في حال صَمَدَ وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة روسية- تركية، سيكون ذلك موضع ترحيب من جُل الشعب السوري. لكن يبدو أن ثمة عقبات كأداء عدة تتربّص به. فقد تداعت اتفاقات  سابقة عديدة لوقف القتال، كما تندلع حالياً اشتباكات جديدة في العديد من مناطق البلاد، وسط تباينات حادة بين المعارضة والنظام السوريين حول كيفية تفسير الاتفاق الأخير. مع ذلك، لم تكن كل الاتفاقات السابقة لوقف النار فاشلة. كما أن التحوّلات الدراماتيكية في السياسة التركية إزاء النزاع السوري قد تقلب كل المشهد الراهن رأساً على عقب. 

سيلعب الاستثمار السياسي للقوى الخارجية الرئيسة دوراً حاسماً بوضوح لإنجاح صفقة وقف إطلاق النار. فإن "وقف الأعمال العدوانية" الذي تواسطت به الولايات المتحدة وروسيا في شباط/فبراير 2016 قد أسفر عن انخفاض كبير لنحو شهرين في معدلات العنف في كل المناطق التي يسيطر عليها النظام والمعارضة. وبالتالي، وعلى رغم أن انهيار الاتفاق كان وارداً، إلا أنه لم يكُ حتمياً أو لازبا. وبالمثل، انتجت وساطات إيرانية في مدينة حمص في أيار/مايو 2014 اتفاقات محلية لوقف إطلاق النار، وكذا فعلت تركيا وإيران في بلدات كبيرة كالزبداني والفوعة وكفريا في أيلول/سبتمبر 2015.

صحيح أن كل هذه الترتيبات كانت تعج بالعيوب والثغرات التي كانت تدفع إلى إعادة التفاوض عليها مراراً وتكرارا، إلا أنها سمحت مع ذلك بإخلاء المقاتلين والجرحى المدنيين، ووفّرت بعض المساعدات الإنسانية. 

ويبدو جلياً الآن أن روسيا وتركيا تضخان استثمارات سياسية تبدو كافية لانجاح الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار. غير أن موسكو وأنقرة، في خضم سعيهما لأن يشمل الاتفاق كل أجزاء سورية التي تقع خارج سيطرة تنظيم الدول الإسلامية، ستكونا رهينة طرفين لامصلحة لهما في هدنة شاملة: نظام الأسد وجبهة فتح الشام، التي كانت معروفة سابقاً بجبهة النصرة إلى حين قيامها بقطع روابطها الرسمية مع تنظيم القاعدة في تموز/يوليو الماضي. وكان التصعيد التدريجي والتصعيد المضاد الذي قام به هذان الطرفان الأخيران، السبب الرئيس في خاتمة المطاف لانهيار اتفاقية وقف الأعمال العدوانية في شباط/فبراير الماضي.

لقد سارع نظام الأسد إلى الادعاء بأن الوقف الأخير لاطلاق النار لاينطبق على  جبهة فتح الشام، لكن ناطقون باسم المعارضة ردّوا بأن الاستبعاد لايشمل سوى المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. ثم أن النظام لم يتأخّر لحظة منذ بدء سريان وقف النار عن شن غارات جوية جديدة على مناطق تقع شمال مدينة حماه معروف أنها تشكّل معاقل لجبهة فتح الشام.

أما جبهة فتح الشام فكانت تجهد طيلة العام 2016 لتُصبح قوة المعارضة الرئيس في شمال غرب البلاد. ولذا ثمة الآن خطر فعلي بأنها ستستخدم استئناف الأعمال القتالية كوسيلة لدفع مجموعات متمردة أخرى إلى  التطرف أو إلى شقّها ووضعها تحت جناحها. وقد سعت روسيا إلى احتواء هذا الخطر عبر عزل هذه الجبهة عن بقية فصائل المعارضة المسلّحة. وهذا تجسّد بوضوح في إعلانها بأن حركة أحرار الشام الإسلامية، التي كانت صنّفتها هي نفسها منظمة جهادية إرهابية، وافقت على الانضمام إلى وقف النار. كان هذا الإعلان، في حد ذاته، بمثابة دليل فاقع على مدى تصميم روسيا على توفير مقومات الصمود للاتفاق.

مع ذلك، كان العامل الحاسم في كل هذه التطورات هو تحوُّل السياسة التركية إزاء سورية. ففي السابق، كان في وسع فصائل المعارضة المسلحة التخلّي عن وقف إطلاق النار في حال تعرّضت جبهة فتح الشام إلى هجوم. إذ عنى اعتمادها على الخبرة القتالية والمهارة التخطيطية والقيادية لهذه الجبهة، ناهيك عن تمازج مقاتلي الطرفين وتداخل المناطق الواقعة تحت سيطرتهما في شمال غرب سورية، أنها غير قادرة على عدم التدخل فيما يجري استهداف الجبهة. لكن الآن، ومع قيام تركيا بالتنسيق الوثيق مع روسيا وضغطها للالتزام بوقف النار، لم يعد  في وسع هذه الفصائل عدم التنحّي جانبا. 

والحال أن السياسة التركية كانت تتحوَّل بخطى متسارعة حتى قبل اتفاق وقف إطلاق النار. فقد أسفر قرارها بدفع الآلاف من مقاتلي المعارضة إلى التخلّي عن الجهود لرفع الحصار عن شرق حلب وزجّهم في أتون الاندفاعة العسكرية المدعومة منها (أي تركيا) ضد المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في الشمال في آب/أغسطس الماضي، عن سقوط أحد أهم وأبرز معاقل المعارضة في سورية (شرق حلب) بعدها بأربعة أشهر. و على الرغم من أن قوات المعارضة المتبقّية في المناطق الشمالية الغربية لا يزال لديها مخزون كبير من الأسلحة والذخائر، إلا أنها معتمدة كلياً على تركيا للحصول على مزيد من الإمدادات العسكرية وعلى استمرار حركة التجارة وتدفق المساعدات الدولية الإنسانية إلى مناطقها.

بالطبع، لم تتخّلَ تركيا تماماً عن المعارضة، بيد أنها تعمل بوضوح حالياً على مروحة جديدة من الافتراضات والأهداف في سورية، و بات جلياً أن هذه تشمل قراراً استراتيجياً بالتخلي عن الجهود لإطاحة الأسد. أما الحديث عن إقامة منطقة آمنة في شمال سورية فهو لم يحظَ البتة بأي صدقية، على الرغم من الصخب الإعلامي الذي رافقه على الدوام. لا بل أكثر من ذلك: تزعم مصادر نافذة في موسكو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تخلّى أيضاً عن رفضه التام لأي حكم ذاتي كردي ذي شأن في شمال سورية، طالما أنه قادر على منع حدوث تطوّر مماثل في تركيا.

علاوة على هذا، ليس ثمة مبرر لدى تركيا لتوقّع بروز سياسة دولية تُوازن اقتراحات روسيا إزاء سورية، فيما يستعد الرئيس المنتخب دونالد ترامب لاستلام دفة القيادة في الولايات المتحدة، وهو الذي تدل تصريحاته على مباركة الجهد الروسي في سورية.

كل هذه الحسابات حفزت أنقرة على قبول هذا المصير لمدينة حلب التي كانت تعتبرها في السابق "خطاً أحمر" يتعيّن ألا يعبره نظام الأسد، ثمّ على التوسّط لوقف إطلاق النار بعد سقوطها مباشرة. وتكشف السرعة التي أعلنت فيها فصائل المعارضة المسلحة دعمها للوقف الأخير لإطلاق النار، عن عمق التحوّل الذي طرأ على سياسة تركيا، وأيضاً عن مدى تصميمها على فرض الالتزام به مهما تفاقمت خروقات النظام السوري له.

ولذا، السؤال الرئيس هنا ليس ما إذا كان الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار سيصمد، بل إلى أي مدى ستذهب تركيا لحمل المعارضة السورية على قبول ما هو آتٍ، إذا ما انطلقت خلال الشهر المقبل محادثات السلام برعاية روسية- تركية مشتركة، كما هو مُقرر رسميا. لكن، وحتى لو فشل وقف إطلاق النار وتعثّرت محادثات السلام، أو لم تُعقد على الإطلاق، لن يغيّر هذا شيئاً من الحقيقة بأن السياسة التركية إزاء سورية دخلت مساراً جديدا.

أما بالنسبة إلى المعارضة السورية، على وجه الخصوص، فيُعتبر ماهو آتٍ تهديداً أكثر منه تحديا.

تم نشر هذا المقال على موقع البي بي سي.