أصاب تقرير إخباري بُثَّ على الموقع الالكتروني باللغة الانكليزية لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي. سي)، حين التقط التباين الحاد الذي طرأ بعد خمس سنوات من الربيع العربي، على كيفية إطلالة الحكام والمواطنين العرب والمراقبين من غير العرب، على الانتفاضات الشعبية التي أطاحت برؤوس دول عربية عدة. 

كان عنوان التقرير" الربيع العربي كلّف المنطقة خسائر بقيمة 600 مليار دولار، وفق الأمم المتحدة". لكن ما أوردته المنظمة الدولية كان مختلفاً للغاية.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

ففي استطلاع للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية في 2015-2016 (PDF)، عَزَتْ اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة(إسكوا) التي تغطي 18 بلداً عربيا، مسؤولية الخسارة الصافية التي قُدِّرَت بنحو 613 مليار دولار في مجال النشاط الاقتصادي والعجز المالي الكلي بقيمة 243،1 مليار دولار، إلى النزاعات المسلحة المندلعة الآن في ست دول عربية، وليس إلى محاولة تحقيق انتقال سياسي ديمقراطي.

والحال أن عنوان هيئة الإذاعة البريطانية، سواء جاء عن قصد أم لا، بدا وكأنه صدى لأولئك الذين يدّعون أن الفوضى وإهراق الدماء اللذين عانت منهما العديد من الدول العربية منذ العام 2011، هما الحصيلة المباشرة للربيع العربي، إن لم يكن جوهره. لكن ليس ثمة مايشي بأن الوصول إلى هذه النتيجة كان حتميا. لا بل العكس يبدو صحيحاً، حيث تدل الوقائع الراهنة، أن المخاطر المحتملة لفشل الدولة والحروب الاهلية في البلدان العربية، هي نتيجة للمسارات الإشكالية التي انتُهجت قبل 2011، وأيضاً للخيارات التي اتخذها من هم في السلطة، حول كيفية التعاطي مع التحديات السياسية والاجتماعية- الاقتصادية والمؤسسية الناشئة منذ ذلك الحين.

عوارض سلطوية

لقد أسفرت عقود من الحكم السلطوي في الدول العربية التي تتخبط الآن في لجج الأزمات أو تتأرجح على شفير الانهيار، عن تآكل إطرها الدستورية وعقودها الاجتماعية مع شعوبها.

فالأنظمة الحاكمة، كما لاحظ تقرير الأسكوا عن حق، استثمرت بكثافة في أجهزة الأمن القمعية والمتضخمة كي تواصل الإمساك بصولجان بالسلطة، فيما خصصت موازنات أقل للرعاية الاجتماعية، والبنى التحتية، وأولويات أخرى.

صحيح أنه جرى تقديم عطايا مادية كبيرة، حيث تجد حتى الأنظمة السلطوية أن استتباع المجتمع أرخص لها من الاعتماد كُلياً على القمع. لكن هذه المكافآت انكمشت مع تعمّق المحسوبيات الاقتصادية، وتراجع الانتاجية والاستثمارات في كل قطاعات الاقتصاد- عدا النفط والعقارات-، بدءاً من التسعينيات وما بعدها.

ثم جاء أعادة توزيع موارد الدولة ومعها الفرص الاقتصادية، في خضم حقبة طويلة من الانكماش المالي، لصالح النخب المحظية وقطاعات اجتماعية محددة، ليعمّق "تجويف" مؤسسات الدولة.

باختصار، لم تترك الدول العربية لنفسها سوى حيّز ضئيل من الموارد الاحتياطية--- السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو المؤسسية -- التي كانت ستمكّنها من التصدي لمفاعيل التطورات المؤثرة على أوضاعها المالية والاقتصادية في العقد الذي سبق العام 2011. وحدث ذلك حتى حين كانت المؤشرات الاقتصادية الاجمالية، كالناتج المحلي الإجمالي والاستثمارات الأجنبية، تبدو إيجابية.

العنف لم يكن حتميا

هذا الإرث البائس، لم يمنع تماماً فرص القيام بردود فعل أكثر فعالية، سواء قبل اندلاع الربيع العربي أو بعده. إذن، لماذا أبلت الدول العربية في المرحلة الانتقالية بلاء سيئا؟

يكمن قسط وافر من الإجابة على هذا السؤال، في الطريقة التي اختارت فيها الأنظمة القائمة الرد على الانتفاضات الشعبية والتحدي الديمقراطي التي شكّلته. فعلى نقيض أولئك الذين زعموا أنه "لم يكُن ثمة خيار آخر"، لم يكن اللجوء إلى القوة لاضرورياً ولا محتوما. وإصرار الجيش التونسي على أن يتولى المدنيون تخطيط وإدارة المرحلة الانتقالية برمتها، من ألفها إلى الياء، هو دليل إيجابي قاطع على ذلك. وكذا الأمر بالنسبة إلى مقاربة "الأمن الناعم" الذي انتهجته السلطات الأردنية، من دون إراقة الدماء أو اللجوء إلى العف المُفرط، رداً على الحركة الاحتجاجية على أراضيها في 2010 و2011-2012.

علاوة على ذلك، لم يؤدٍ استخدام القمع المكثَّف في العديد من الحالات، سوى إلى فتح باب على مصراعيه أمام النزاع المسلح وانهيار الدولة، أو أمام تآكل الحريات الأساسية والسلام الاجتماعي، أو إلى أزمة مستشرية للشرعية السياسية.
غير أن إزالة الميادين المحمية التي يجري فيها في العادة التنافس السياسي القانوني والتفاوض الاجتماعي المسالم، هي التي ولّدت التهديدات الكبرى. وهكذا، أصبح العنف الوسيلة الرئيس لممارسة السياسة، وحلّت مكان الاستتباع كوسيلة فُضلى للسيطرة، ولكن بأثمان أضخم بكثير سياسياً واجتماعياً في آن.

وهذا يوضح لماذا فشلت الدول العربية في أن تحذو حذو الدول التي خرجت من الصراع في مناطق أخرى من العالم والتي، كما يشير تقرير الاسكوا، شهدت غالباً عودة النمو إلى المستويات الاقتصادية التي كان عليها قبل الأزمة، أو حتى أفضل من ذلك.

لقد أجهضت الدول التي أصرّت على العودة إلى "العمل كالمعتاد" في المجالين الاقتصادي والسياسي، الاصلاحات التي كانت ربما ستحل المشاكل التي دفعت بلدانها أصلاً إلى الاضطرابات الاجتماعية والأزمات الشاملة.  

وفي الوقت نفسه، قلّصت الأرصدة السالبة في ميزاني التجارة والمدفوعات، القدرة على توفير الاحتياطي النقدي أو جذب الاستثمارات. كما عنى تدهور مداخيل التحويلات من العاملين في دول الخليج وتجارة الترانزيت، أن هذه الدول لم تعد قادرة على استحضار العقود الاجتماعية القديمة، التي تستند إليها جزئياً السلطة السياسية والشرعية.

والآن، فإن مقاومة هذه الأنظمة للتغيير وللتفاوض على علاقات جديدة بين الدولة والمجتمع، تستنزف الحيوية الاجتماعية والسياسية والمؤسسية التي تشتد الحاجة إليها للتصدي لهذه النزعات الأوسع.

يشي غياب عمليات تأقلم هادفة ويعتد بها منذ العام 2011 للتحديات المحلية والخارجية، ناهيك بالاصلاحات الحقيقية وبعيدة المدى التي تستهدف توقًع هذه التحديات وتحويلها إلى منافع، أن بعض الدول العربية على الأقل التي تمر في مرحلة انتقالية، لم تتخط بعد الأسوأ. 

إن الحصيلة الدموية للربيع العربي لم تكن محتومة، لكن ما قد يكون حتمياً هي الأزمة العامة التي تلوح في أفق بعض الدول العربية.

تم نشر هذا المقال باللغة الانكليزية على موقع الجزيرة.