التزمت مجموعة الدول الصناعيّة الثماني (مجموعة الثماني) – التي تشمل كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا والمملكة المتّحدة والولايات المتّحدة الأميركيّة -  في اجتماع القمّة الّذي عقدته عام 2013، بثلاثة إجراءات أساسيّة. فبالإضافة إلى تعزيز بالتجارة وتحسين فاعليّة النُظُم الضريبيّة، اتّفقت هذه الدول أيضًا على الارتقاء بالشفافية، ولاسيّما فيما يتّصل بالشركات والاتفاقيّات القانونيّة في قطاع النفط والغاز.

ولا شكّ أنّ دعم مجموعة الثماني العلني لتحسين الشفافيّة ناجم عن تزايد الأدلّة التي تشي بالدور الحيوي الّذي يمكن للشفافية أن تؤدّيه في مكافحة الفساد والحؤول دون حدوث عدد من الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والآفات السياسيّة. وتفضي هذه الحجّة إلى أنّه كلّما زادت الشفافية في بلدٍ معيّن، تعزّزت قدرته على محاربة الفساد.

قد يكون المفهوم بحدّ ذاته ساميًا، ولكن يبدو أنّ الالتزام السياسي بالشفافية يعجز عن تحقيق هذه التطلّعات عندما يحين أوان التنفيذ. وفي بعض البلدان، تُستخدم الدعوات إلى الشفافيّة كمجرّد خطاب سياسي، في حين أنّ مناصري الشفافية الأكثر جدّيةً غالبًا ما يتجاهلون في نهاية المطاف شروطٍ مسبقة أساسيّة، مثل جودة إدارة القطاع العام، إلى جانب حكم القانون والأُطُر القانونيّة الضروريّة لتحقيق المساءلة كما الحوكمة الناجعة لقطاع النفط والغاز.

وللشفافية أبعادٌ عديدة، لكنّ الوصف الأفضل لها يبقى أنّها تشتمل على النفاذ المباشر إلى المعلومة الموثوقة، والشاملة، والمقدّمة في أوانها، والمفهومة، والقابلة للمقارنة على الصعيد الدولي1. وهي بالتالي تتضمّن الإفصاح عن المعلومات ونشرها على نحوٍ قوي، كما وتنطوي على مشاركة أصحاب مصلحة مختلفين.

وبالإضافة إلى مكافحة الفساد المستشري في العديد من البلدان النامية الغنيّة بالنفط والغاز، تدعم الشفافية المساءلة وتحدّ من أوجه انعدام الكفاءة. وهي تعزّز أيضًا العلاقات بين الأطراف المعنية، إذ تقوّي الثقة بين المجتمع، والحكومة، والشركات، وتساعد على تفادي المفاهيم الخاطئة وعلى الحدّ من التوتّر على الصعيد المحليّ.

وهي من وجهة نظر المستثمر تحسّن البيئة التجاريّة أيضًا. ويقول لورد براون، المدير التنفيذي السابق لبريتش بتروليوم، إنّه "من النادر أن تتكبّد أي شركة خسارة تجاريّة بسبب كثرة الشفافية. والواقع أنّ الضبابيّة من شأنها أن تُفضي إلى مخاطر سياسيّة، إذ تتيح للشائعة أن تطغى على الوقائع، كما تسمح للعقود أن تتشابك مع مصالح الرسمييّن الشخصيّة2". فلا عجب إذًا أن نرى العديد من الشركات النفطيّة التي تدعم الشفافية تروّج لمبادرات مثل مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجيّة، الّتي تحظى بدعم أكثر من 80 شركة استخراجيّة في العالم.

في لبنان يكثر الكلام، أمّا الإجراءات فمحدودة!

لقد شرع لبنان في مسار تطوير قطاع النفط والغاز، في وقت تتعالى فيه أصوات الدعوة إلى الشفافية في هذا القطاع في العالم بشكل عام، مع بروز مزيد من الأدلّة التي تبيّن تبخّر مبالغ طائلة من المال من الحسابات الوطنيّة في بعض البلدان المنتجة للنفط والغاز، المتزامن مع ازدياد الوعي والتدقيق على الصعيد العام، وتعزيز تنسيق الجهود على المستوى العالمي لمكافحة التهرّب من دفع الضرائب. أمّا الخوف من سوء إدارة قطاع النفط والغاز في لبنان وتبديد الإيرادات المحتملة فمشروع في لبنان، الّذي لا يحقّق نتائج مشرّفة في المؤشر العالمي لمدركات الفساد، بحيث صنّف في المرتبة الـ123 بين 167 بلدًا.

تتميّز صناعة النفط والغاز ببعض السمات الخاصّة، بما في ذلك القدرة على درّ ريوع اقتصاديّة كبيرة، والمشاركة الحكوميّة على مستويات رفيعة، والعمليّات المعقّدة فنيًّا وبنيويًّا، بالإضافة إلى تعقّد الاتفاقيّات الماليّة والقانونيّة والتجاريّة وطولها. وتسهّل هذه السمات التلاعب بتدفّقات الإيرادات لتحقيق مكاسب سياسيّة أو شخصيّة، ما يذكي بدوره لعنة الموارد.

تضمّ هذه الصناعة أيضًا آلاف الشركات التي تشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في طائفةٍ واسعة من النشاطات على امتداد سلسلة القيمة، من صناعات المنبع، مرورًا بالصناعات الوسطى، فصناعات المصبّ، بالإضافة إلى مختلف الخدمات والوظائف الداعمة، من الأعمال المصرفيّة والتجاريّة حتّى خدمات المطاعم.

وبالتالي، فإذا كان لا بدّ من تعزيز الشفافية بشكل جدّي، يتعيّن تطبيقها في جميع قطاعات الاقتصاد – بما فيها على سبيل المثال لا الحصر تلك التي تشارك بشكل مباشر في عمليّات صناعة المنبع.

تبعث المحاولات الأخيرة الّتي شهدها لبنان لتعزيز الشفافية في صناعة النفط والغاز على الأمل. وهي تتراوح بين مشروع قانون الشفافية في قطاع النفط والغاز، إلى إعداد السجلّ العام للرُخص. ونذكر بين الخطوات الإيجابيّة الأخرى أيضًا إعراب الحكومة اللبنانيّة عن اهتمامها بالانضمام إلى مبادرة الشفافية، رغم أنّها لم تعلن بعد عن التزامها الرسمي.

إلاّ أنّ هذه الخطوات تبقى صغيرة، ولا زالت الطريق في هذا المنحى طويلة. فقد أغفل قانون الموارد البتروليّة في المياه البحريّة لعام 2010 على سبيل المثال أيّ ذكر للإبلاغ والإفصاح العامّين عن المعلومات.  والواقع أنّ لبنان لم يمرّر بعد أي قانون يسمح بالنفاذ العام إلى المعلومة.

لقد تُرِكت تفاصيل الشروط الماليّة الّتي ستحدّد الإيرادات المحتملة الواردة إلى الحكومة من القطاع إلى فُرادى عقود النفط. وكما أشار صندوق النقد الدولي، فإنّ تحديد الشروط في الاتفاقيات النموذجيّة بدلاً من القانون "يمكن أن يحولّها إلى أكثر بقليل من أساس للتفاوض"3. ويمكن أن تشكّل مفاوضات العقود أرضًا خصبةً للفساد، ولاسيّما إذا لم يتمّ نشر الاتّفاق النهائي.

بالتالي، يستوجب الالتزام الفعلي بالشفافية دعوة الحكومات والشركات إلى نشر عقود النفط المحتملة. ولكنّ المفاجئ في الأمر هو أنّ هذا الجانب الأساسي للشفافية في القطاع قد تغاضى عنه الرسميّون والمعلّقون على ما يبدو.

قد يحتجّ البعض أنّ إقرار قانون لإدارة صندوق الثروة السياديّة المحتمل، بالإضافة إلى قانون الشفافية في قطاع النفط والغاز، من شأنهما أن يمنعا حالات الفساد وسوء استخدام الموارد. وكدليل على ذلك، يكفي النظر إلى أكثر صناديق الثروة السياديّة نجاحًا وشفافيّةً في العالم – عنينا به صندوق التقاعد الحكومي النرويجي، الّذي اعُتبِر مثاليًّا لجهة إدارة الإيرادات. غير أنّ نجاح هذا الصندوق لا يمكن أن يُعزى إلى تشريع واحد دون غيره؛ بل يُردُّ إلى نقاط القوّة التاريخيّة التي تتحلّى بها النرويج، بما فيها الإطار المؤسسي الأوسع نطاقًا المتين والشفّاف، والشامل للاقتصاد بشكل عام، وليس فقط لقطاع النفط والغاز.

تصعب المحاججة ضدّ الشفافية، ولا سيّما أنّها تعزّز الحوكمة الجيّدة على المدى الطويل، في البلدان ذات السجلّ السيّء في هذا المجال على وجه الخصوص. ولكن، من السذاجة أن نصدّق أن قانونًا عامًا بشأن الشفافية يستهدف قطاع النفط والغاز بشكل محدّد سيقضي على مخاطر الفساد واستغلال السلطة. فصحيحٌ أن الشفافية مطلوبة، لكنّها لا تكفي لإنتاج المساءلة في القطاع العام. فإنّ بناء جسر متين يستلزم عددًا من الركائز الصلبة؛ وما الشفافيّة إلاّ إحداها.

تم نشر هذا المقال أصلاً على موقع المركز اللبناني للدراسات.

هوامش

Kopits and Craig (1998) Transparency in Government Operations, International Monetary Fund.
2 Lord Brown (2012) Europe Must Enforce Oil Sector Transparency, The Financial Times.
3 IMF (2012) Fiscal Regimes for Extractive Industries: Design and Implementation. Fiscal Affairs Department. p. 36