خطأ فادح أن يتناسى بعض المنتسبين للحركة الديمقراطية في مصر الأهمية الأخلاقية والسياسية الكبرى للدفاع عن الحقوق الشخصية والحريات الفردية والمدنية لمجموعات المواطنين المؤيدين للسلطوية الحاكمة أو المستقطبين لتأييدها خوفا. وخطأ فادح أيضا أن يتورط نفر من الديمقراطيين في توظيف رديء للانتهاكات المفزعة التي تتعرض لها المجموعات المؤيدة والمستقطبة يجعل منها مادة للتشفي أما في عجز السلطوية عن حمايتهم أو في عدم اكتراث الحكام بحقوقهم وحرياتهم. وكأن جرائم القتل وإسالة الدماء وإشاعة الخوف والتهجير وعذابات الناس الناجمة عنها يستقيم تسييسها في مقام أول ثم اختزالها إلى مصدر للتشفي في سلطوية حاكمة في مقام ثان.

ففي الخلط بين المعارضة المشروعة للسلطوية الحاكمة وبين الامتناع عن تقديم الاحترام الواجب لإنسانية من يصطفون معها طوعا وخوفا والدفاع الضروري عن حقوقهم وحرياتهم بمعزل عن اختياراتهم السياسية تدليس مريض وكارثة يلحقها بالحركة الديمقراطية صغار ضمير وفكر.

عن قتل المصريين الأقباط في سيناء وعن التهجير المفزع لأسرهم إلى مدن كالإسماعيلية وبورسعيد أكتب، عن خليط التجاهل والتشفي الذي أنتجه بعض المنتسبين للحركة الديمقراطية وألقوا به على عتبات الأقباط ومؤسساتهم الدينية بلسان حال بائس يقول «ها هي السلطوية التي تصطفون معها تعجز عن حمايتكم وتتركهم فريسة للقتل والتهجير، فلتتحملوا إذن كلفة التأييد غير المشروط وثمن التنصل من الانتصار لحقوق وحريات آخرين سامتهم الآلة الأمنية للسلطوية القتل والتعذيب والتعقب!raquo;&

أي استخفاف بشع هذا بالدماء التي سالت؟ أي استعلاء على آلام الأسر القبطية التي هجرت وتركت وراءها بيوتا ومواطنا صنعوا بها حياتهم؟ أي عصف شامل بالقاعدة الديمقراطية الأصيلة التي تلزم بتقديم التضامن مع الضحايا على غيرها من الاعتبارات وبالابتعاد عن شبهات تسييس الموقف من جرائم وانتهاكات الحقوق والحريات؟ أي إساءة للضحايا الآخرين الذين لا ينشدون تشفيا وتكفيهم استفاقة من صمتوا في الماضي متبوعة بمساءلة ومحاسبة المتورطين في انتهاك حقوقهم وحرياتهم حين تتيح ذلك ظروف سياسية مواتية؟ أي دفع للأقباط نحو مواصلة الاصطفاف مع السلطوية الحاكمة لانعدام ثقتهم في تضامن مجتمعي واسع يوفر لهم حماية بديلة؟ ثم أي جنون هذا الذي يزين لبعض المنتسبين للحركة الديمقراطية توجيه سهام النقد للسلطوية من خلال التشفي في الضحايا عوضا عن التفنيد الموضوعي لنواقص ومثالب السياسات الحكومية التي مازالت عاجزة عن السيطرة الأمنية على سيناء وعوضا أيضا عن صياغة بدائل فعلية بشأن طرق موجهة الإرهاب في سيناء؟

في المقابل، لم تتعامل السلطوية الحاكمة مع ما حاق بالأقباط في سيناء من قتل وتهجير سوى بخليط لا يقل بؤسا من التهديدات الكلامية وحديث الإنكار. من «نستطيع أن ندمر قرى بأكملها في سيناء إن أردنا، غير إننا نحرص على حياة وممتلكات المواطنين» إلى «هناك مبالغات إعلامية كثيرة، لم يترك سيناء من الأقباط إلا القليلين»، ومن «سنقضي على العناصر الإرهابية في غضون الشهور المقبلة» إلى «نوفر للأسر القبطية في الإسماعيلية وبورسعيد سبل الحياة الكريمة والاستقرار»، وغيرها من الصياغات التي تستدعب دوما من خانات ودهاليز الخطاب الرسمي لمؤسسات الدولة المصرية.

هكذا تتوالى مقولات التهديد من عل والجمل الإنكارية التي تستدعى للتحايل على واقع أليم شديد الوطأة في سيناء على جميع ساكنيها من المسلمين والأقباط، من المدنيين والعسكريين والأمنيين، من الشيوخ والشباب. وكأن السياسات الأمنية المنفذة في سيناء لا تتضمن الاستخدام الممنهج للقوة المفرطة، وانتهاكات مفزعة تطول المواطنين كالقتل خارج القانون والاختفاء القسري والتعذيب وسلب الحرية. وكأن التداعيات المجتمعية والسياسية الخطيرة للقوة المفرطة وللعبث المستمر بسيادة القانون يسهل إنكارها. ألم يرتب مؤخرا تكرر جرائم القتل خارج القانون والاختفاء القسري في مدينة العريش حملة للعصيان المدني تصدرتها عوائل المدينة التي صفت الأجهزة الأمنية نفر من أبنائها بزعم أنشطتهم الإرهابية؟ أو كأن كارثة التهجير وفقدان البيوت والمواطن يمكن التقليل من شأنها عبر تعويض المهجرين عن انتهاكات حقوقهم وحرياتهم بتوفير سبل الحياة الكريمة. أين الحياة الكريمة لضحايا إرهاب وتطرف وطائفية مقيتة، وضحايا سياسات حكومية عاجزة؟

مؤسسات الدولة في مصر، وهي اليوم تحت سيطرة السلطوية الحاكمة ومكونها العسكري ـ الأمني القوي، لا تعرف معاني ومضامين مفاهيم التقصير والعجز والإخفاق لكي تعترف بهم إن فيما خص توفير الحماية للمصريين الأقباط في سيناء أو منع تهجيرهم الذي حدث وكأن البلاد تواجه عدوانا خارجيا. هم الأبطال المنقذون الذين لا تأتيهم الأخطاء من بين أياديهم أو من خلفهم.

والسلطوية الحاكمة لا تعرف معنى وقيمة النقد الذاتي لكي تمارسه أو تمكن لممارسته في الفضاء العام دون خوف من قمع وتعقب وعقاب. وبالتبعية توصف في الخطاب الرسمي كل محاولة للتقييم الموضوعي للسياسات الأمنية المنفذة في سيناء ولحصادها بين 2013 و2017 كخيانة للوطن وتورط في عدم تقدير التضحيات الجسام للجيش والشرطة، ويصنف صاحبها كخائن ومتآمر على أمن البلاد واستقرارها حتى وهو يعلن على رؤوس الأشهاد إدانته للإرهاب ورفضه للعنف وتقديره الإنساني والوطني لتضحيات الجيش والشرطة وتعظيمه لشهداء الوطن.

أما منتجو ومروجو الخطاب الرسمي، فهم لا يعرفون سوى ادعاء امتلاك الحق الحصري للحديث باسم الناس دون الحديث معهم أو النقل الأمين عنهم. لذلك يتحول الضحايا الأقباط في سيناء إلى «عدد بسيط» من الأسر التي «تركت سيناء» و«جاءت» إلى الإسماعيلية وبورسعيد، وتنزع عنهم هوية الضحايا التي تستبعد من الخطاب الرسمي إن كمحض مبالغة إعلامية أو كفعلة ساقطة لباحثين عن إشعال التوترات الطائفية في مصر. وعندها تصير التهديدات الكلامية ويصير حديث الإنكار جوهر تعامل السلطوية الحاكمة مع الأوضاع الإنسانية والمجتمعية والسياسية بالغة السوء التي تحيط أهل سيناء من كل جانب.

بين التشفي البائس باسم الديمقراطية والسلطوية الحاكمة التي لا تعرف معاني ومضامين التقصير لكي تعترف به، تضيع حقوق أقباط سيناء اليوم، وغدا ستضيع حقوق آخرين.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.