Secretary of State John Kerry, “Remarks with Tunisian President Beji Caid Essebsi Before Their Meeting” (Waldorf Astoria, New York City, September 19, 2016), https://www.state.gov/secretary/remarks/2016/09/262095.htm.

12 نقاشات خاصة مع مسؤولين تونسيين ومصادر غير تونسية، واشنطن العاصمة، 6 و7 تشرين الأول/أكتوبر 2016.

13 “Tunisie : Augmentation des salaires dans le secteur public, accord signé !” [Tunisia: An increase in public sector salaries, agreement signed!], Webdo, September 22, 2015, http://www.webdo.tn/2015/09/22/tunisie-augmentation-des-salaires-dans-le-secteur-public-accord-signe/.

14 “Tunisian Protesters Oppose Austerity Measures,” Middle East Monitor, October 17, 2016, https://www.middleeastmonitor.com/20161017-tunisian-protesters-oppose-austerity-measures/.

15 “Program Note: Tunisia,” International Monetary Fund, last updated August 1, 2016, https://www.imf.org/external/np/country/notes/tunisia.htm.

16 أنظر موقع مرصد ميزانية للاطلاع على قاعدة البيانات المتعلقة بالميزانيات السنوية للفترة الممتدّة ما بين 2012 و2016،
http://budget.marsad.tn/
 
17 مقابلة أجرتها مريم بالقاضي مع فاضل عبد الكافي في برنامج "تونس 24/7"، قناة الحوار التونسي، 26 أيلول/سبتمبر 2016. قال في المقابلة: المفاوضات مع صندوق النقد الدولي صعبة، وهي تعطينا فكرة ما الذي سيحصل مع المنظمات الأخرى، مثل البنك الدولي، والبنك الأوروبي للاستثمار، والبنك الأفريقي للاستثمار، وكل هذه تعتبر صندوق النقد مرجعية: إن قرّر أن يمنح القروض لتونس، سيتبعه الآخرون".
https://www.youtube.com/watch?v=ShuXbGF_PjQ

18 يحيَ، "ديمقراطية تونس مهدّدة".

19 مقابلة أجرتها مريم بالقاضي مع فاضل عبد الكافي.

20 Anne Brockmeyer, Maha Khatrouch, and Gael Raballand, “Public Sector Size and Performance Management: A Case-Study of Post-Revolution Tunisia,” World Bank Group, Governance Global Practice Group, Policy Working Research Paper no. 7159, January 2015, http://documents.worldbank.org/curated/en/574821468166165145/pdf/WPS7159.pdf.

21 “Figure 1.3,” in The Unfinished Revolution: Bringing Opportunity, Good Jobs and Greater Wealth to All Tunisians, ed. World Bank (Washington, DC: World Bank, 2014), 38.

22 مقابلة أجرتها مريم بالقاضي مع فاضل عبد الكافي.

23 أنظر:
Habib Ayeb and Ray Bush, “Small Farmer Uprisings and Rural Neglect in Egypt and Tunisia,” Middle East Report 272, no. 44 (Fall 2014): http://www.merip.org/mer/mer272/small-farmer-uprisings-rural-neglect-egypt-tunisia.

24 مقابلة مع سيدة الونيسي، كاتبة الدولة المسؤولة عن المبادرة الخاصة في وزارة التكوين المهني والتشغيل، تونس، 19 أيلول/سبتمبر 2016.

25 أنظر:
Beatrice Hibou, The Force of Obedience: The Political Economy of Repression in Tunisia, trans. Andrew Brown (Cambridge, UK: Polity Press, 2011).

26 مقابلة خاصة مع أحد أصحاب المصلحة في القطاع الخاص، في واشنطن العاصمة، 9 أيلول/سبتمبر 2016.

27 اقتباس من دراسة لمروان المعشّر ومؤلّفين آخرين، "بين الوعد والوعيد". للاطلاع على التقديرات، أنظر ملخص تصريحات وزير التجارة التونسي السابق محسن حسن يوم 3 حزيران/يونيو 2016 في الندوة التي نظمّها الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية بعنوان "التجارة الموازية: واقع الحال والإجراءات العاجلة المنتظرة"،
http://www.utica.org.tn/Fr/actualites_7_9_D1088#.WBtVBzVbP2A 

28 أنظر كريم الطرابلسي، واقع الاقتصاد الغير المنظّم في تونس من خلال الناشطين فيه، مركز التضامن والاتحاد العام التونسي للشغل، 23 حزيران/يونيو 2013، 
http://www.solidaritycenter.org/wp-content/uploads/2014/11/Tunisia.Informal-Economy-Report.UGTT_.2014.ENGLISH.pdf

29 مقابلة مع سيدة الونيسي.

30 تساعد الباحثة مبروكة مبارك في تحضير اقتراح مشروع بحثي أطلقه عالم الاقتصاد فاضل قبوب، ويُعنى بمشاريع التوظيف الحكومية المقوَّمة بالدينار.

31 “Tunisie: Le nouveau Code d’investissement à nouveau en discussion à l’ARP” [Tunisia : The new investment code is being discussed again at the Assembly of the Representatives of the People], Huffington Post, June 22, 2016, http://www.huffpostmaghreb.com/2016/06/22/code-dinvestissement-tuni_n_10608362.html.

32 البنك الدولي، الثورة غير المكتملة، 17-18. التقرير بأكمله متوافر باللغة الإنكليزية:
http://documents.worldbank.org/curated/en/658461468312323813/pdf/861790DPR0P12800Box385314B00PUBLIC0.pdf
ملخّص عن التقرير باللغة العربية: 
http://www.albankaldawli.org/content/dam/Worldbank/document/MNA/tunisia_report/tunisia_report_the_unfinished_revolution_ara_synthesis.pdf 
 
33 مقابلة أجرتها مريم بالقاضي مع فاضل عبد الكافي.

34 مقابلة مع ياسين ابراهيم، وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي السابق، تونس، 14 أيلول/سبتمبر 2016.

35 Foreign Affairs Council, “Council Conclusions on Tunisia,” Council of the European Union, October 17, 2016, http://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-13056-2016-INIT/en/pdf.

36 Agence Tunis Afrique Presse (TAP), “Tunisie: Le plan quinquennal de développement 2016-2020 nécessite 120 milliards de dinars (Ministre)” [Tunisia : The 2016–2020 five-year development plan requires 120 billion dinars (minister)], Maghreb Emergent, October 9, 2016, http://www.maghrebemergent.com/actualite/breves/fil-maghreb/64290-tunisie-le-plan-quinquennal-de-developpement-2016-2020-necessite-120-milliards-de-dinars-ministre.html.
 
37 مقابلة مع ياسين ابراهيم.

38 يوسف الشاهد، "رئيس الحكومة يوسف الشاهد يلتقي مع الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين : استثمروا في الجهات الداخلية"، موقع فايسبوك، 10 أيلول/سبتمبر 2016،
https://www.facebook.com/PMTunisie/videos/1489776594371156/
 
39 مقابلة خاصة مع مسؤولين تمّ تعيينهما في الحكومة التونسية، تونس، أيلول/سبتمبر 2016.

40 المعشّر ومؤلّفان آخران، "بين الوعد والوعيد"، 2.

41 Chomiak, “Revolution.”

42 أنظر تشارلز تريب، "المفهوم الجديد للنظام الجمهوري في تونس"، مدونة صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، مقابلة مع فاضل علي رضا، 12 نيسان/أبريل 2016، 
http://carnegieendowment.org/sada/?fa=63305&lang=ar 
وأيضاً:
Charles Tripp, “Battlefields of the Republic: The Struggle for Public Space in Tunisia,” LSE Middle East Center, December 2015, http://eprints.lse.ac.uk/64742/1/Tripp_Battlefields%20of%20the%20Republic_2015_author.pdf

43 شاركت شخصيات عدّة من الاتحاد العام التونسي للشغل في الحكومة في أوقات الأزمات، كان آخرها تشكيل محمد الغنوشي حكومة لم تعمّر طويلاً في كانون الثاني/يناير 2011. أنظر:
“Comment Mohamed Ghannouchi a-t-il pu former le gouvernment de transition 2” [How Mohamed Ghannouchi was able to form the second transitional government], Leaders.tn, January 27, 2011, http://www.leaders.com.tn/article/3824-comment-mohamed-ghannouchi-a-t-il-pu-former-le-gouvernement-de-transition-2

44 مقابلة مع سيدة الونيسي.

45 أنظر:
Fadil Aliriza, “Tunisia and ‘the Egyptian Model,’” Tahrir Forum (blog), Cairo Review of Global Affairs, August 13, 2013, https://www.thecairoreview.com/tahrir-forum/tunisia-and-the-egyptian-model/

46 يحيَ، "ديمقراطية تونس مهدّدة".

47 المصدر السابق.

48 أنظر هندة الشناوي، "رضا اليحياوي: جرّة قلم أنهت حياتي"، نواة، 22 كانون الثاني/يناير 2016،
https://nawaat.org/portail/2016/01/28/رضا-اليحياوي-جرّة-قلم-أنهت-حياتي/ 

49 أنظر:
Yassine Bellamine, “La feuille de route du prochain gouvernment signée, l’Accord de Carthage acté” [The road map of the next government signed, the Carthage Agreement approved], Huffington Post, July 13, 2016, http://www.huffpostmaghreb.com/2016/07/13/gouvernement-tunisie_n_10961152.html.

50 للاطّلاع على مثال لأحد المنتقدين، أنظر:
Mabrouka M’Barek, “Essebsi’s Power Grab Imperils Tunisia’s Nascent Democracy,” Middle East Institute, August 29, 2016, http://www.mideasti.org/content/article/essebsi-s-power-grab-imperils-tunisia-s-nascent-democracy.
للاطلاع على مثال من أحد الحلفاء، أنظر: مقابلة أجراها سمير الوافي مع رضا بالحاج في برنامج لمن يجرؤ فقط، قناة الحوار التونسي، 25 أيلول/سبتمبر 2016، 
https://www.youtube.com/watch?v=XOYrQqjmJvY

51 أنظر فاضل علي رضا، "عادات سياسية قديمة في تونس"، مدونة صدى، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 16 حزيران/يونيو 2015،
http://carnegieendowment.org/sada/?fa=60407&lang=ar 

52 أنظر ميدي شو، مقابلة مع شيماء بوهلال، موزاييك FM، 17 آب/أغسطس 2016،
www.mosaiquefm.net/ar/ميدي-شو-أخبار/23448/شيماء-بوهلال-قائمة-النواب-الأكثر-والأقل-حضورا-في-المجلس.html 

53 مقابلة خاصة، عضو منتخب في حزب معارض في مجلس نواب الشعب، تونس، 26 أيلول/سبتمبر 2016.

54 مقابلة خاصة في واشنطن، 8 أيلول/سبتمبر 2016.

55 الاتحاد العام التونسي للشغل، "حسين العباسي: الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لا يتعاملان مع تونس على أنها بصدد بناء ديمقراطية ناشئة"، موقع فايسبوك، 3 تشرين الأول/أكتوبر 2016،
https://www.facebook.com/ugtt.page.officielle/posts/1281305401943882
  
56 TAP, “Ouverture d’une information judiciaire concernant les declarations de Samia Abbou” [Opening of a judicial inquiry concerning the statements of Samia Abbou], Business News, September 28, 2016, http://ns395173.ovh.net/ouverture-dune-information-judiciaire-concernant-les-declarations-de-samia-abbou,520,67293,3.

57 مقابلة خاصة مع هيئة مراقبة من المجتمع المدني، تونس، أيلول/سبتمبر 2016.

58 مقابلة أجرتها مريم بالقاضي مع فاضل عبد الكافي.

59 "يوسف الشاهد: سأعلن الحرب على الفساد"، إذاعة كاب أف أم، 3 آب/أغسطس 2016،
www.capradio.tn/ar/actualite/يوسف-الشاهد-سأعلن-الحرب-على-الفساد?id=74839   

60 "قانون عدد 17 لسنة 1987 مؤرخ في 10 نيسان/أبريل 1987 يتعلق بالتصريح على الشرف بمكاسب أعضاء الحكومة وبعض الأصناف من الأعوان الحكوميين، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 130، عدد  27، (14 نيسان/أبريل 1987):
http://www.legislation.tn/sites/default/files/journal-officiel/1987/1987A/Ja02787.pdf

61 مقابلة خاصة مع هيئة مراقبة من المجتمع المدني، تونس، 23 أيلول/سبتمبر 2016؛ مقابلة خاصة مع وزير سابق، تشرين الأول/أكتوبر 2016.
 
62 Frida Dahmani, “Tunisie : corruption et népotisme à tous les étages” [Tunisia : corruption and nepotism at every level], Jeune Afrique, April 5, 2016, http://www.jeuneafrique.com/mag/315318/politique/tunisie-corruption-nepotisme-a-etages/.
 
63 TAP, “Les femmes ont plus de mal à dénoncer la corruption selon Chawki Tabib, l’Association Tunisienne des Femmes Démocrates réagit” [Women have more trouble denouncing corruption according to Chawki Tabib, the Tunisian Association of Democratic Women reacts] Huffington Post, October 4, 2016, http://m.huffpost.com/mg/entry/12330886?m=true

64 Leonce Ndikumana and James K. Boyce, “Capital Flight from North African Countries,” Political Economy Research Institute, University of Massachusetts Amherst, October 2012, https://www.yumpu.com/en/document/view/25236485/capital-flight-from-north-african-countries-political-economy-.

65 Sami Dabbegh, “Illicit Financial Flows, Corruption, and Sustainable Economic Development in Tunisia,” Global Financial Integrity (blog), September 5, 2016, http://www.gfintegrity.org/illicit-financial-flows-corruption-sustainable-economic-development-tunisia/.

66 أنظر: دستور تونس الصادر في العام 2014، المواد 14 و131 و140.

67 أنظر:
Fadil Aliriza, “Crisis of Local Governance: Local Edition,” Foreign Policy, August 9, 2016, http://foreignpolicy.com/2016/08/09/crisis-of-governance-local-edition/.

68 “Carter Center Calls for Improvements in Electoral Legislation, and for Municipal and Regional Elections,” press release, Carter Center, September 28, 2016, https://www.cartercenter.org/news/pr/tunisia-092816.html.

69 يشير مراقبون مدقّقون أن هذا النظام التشريعي متخلّف، ذلك أن قانون اللامركزية - الذي سيحدّد أدوار المسؤولين المحليين – يجب أن يحظى بالأولوية قبل قانون الانتخاب؛ لكن وُضع النظام على هذا النحو للتحكم بتحديد تاريخ إجراء الانتخابات.

70 “Carter Center Calls for Improvements.”

71 مقابلات خاصة مع عددٍ من المسؤولين الحكوميين التونسيين وممثّلي المجتمع المدني وأحد المشرّعين، في تونس وواشنطن بين شهرَي أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2016.

72 Vanessa Szakal, “In Jemna, locals manage oases to reap the fruits of their labor,” Nawaat, July 11, 2015, https://nawaat.org/portail/2015/07/11/in-jemna-locals-manage-oases-to-reap-the-fruits-of-their-labor/.

73 Inel Tarfa, “Government Brands Kebili Communal Harvest Illegal,” Tunisia Live, October 10, 2016, http://www.tunisia-live.net/2016/10/10/government-brands-kebili-communal-harvest-illegal/.

74 العنوان غير متوفّر. بلاغ صادر عن وزارة أملاك الدولة والئؤون العقارية، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2016،
http://www.mdeaf.gov.tn/index.php/ar/2014-03-28-14-09-55/1292-2016-10-10-13-25-40

75 Vanessa Szakal, “In Jemna, a Social Experiment Against State Policies,” Nawaat, September 27, 2016, https://nawaat.org/portail/2016/09/27/in-jemna-a-social-experiment-against-state-policies/.

76 البرلمان الأوروبي، "العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتونس في السياق الإقليمي الحالي"، 14 أيلول/سبتمبر 2016،
https://polcms.secure.europarl.europa.eu/cmsdata/upload/9826b454-6e1a-4638-a3ca-79554e3af830/P8_TA-PROV(2016)0345_EN.pdf