برزت ردود فعل متباينة على المؤتمر العام السابع لحركة «فتح»، المهيمنة على الساحة السياسية الفلسطينية لعقود عدّة.

فقد رحّب مراقبون خارجيون بإعادة تثبيت محمود عباس، رئيس السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، في موقعه كزعيم لـ «فتح»، وتجديد الالتزام تحت لواء قيادته بالسعي إلى تحقيق حل الدولتين للنزاع مع إسرائيل عبر المفاوضات. لكن رأي العديد من الفلسطينيين كان على النقيض من ذلك، إذ اعتبروا أن الهدف الأوحد لعباس من وراء عقد هذا المؤتمر، كان شطب المنافسين المُحتملين. وبرأي هؤلاء، لم يفعل المؤتمر شيئاً يُذكر لدفع المصالحة قدماً مع الحكومة الفلسطينية المُنافسة بقيادة «حماس»، أو لإنهاء الحصار الإسرائيلي لغزة، ناهيك عن وضع حد للاحتلال الإسرائيلي.

جاء جُل هذه الانتقادات من أعضاء في «فتح»، تماوجت اعتراضاتهم بين القضايا الإجرائية والجوهرية، فقد شعر العديد منهم بالمرارة بسبب إقصاء أو نقص تمثيل مجموعات معيّنة في الحركة، خاصة ممثلي «فتح» في الشتات وغزة، علاوة عن كوادر يؤّهلهم اشتراكهم في مؤتمرات سابقة أو عضويتهم في بعض هيئات الحركة، لحضور المؤتمر السابع، وفقاً للوائح النظام الداخلي. لكنهم اعتُبروا غير مرغوب بهم لأنهم غير مُذعنين. وفي بعض فروع «فتح» في الضفة الغربية التي جرت فيها انتخابات داخلية، اكتشف الأعضاء الذين ترشّحوا للمشاركة في المؤتمر كمندوبين ضد المرشحين الذين يحبّذهم عباس أو قادة آخرون في فتح، أن صفحاتهم على «فايسبوك» عُطِّلت بشكل غامض، ما يشي بوجود تواطؤ من أجهزة الأمن.

الأهم من كل ذلك، كما قال أحد الكوادر المخضرمين، أن «انتخاب» عباس عبر مبايعته بالتصفيق وقوفاً في اللحظات الأولى للمؤتمر، أجهض أي محاولة جدّية لتقدير الأداء، أو مناقشة استراتيجيات بديلة، أو محاسبة مسؤولين قياديين وهيئات أخرى بأي طريقة يُعتد بها. وهكذا، ركّز المندوبون بدلاً من ذلك على انتخاب قيادة «فتح»، حيث الولاءات الجهوية والشلل الشخصية تُعتبر أهم بكثير من البرامج السياسية، ونتيجة لذلك لم يكن في اللجنة المركزية «الجديدة» أي جديد: فأعضاؤها الـ19 (يضاف إليهم أربعة أعضاء بالتعيين لاحقاً) الذين يبلغ متوسط أعمارهم الـ64، جاؤوا من المجموعة نفسها من المُرشحين الذين تناوبوا على مختلف هيئات «فتح» والسلطة الفلسطينية في غضون العقدين الماضيين أو أكثر، ولم تكُن بينهم سوى امرأة واحدة.

مثل هذه الحصيلة تُميط اللثام عن حركة أصبحت كليّاً تقريباً أداة للمحسوبية السياسية وتداول النخبة على المناصب، فـ «فتح» تُديم، عبر إحكام قبضتها على السلطة الفلسطينية، الأمن الوظيفي لأعضائها ومناصريها، وتُواصل إشراع الأبواب أمامهم للنفاذ إلى الموارد المالية والفرص الأخرى في اقتصاد هش للغاية. من الناحية الرسمية، تستمر الحركة في تكريس نفسها لهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي التي احتلتها إسرائيل العام 1967، لكن ليس ثمة مؤشر على وجود أي جهد حقيقي لتحقيق ذلك على أرض الواقع. وتجسّدت هذه الحقيقة في أن أعضاء المؤتمر السابع، لم يكلّفوا أنفسهم حتى عناء إصدار قرارات أو بيان ختامي، واكتفوا بتبنّي الخطاب الافتتاحي لعباس بدلاً من طرح برنامج سياسي، كما أحالت أي نقاشات أخرى حول القضايا السياسية أو تعديل النظام الداخلي إلى الهيئات القيادية الجديدة المُنتخبة.

مع المؤتمر السابع، بات تحوّل «فتح» من حركة تحرر وطني إلى حزب غايته مأسسة عملية إمساكه بالسلطة، أمراً ناجزاً وكاملاً. وفي خضم هذه العملية، كما لاحظ العديد من المُعلّقين الفلسطينيين، أصبحت «فتح» متجانسة للمرة الأولى في تاريخها الطويل، أي باتت من لون واحد، ليس من ناحية تكوينها الاجتماعي، بل في ما يتعلّق بعدم وجود منابر سياسية واتجاهات أيديولوجية متنافسة في داخلها. والحال أن تبخُّر التعددية، كسبب ونتيجة للسلطوية الزاحفة، كان قيد العمل منذ أمد بعيد. هذا في حين كانت تعددية الآراء ومصادر النصح داخل «فتح» هي القاعدة في ظل حكم سلف عباس، ياسر عرفات، على الأقل حتى العام 1993.

بيد أن انتقال منظمة التحرير وحركة «فتح» من المنفى إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، واندماجهما في شبه دولة السلطة الفلسطينية غداة اتفاقات أوسلو، قلّص بشكل حاد مثل هذا التسامح. فكل نظراء عرفات، ما عدا عباس، كانوا لقوا حتفهم في ذلك الحين، ما أزاح قيداً مهماً عن الممارسة الأحادية للسلطة. أما أعضاء الحرس القديم العائدون فقد وُضعوا على قائمة رواتب السلطة، ما جعلهم خاضعين للتقاعد الإلزامي، وجرى تهميش الآلاف منهم بحلول العام 2008. بعض الشخصيات القيادية أُزيحت من الدرب عبر استلحاقها إما في المجلس الثوري لـ «فتح»، الذي هو اسمياً الهيئة الرقابية العليا بين مؤتمرين عامين، لكنه تحوّل الآن إلى مجرد منبر لتجاذب أطراف الحديث، أو تم إلحاقهم بالمجلس الاستشاري، وهو هيئة جديدة «بلا أسنان» تم استحداثها بأمر عباس العام 2010. وكما فعل عرفات في العقد الأخير قبل وفاته العام 2004، اعتمد عباس على ثلّة ضيّقة من المستشارين وقادة أجهزة الأمن، كي يعملوا كمُنفذي تعليمات وكبوّابين بينه وبين قواعد «فتح» وموظفي السلطة الفلسطينية والمجتمع المحلي.

بيد أن المؤتمر السابع لـ «فتح» يُظهر أن تحوُّل الحركة انطلق كذلك من القاعدة إلى القمة، فقد طالب عشرات الآلاف من أعضائها بعد العام 1993 برواتب وتعيينات عليا في السلطة الفلسطينية بوصفها استحقاقات مُكتسبة لهم لمقاومتهم إسرائيل سنوات طويلة. وتعقّدت عمليات الإدماج والتداخل بعد أن استحضر هؤلاء الأعضاء معهم عائلاتهم وحمائلهم وأبناء مناطقهم. لم يؤدّ هذا إلى استئصال التنافس الفئوي داخل «فتح»، بل على العكس، لكن الخلافات لم تعد إيديولوجية. ثم أن سيطرة «حماس» على قطاع غزة العام 2007 سرعت عملية المجانسة في حركة «فتح» عبر بعثرة فرعها المحلي الضخم، فيما كان أعضاء «فتح» في الضفة الغربية يفاقمون هذه المضاعفات من خلال إدارة ظهرهم جماعياً للقطاع.
وقعت سياسات فتح، نتيجة ذلك، تحت هيمنة علاقات الدعم المتبادل التي نَمَتْ باطراد بين كبار المُعيّنين ووسطاء المحسوبية فيها من جهة، وبين الأعضاء الأجراء والقاعدة الاجتماعية في الضفة الغربية، من جهة أخرى. علاوة على ذلك، باعدت «فتح» نفسها عن بقية المجتمع الفلسطيني، من خلال إعادة تشكُّلِها كحزب سياسي مؤسسي حاكم لجزء فقط من الأراضي الفلسطينية المحتلة، من دون أن تبدو في الأفق أي بارقة واضحة عن إمكان استعادة الأجزاء المتبقية. وهذا المعطى يساعد على فهم الآراء المتعارضة تماماً حول المؤتمر السابع التي عبّر عنها استطلاع رأي نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، الذي وجد أن غالبية أعضاء «فتح» راضون عن نتائج المؤتمر، فيما غالبية الجمهور العام لم تكن سعيدة بتثبيت عباس كرئيس لـ «فتح» عبر الوقوف تصفيقاً، كما لم تكن مُقتنعة بأن الحركة موحّدة حقاً أو قادرة على تحقيق المصالحة الوطنية.

مع ذلك، ليس ثمة احتمال ببروز تحدٍّ لاستمرار إحكام «فتح» قبضتها على ناصية الأمور، لأسباب تبدو غير بديهية البتّة. فعلى رغم بقاء السلطات مركّزة في يد عباس، وتصاعد عدم التسامح مع المعارضة، وتزايد الاعتماد على أجهزة الأمن لمراقبة السياسات وتنظيم العلاقات مع المجتمع، إلا أن رئاسته لا تحتاج في الواقع إلى أن تكون قمعية على هذا النحو المُسرف. وهذا سببه، ويا للمفارقة، أن إسرائيل تتعهّد القيام بمعظم عمليات القمع المادي والتخويف في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أما الذين يعتبرون أن السلطة الفلسطينية هي متعهّدٌ ثانوي للأمن الإسرائيلي، فإنهم لا يرون الوجه الآخر من العملة، وهو أن تل أبيب توفّر على «فتح» الخِزي المتمثّل بممارسة دور أكثر قمعية، حتى وهي تنشط لمأسسة حكمها.

وهكذا، وعلى رغم فشلها المتواصل في تحقيق أهدافها الوطنية المُعلنة، لا تزال «فتح» في موقع الهيمنة في الضفة الغربية، ولا يشكّل المعارضون والمنشقون أي تهديد حقيقي لسلطتها أو لاحتكارها المناصب الرسمية، يساعدها في ذلك فشل منافسيها البارزين في طرح بدائل ذات صدقية، إذ في الواقع ليس ثمة شيء جوهري يميّز المعسكر المنافس التابع لمسؤول الأمن الأسبق محمد دحلان، على وجه الخصوص، عن بقية أجهزة «فتح» في مجال الأهداف أو الوسائل السياسية. وعلى رغم أن حركة «حماس» تدّعي التمتع بالتزام وطني أنقى واستقامة ثورية، إلا أنها أيضاً تحذو حذو «فتح» في مأسسة قبضتها على السلطة في غزة، وإن كانت متأخرة بعض الشيء عن «فتح» بالسير على هذا المسار. ويساعد حكم «حماس»، ولو بشكل غير مباشر وغير مُريح، الدور الذي تلعبه في الحفاظ على التوازن بين القوة القمعية الإسرائيلية وبين العناصر الأكثر تشدّداً في غزة.

من سخرية الأقدار أن التهديد الرئيس لموقع «فتح» قد يأتي من عباس نفسه، فالرجل لم يحب في الواقع الحركة التي ينتمي إليها. وحين خسرت هذه الأخيرة حسّ الهدف، يبدو أنه يستخدمها لخدمة هدفه الخاص: الحفاظ على إمساكه بالسلطة إلى أن يتوصّل إلى إبرام السلام مع إسرائيل. بالطبع، يُقال هنا إن ليس ثمة أمل في تحقيق هذا السلام خلال حياة عباس، لكن مثابرته وإصراره يضفيان على «فتح» مظاهر الشرعية السياسية ويضمنان مواصلة ضخ المساعدات الدولية، كما يوفّران أيضاً مقداراً من التسهيلات والحماية من طرف إسرائيل.

نظرياً، يمكن أحداثاً كبرى، على غرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أن تُعيد تنشيط قواعد «فتح» وأن تُحيي الحركة. بيد أن تحوّلها بلغ شأواً بعيداً بحيث يمنع حدوث هذا. الأرجح، بدلاً من ذلك، أن تعمد الحركة إلى تعميق مأسسة قبضتها على السلطة والموارد، في حين يُصبح مجتمعها أكثر استقطاباً ونفوراً سياسياً.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.