ملخّص

تُعتبر الشركات الكبرى الخاصة مصدراً لحيوية الاقتصاد ومن ثَمَ للاستقرار الاجتماعي والسياسي في مصر. كانت هذه الشركات قد خسرت الكثير من نفوذها السياسي بعد انتفاضة 2011 بسبب الروابط التي جمعتها مع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكن الأزمات الاقتصادية في مصر دفعت الأنظمة السياسية المتلاحقة إلى التراجع عن الاجراءات التي اتُّخذت ضد شركات القطاع الخاص الكبرى هذه ، وإلى الرهان على إعادة تفعيل دورها في إنعاش الاقتصاد. علاوةً على ذلك، باتت هذه الشركات أكثر استقلالية عن الدولة اليوم، على الرغم من، وربما بفضل، انقطاعها عن شبكات المحسوبية التقليدية خاصة بعد تموز/يوليو 2013. وهذا من شأنه تدشين انطلاقة إيجابية جديدة لها، إذا ما تنامى اعتماد الدولة عليها لتحقيق التعافي الاقتصادي.

الأفكار الرئيسة

  • نما حجم وأهمية الشركات الكبرى المصرية منذ حقبة التسعينيات، وهي لاتزال تتمتع بأهمية كبيرة وحاسمة بالنسبة إلى الاستقرار وإلى عافية الاقتصاد في مصر.
  • شهد العديد من كبار رجال الأعمال في عهد مبارك انحساراً حاداً لدورهم السياسي غداة انتفاضة 2011.
  • فيما تدهورت الأوضاع الاقتصادية بعد الانتفاضة، جرى التراجع عن الإجراءات التي اتخذت ضد المؤسسات الكبرى الخاصة ومالكيها، لأنه تبيّن أن لهذه الشركات ضرورة حيوية للنمو الاقتصادي.
  • منذ انتقال مركز الثقل السياسي إلى الجيش في تموز/يوليو 2013، جرى على نحو متواصل إقصاء الشركات الخاصة الكبرى عن شبكات المحسوبية القديمة، لصالح رجال أعمال وشركات جديدة أوثق علاقة بالجيش.
  • ربما يكون الاستقلال الذاتي المُطرد للشركات الخاصة الكبرى عن الدولة، نعمة في زي نقمة، لأنه سيحثّها على الدفع لاتخاذ إجراءات أكثر فائدة للقطاع الخاص ككل.

استنتاجات أساسية

  • على الرغم من أن الشركات الخاصة الكبرى خسرت الكثير من نفوذها السياسي، إلا أن الحكومات المصرية المُتعاقبة بعد انتفاضة 2011 قد أدركت أهميتها للنمو الاقتصادي ولتوفير فرص التشغيل، خاصة في ضوء الأزمة الاقتصادية الراهنة.
  • أبرزت ردود الفعل على المؤسسات الخاصة الكبرى بعد انتفاضة 2011، المخاطر العميقة التي قد يواجهها رجال أعمال نافذون حين يدلفون إلى علاقة محسوبية ومحاباة مع السلطات السياسية.
  • سيُحقق اعتماد الشركات الخاصة الكبرى بشكل أقل على الروابط السياسية في المستقبل فوائد أكبر لها في مجال ضمان الأرباح والحصص في السوق. كما يمكن لهذا الاستقلال الذاتي أن يدفعها (الشركات) إلى الدفاع عن مصالحها بشكل جماعي كمؤسسات في القطاع الخاص، وكذلك أن تُصبح مُوجّهة أكثر نحو السوق بدلا من المراهنة على نيل مزايا من الدولة.
  • من الأهمية بمكان للشركات الكبرى أن تعرف كيف يمكن إستغلال استقلالها الاقتصادي للتعويض عن تواصل اقصائها السياسي.
  • يشي رد الفعل الضعيف على الجهود الذي بذلها نظام مابعد 2013 لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الاقتصادي المصري، بأن ثمة ضرورة لتحسين آليات التفاعل والتواصل، كي يتمكّن النظام والشركات الكبرى من التنسيق في مجال الاستثمار.

مقدّمة

واصل نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، منذ أن أطاح الجيش بالرئيس الأسبق محمد مرسي في تموز/يوليو 2013، جهوده لتثبيت أركان سلطته، في مواجهة تحديات اقتصادية متواصلة. لكن، وبعد مرور خمس سنوات على ثورة يناير 2011، فإن الحال ليس أفضل بالنسبة إلى غالبية المصريين، خاصة وأن معدلات الفقر في البلاد تواصل الارتفاع. 1 ونظراً لما سيكون للعوامل الاقتصادية من تأثيرات جسيمة على فرص الاستقرار الاجتماعي والسياسي، فسوف تحتل علاقة النظام بطبقة رجال الأعمال النافذين في القطاع الخاص أهمية خاصة في المرحلة المقبلة.

إن الشركات الكبرى هي قوة اقتصادية رئيسة لايمكن تجاهلها في مجال قدرتها على الاستثمار في مصر، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتوليد النمو الاقتصادي. ومع ذلك، فقد اتُخِذَت إجراءات مناوئة لهذه الشركات بعد انتفاضة 2011 وحتىحين آلت السلطة السياسية إلى الجيش في 2013. بيد أن استمرار معاناة الاقتصاد المصري من معدلات النمو المنخفضة، والعجوزات الكبيرة في الموازنة والتجارة، والاختلال في ميزان المدفوعات بسبب تراجع كلٍ من الاستثمار المباشر الأجنبي وعائدات السياحة، كل ذلك دفع الحكومة إلى البحث عن وسائل لإحياء الاقتصاد. وتبعاً لذلك، جرى إيقاف أو إلغاء معظم الإجراءات السلبية التي استهدفت رجال الأعمال النافذين وشركاتهم، ووُفِرت لهم بدلاً من ذلك ضمانات على أمل أن يستأنفوا العمل كالمعتاد. تجدر الإشارة هنا إلى أنه على الرغم من أن ثورة يناير وما استتبعها من تطورات وتغيرات، لم تقلّص الوزن الاقتصادي الفعلي لشركات القطاع الخاص الكبرى، إلا أن السطوة السياسية التي حظيت بها تلك الشركات قد انحسرت على نحو ملحوظ عما كانت عليه إبّان عهد الرئيس السابق حسني مبارك. فمعظم عمليات اتخاذ القرار الاقتصادي وغيرها، انتقلت إلى الجيش أساساً وأطراف أخرى من بيروقراطية الدولة. كما تمّ إلى حد كبير تفكيك الشبكات القديمة للمحسوبية والفساد، التي أفاد منها أصحاب الشركات الكبيرة، أو جرى تغيير هياكلها من خلال إقصاء المُستفيدين السابقين منها.

ومن سخرية القدر أن يسفر هذا الوضع عن محصلات إيجابية، وإن كانت غير مقصودة، بالنسبة إلى مستقبل الاقتصاد السياسي المصري. إذ أن استقلالاً اقتصادياً أكبر للشركات الكبيرة عن الدولة، يعني أنه يجب على هذه الأخيرة تقليل الاعتماد على الروابط السياسية كسبيل لتحقيق الأرباح والحفاظ على الحصص السوقية، لتصبح بدلاً من ذلك أكثر توجّهاً نحو آليات السوق. علاوةً على ذلك، يمكن لغياب المصالح الخاصة القوية والعلاقات غير الرسمية مع الدولة أن يحثا هذه الشركات على تطوير مفهوم أوسع لمصالحها المشتركة. وهذا قد يشجّع على تبلور شفافية أكبر وعمليات سوق مُتحررة من تدخّل الدولة. وبدورهم، قد يسعى رجال الأعمال البارزون إلى العمل معاً لتشكيل بيئة مؤسسية تخدم المصالح المشتركة للقطاع الخاص ككل، وليس عدداً محدوداً من أعضائه النافذين سياسياً كما كان الوضع تقليديا. وقد تثبت أهمية هذه الخطوة في الفترة المقبلة، في الوقت الذي يجري فيه إعداد مجموعة جديدة من رجال الأعمال المقربين من النظام الجديد، على نحو قد يهدد مواقع الشركات الخاصة الكبرى بفضل تمتع القادمين الجدد بروابط سياسية أمتن.

بالطبع، من المبكِر للغاية القول ما إذا كانت هذه الاستقلالية الاقتصادية المتزايدة ستُترجم نفسها في صيغة استقلال سياسي مستقبلا. إذ من غير المرجّح أن تلعب مؤسسات القطاع الخاص الكبرى دوراً سياسياً واضحاً في السياقات الراهنة في مصر. فهي قد تعلّمت من التجربة المريرة التي تلت ثورة يناير أن التقارب الوثيق للغاية مع السلطة السياسية- عبر العضوية في الحزب الوطني المنحل أو العمل في السلطتين التنفيذية أو التشريعية- أمر لايحظى بشعبية بين العديد من المصريين، وقد يكون فادح الأثمان إذا تغيّرت الظروف السياسية.

مرّت الشركات الخاصة الكبرى، منذ أن بدأت بالبروز اقتصادياً في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، بمراحل مختلفة في إطار علاقتها مع الدولة المصرية. فحجمها قد كَبُر، خاصة بحلول التسعينيات، وأصبحت بالتدريج أقل اعتماداً على الدولة في مجال توليد الأرباح واحتلال المناصب الرئيسة في قطاعات حيوية. وخلال العقد الأول من هذا القرن، أصبحت بعض الشركات الكبرى متجاوزة للجنسية باستثمارات كبيرة موزّعة خارج مصر، ما ضمن لها أيضاً مزيداً من الاستقلالية عن الدولة. والمفارقة أن هذا الأمر تزامن مع نزع سطوتها بعد انتفاضة 2011. والسؤال الكبير الآن الذي يُواجه هذا القطاع في السنوات المقبلة، هو النتيجة المنتظرة لتفاعل الاستقلالية الاقتصادية المتزايدة لهذه الشركات الكبرى، واستمرار إقصائها السياسي؟

نشأة طبقة رجال الأعمال في مصر

يحتاج المرء، كي يفهم الوزن الاقتصادي الراهن للشركات الكبرى، إلى إعادة بناء تاريخ القطاع الخاص في مصر منذ استهلال إصلاحات السوق في أواسط السبعينيات. ففي العام 1974 فتح الرئيس المصري آنذاك أنور السادات الاقتصاد المصري أمام الاستثمارات الاجنبية، من خلال ما أُطلق عليه اسم "الانفتاح". كانت هذه نقطة البداية لتحوّل مصر نحو اقتصاد يستند إلى السوق ويسيطر عليه القطاع الخاص. كان المحرّك الرئيس للتوجه نحو تطوير القطاع الخاص والتحرير الجزئي للتجارة ورأس المال، الأزمات المالية والاقتصادية التي عانتها مصر في تلك الفترة، هذا علاوةً على كونه (المُحرِّك) مؤشراً على تحويل السياسة الخارجية للبلاد باتجاه التحالف مع الولايات المتحدة غداة حرب أكتوبر 1973 العربية- الإسرائيلية.

في البداية، انصب الاهتمام الحكومي وحسب على جذب وتسهيل تدفق الاستثمارات الأجنبية والعربية في مصر كوسيلة لمعالجة الخلل في ميزان المدفوعات ونقص العملات الأجنبية. كان هذا التوجّه جلياً في القانون الأول للاستثمار في 1974، ولكن في 1977، جرى تعديل قانون الاستثمار بقانون ثانٍ، وسّع الحوافز والضمانات نفسها لتشمل مؤسسات القطاع الخاص المصرية. وقد سمح التحرير الجزئي للتجارة والضمانات الجديدة ضد المصادرة والتأميم ببروز الشركات الخاصة المصرية التي ربطت السوق المصري بالخارج. كما عملت التوكيلات التجارية المصرية كموزّع محلي للسلع والخدمات التي تنتجها الشركات الأجنبية.

تنامى حجم شركات القطاع الخاصة طيلة حقبة الثمانينيات والتسعينيات، وأصبحت أكثر تركيزا من حيث حجم رأس المال، فيما كانت تخوض غمار توسيع حصتها في الإنتاج الاقتصادي. وقد تطورت خلال هذه الفترة الأشكال الأوّلية المُقتصرة على الوساطة عبر التجارة وعمولات التوسُّط، لتصبح نشاطات كثيفة رأس المال وذات قيمة مُضافة أعلى. فانخرطت الشركات الخاصة في قطاعات الصناعة التحويلية، والسياحة، والتشييد والبناء، واستيراد التكنولوجيا. بعض هذه الشركات الكبرى لعب دوراً مهماً للغاية في تصدير الفواكه والخضار، بدل القطاع العام، إضافة إلى تصدير السلع المصنّعة كالملابس الجاهزة والسجاد.

مع إطلالة التسعينيات، كان القطاع الخاص المصري قد سيطر على القسم الأكبر من النشاط الاقتصادي. وقد وقّع مبارك اتفاقا للتثبيت الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي العام 1991، ما سمح بتخفيض العجز في الموازنة ومعدلات التضخم، جنباً إلى جنب مع فرض فصل الشركات المملوكة من القطاع العام عن الموازنة العامة للدولة. وفي هذه الأثناء، اتفقت مصر والبنك الدولي على برنامج إصلاحات هيكلية يهدف إلى الخضخصة التدريجية لشركات القطاع العام، وإلغاء اللوائح التنظيمية التمييزية ضد القطاع الخاص. وعلى الرغم من أن برنامج خصخصة القطاع العام كان متباطئا في التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلا أن مساهمة شركات القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي في مصر قد نمت على نحو متواصل في الفترة بين 1990 و2010.2 وقد وقع هذا عبر تخفيف أو إلغاء القيود في العديد من القطاعات التي كانت تسيطر عليها شركات القطاع العام في الماضي، مثل المصارف وشبكات الاتصالات، التي فُتحت للمرة الأولى أمام الشركات الخاصة المحلية والأجنبية.3

شجعت الدولة هذه العملية من خلال توفير الدعم المباشر وغير المباشر للشركات الخاصة، خصوصاً في مجال التصنيع، والسياحة، والخدمات المالية، والاتصالات، والزراعة، والعقارات، والبناء. اتخذ هذا الدعم شكل الإعفاءات الضريبية، وحوافز الاستثمار، وتخصيص الأراضي بمعدلات أدنى من أسعار السوق، وعمليات دعم سخيّة في مجال الطاقة. وبالإجمال، تنامت على نحو متواصل مساهمة شركات القطاع الخاص من كل الاحجام في إجمالي الإنتاج المحلي الإجمالي والعمالة، بحيت باتت هذه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي مسؤولة عن أكبر حصة من إجمالي الإنتاج في معظم القطاعات الإنتاجية (أنظر الشكل 1)

دشن العام 2004 توسُّعاً بارزاً للشركات الكبيرة الخاصة. ففي ذلك الوقت، عيَّن مبارك حكومة مُلتزمة بالمزيد من تحرير حركة التجارة ورأس المال، وكذلك بخصخصة شركات القطاع العام، وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد. ووفقا لتقرير للبنك الدولي في 2009، فقد ساهم القطاع الخاص بنحو 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المصري غير الهايدروكاربوني.4

علاوةً على ذلك، توسّعت شركات القطاع الخاص أيضاً في قطاعات أساسية. ففي الصناعة التحويلية، على سبيل المثال، قفزت حصتها من الإنتاج من 58 في المئة العام 1991 إلى 85 في المئة العام 2001. وقد بقي هذا المعدل الأخير حتى 2010. ولم تكن القصة مُغايرة كثيراً في قطاع البناء، حيث زادت مساهمة شركات البناء الخاصة من 71 في المئة في 1991 إلى 89 في المئة في 2010. وخلال التسعينيات، سيطرت مؤسسات القطاع الخاص كذلك على تجارة الجملة والتجزئة، والسياحة بما في ذلك المطاعم والفنادق، وهيمنت على 99 في المئة من الناتج في قطاع السياحة العام 2010.5

في الفترة بين 1990 و2010، فاقت حصة القطاع الخاص من الاستثمارات حصة القطاع العام في إطار تكوين رأس المال الإجمالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. ويشير تكوين رأس المال الإجمالي إلى الزيادة في الأصول الثابتة للاقتصاد ويمكن أن يتضمن تحسين الأراضي، وشراء الآلات، ومواقع الإنتاج، والمعدات، وبناء البنى التحتية للنقل والمنشآت، وزيادة مخزون السلع المستخدمة للإنتاج.6 وقد زادت مساهمة القطاع الخاص في تكوين رأس المال الإجمالي من معدل 7 في المئة في 1990-2000 إلى 10 في المئة في 2001-2010. فيما هبطت نسبة مساهمة القطاع العام خلال هذه الفترة نفسها من 15 في المئة إلى 9 في المئة.

تحوّل مصر نحو اقتصاد يُهمين عليه القطاع الخاص، سار جنباً إلى جنب مع تركُّز عالٍ لرأس المال والإنتاج في مجموعات شركات مركّبة تتسم بالضخامة، تملكها عائلات وتكون عادة عاملة في قطاعات متعددة في الوقت نفسه. ففي العام 2014 بلغ معدل الدوران السنوي لرأس المال في 10 من أكبر مجموعات الشركات الخاصة 4.45 في المئة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي.7 وهو رقم ولا شك أصغر من الحقيقة بما أن معظم هذه الشركات الكبيرة غير متداولة في سوق الأوراق المالية، ولذا لا تُكشف تقاريرها المالية، ما جعل من الصعب تقدير عائداتها، وأرباحها، وأرقام العاملين فيها، على وجه الدقة.

على الرغم من غياب المعلومات العامة حول الكثير من الشركات الخاصة الكبرى، إلا أن حجم صافي الثروة الشخصية لبعض عائلات ورجال الأعمال قد يساعد على معرفة كيف أفاد البعض من التطورات في القطاع الخاص. فعلى سبيل المثال، قدّرت "فوربس ميدل إيست" في 2015 الثروة الصافية المشتركة لشقيقين من عائلة منصور، محمد ويوسف، وهما مالكان مشاركان في مجموعة منصور متعددة النشاطات، بنحو 5.7 مليار دولار. وهذا يساوي تقريباً 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2014.8

مع ذلك، لاتعتبر الحصة النسبية للشركات الخاصة الكبرى من حيث العمالة الإجمالية كبيرة، وهذا يعود أساساً إلى أن أغلب الأنشطة الاقتصادية التي تعمل بها تلك المجموعات كثيفة رأس المال. لكن، هذا لا يمنع أنها توظف بالفعل آلاف العمال. مثلاً، تُسيطر مجموعة العربي على سوق الإلكترونيات في مصر وتوظّف 20 ألف شخص.9 وتوظف شركة القلعة القابضة، وهي مُستثمر رئيس في قطاعات الطاقة، والتعدين، والإسمنت، والزراعة، والنقل، واللوجستيات10 زهاء 39 ألف شخص، وفق تقريرها المالي للعام 2013.11 كما وظّفت مجموعة غبور، أكبر منتج وموزّع للسيارات في مصر، أكثر من 5000 شخص.12وبالمثل، توظّف مانفود، وهي شركة يملكها آل منصور وتدير ماكدونالد مصر، 3000 شخص، بالإضافة إلى 13000 وظيفة غير مباشرة ترتبط بإنتاج وتوزيع السلع والخدمات للشركة.13

كما تلعب الشركات الكبرى المصرية دوراً مرموقاً في القطاعات المولدة للعملة الأجنبية، على غرار الصادرات الصناعية والزراعية والسياحة، ويخضع قطاع الصناعة إلى هيمنة القطاع الخاص. وقدّرت منظمة التجارة العالمية أن السلع المصنّعة قد بلغت نحو 40 في المئة من إجمالي الصادرات المصرية في الفترة بين 2004 و2010.14 في الوقت الذي قدّمت الشركات الخاصة الكبرى الحصة الأكبر من القيمة المُضافة المصنّعة- التي قُدِّرت في دراسة العام 2011 بنحو 93 في المئة-.15كذلك، تُسيطر الشركات الكبيرة الخاصة على الصادرات الزراعية تقريبا، كما على القطاع السياحي الذي هو قطاع آخر كثيف رأس المال.16

يُعتبر الائتمان المصرفي مؤشراً مهماً آخر على أهمية الشركات الخاصة الكبرى ووزنها الاقتصادي. فقد بلغت القروض للقطاع الخاص 41.2 في المئة من إجمالي القروض المصرفية في الفترة بين 2001 و2014.17 بيد أن هذا التوسُّع في منح الائتمان لشركات القطاع الخاص قد تميز بمعدلات تركيز مرتفعة، حيث أفادت منها حفنة ضئيلة للغاية من الشركات الكبيرة.18 إما القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة فلم تبلغ سوى 5 في المئة من المعدل الإجمالي خلال هذه الفترة.19 هذا التمركز الهائل للإئتمان لصالح مجموعات الشركات الكبرى عكس توجُّهاً سبق أن ظهر خلال التسعينيات، حين انطلق عدد محدود من الشركات بالغة الضخامة للسيطرة على الاقتصاد.

بالتوازي مع ذلك، وحتى فيما كانت مجموعات الشركات الكبرى توسّع نشاطاتها في السوق المصرية خلال العقد الأول من هذا القرن، عمدت إلى مد عملياتها إلى الخارج وأصبحت على نحو متزايد شركات متجاوزة للجنسية. توضح نشاطات عائلة ساويرس، مع مجموعة شركاتها أوراسكوم العاملة في قطاعات متنوعة، طبيعة هذا التوجّه. فقد توسّعت اوراسكوم للاتصالات والإعلام و التكنولوجيا القابضة إلى العديد من الأسواق الصاعدة خلال العقد الأول من هذا القرن، بما في ذلك العراق (2003) وبنغلادش (2004) وباكستان (2004) بجانب إيطاليا (2007) وحتى كوريا الشمالية (2008). وبالمثل، وسّعت أوراسكوم للإنشاء والصناعة إنتاج الإسمنت في مصر وفي عدد من البلدان المجاورة والأسواق الصاعدة كالجزائر. وقد بيعت منشآت الإسمنت التي تملكها الشركة إلى عملاق الإسمنت الفرنسي لافارج (Lafarge) في العام 2008، قبل الأزمة المالية العالمية، بمبلغ 12 مليار دولار ومعه حصة في لافارج. وكانت هذه أكبر صفقة أعمال في تاريخ مصر. وفي2007-2008، أصبحت أوراسكوم للاتصالات والاعلام والتكنولوجيا شركات متجاوزة للجنسية بالكامل من خلال التسجيل في إيطاليا وهولندا، وتركت بورصتي الأسهم في القاهرة والاسكندرية (اللتين تعملا كبورصة واحدة).

ثمة شركات خاصة كبرى أخرى، كالسويدي اليكتريك (السويدي للكابلات سابقاً)، أصبحت عملياتها هي الأخرى متجاوزة للجنسية خلال الفترة نفسها، وإن بشكل أقل درامية من أوراسكوم. ففي العقد الاول من هذا القرن، امتلكت السويدي وشغّلت مصانع في الجزائر وإثيوبيا وغانا وإيطاليا ونيجيريا وقطر وإسبانيا واليمن والسودان وزامبيا. ووفقاً للتقارير المالية السنوية للشركة، كان 80 في المئة من كل أصولها موجودة في مصر العام 2006 و20 في المئة في الخارج.20بيد أن هذا المعدّل تغيّر على نحو ملحوظ في 2015، حيث كان 56 في المئة من أصولها في مصر و44 في المئة في أماكن أخرى.21

مع بداية القرن الحادي والعشرين، أصبح لمصر طبقة راسخة من أصحاب الشركات الكبرى في قطاعات صناعية وخدماتية مهمة. علاوةً على ذلك، فقد حدث انتقال عام من النشاطات المتعلقة بالتجارة في أواسط السبعينيات إلى نشاطات كثيفة رأس المال، خصوصاً في حقبة التسعينيات. وقد حققت الشركات الكبرى وزناً اقتصادياً ضخماً وطوّرت، استناداً إلى ذلك، اهتماماً أكبر في السياسات الاقتصادية التي تؤثِّر عليها. وهذا ما أعدّ المسرح لدور سياسي متصاعد لأصحاب هذه الشركات الخاصة في العقد الأول من القرن الحالي، حيث سيكون لهم تأثير كبير على عملية صنع القرار الاقتصادي في الفترة السابقة مباشرة على ثورة يناير 2011.

تسيُّس الشركات الكبرى إبان حكومة نظيف (2011-2004)

من الصعب فهم علاقة الشركات الخاصة الكبرى بالدولة في مصر، من دون العودة إلى حقبة التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي. فهذه العلاقة تغيّرت مع الوقت، بيد أنها احتفظت بملمح أساسي هو تمتع الشركات الكبرى بقدر من النفوذ السياسي والقدرة على التأثير على سياسات الدولة الاقتصادية، على نحو أثّر كثيراً على سمعة القطاع الخاص الكبير وشكّل صورة عامة عنه في أوساط الرأي العام. هكذا كانت الحالة على وجه الخصوص خلال التراكم التدريجي للأحداث وصولاً إلى ثورة 2011 والتطورات التي تلتها في مجال العلاقة بين الدولة وقطاع الأعمال، ودور القطاع الخاص في دائرة السياسات.

على الرغم من أن الشركات الكبرى كانت خاضعة سياسياً للدولة طيلة معظم سنوات التسعينيات، إلا أن دورها السياسي في السلطات التنفيذية والتشريعية المصرية تصاعد في العقد الأول من هذا القرن، إلى أن نشبت انتفاضة 2011. بيد أن هذه العلاقة كانت أبعد ما تكون عن كونها علاقة مثالية كما يُفترض أن تكون بين مؤسسات القطاع الخاص وبين الدولة، والتي من المفترض أن تستند إلى درجة معيّنة من الاستقلال الذاتي المتبادل، بل حملت الكثير من التداخل بين السلطة والثروة.

فخلال التسعينيات، كانت الشركات الخاصة الكبرى معتمدة إلى درجة كبيرة على الدولة لجني الأرباح، سواء عبر الحمائية التجارية، والنفاذ غير المتكافئ إلى عقود التوريد العامة والأراضي المملوكة للدولة، أو في صفقات خصخصة شركات القطاع العام. بيد أن قطاعات الأعمال هذه افتقدت إلى تمثيل سياسي ذي شأن في دوائر السلطة حيث تُتخذ وتُنفّذ القرارات. كانت الوزارات والدائرة الصغيرة المحيطة بالرئيس، حيث تكمن معظم مفاتيح السلطة غير الرسمية، تتكوّن برمتها تقريباً من بيروقراطيين آتين من خلفيات عسكرية وأمنية مدنية واستخبارية، ولم يكن هناك سوى حيّز ضئيل للتكنوقراط المستقلين أو لرجال الأعمال.

كل هذا تغيّر بدءاً من العام 2004. فقد اتخذت خطوة لم يسبق لها مثيل منذ ثورة أو انقلاب يوليو 1952، حين عُيِّن أحمد نظيف رئيساً للوزراء في حكومة تشكّلت أساساً من رجال الاعمال وتكنوقراط من ذوي الميول النيوليبرالية. هذه الشخصيات تسنّمت أدوراً سياسية نشطة في الحكومة والبرلمان، وهكذا أُعطيت وزارة التجارة والصناعة إلى قطب من أقطاب القطاع الخاص المهندس رشيد محمد رشيد، رئيس يونيليفر ميدل إيست، وهي شركة تابعة لشركة "يونيليفر" العالمية البريطانية الهولندية متعددة الجنسيات والتي تنتج وتوزّع أصنافا واسع التنوع من السلع الاستهلاكية، بما في ذلك الصابون والمواد الغذائية ومواد التجميل. ومُنحت وزارة السياحة أولاً لأحمد المغربي ثم، في العام 2007، لزهير جرانة. هذان الرجلان كلاهما من كبار رجال الأعمال: فالمغربي شريك في واحدة من أكبر شركات التنمية العقارية في مصر، وقد عُيّن العام 2007 وزيراً الإسكان. وبالمثل، أصبح أمين أباظة، صاحب واحدة من أكبر شركات تجارة المحاصيل في مصر وزيراً للزراعة، وحاتم الجبلي، وهو حامل أسهم ومدير عدد من المستشفيات والمختبرات الخاصة وزيراً للصحة. كل هؤلاء الوزراء الجدد تقريبًا كانوا رؤساء شركات مملوكة لعائلات أعمال في حقول تغطيها الوزارات التي تولوها.

ثم في الوقت نفسه، صعد دور رجال الأعمال في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم آنذاك، ودفعوا باتجاه إقرار أجندات داعمة لتوسع القطاع الخاص في البرلمان. كان أبرز رمز،على سوء سمعته، - لبروز رجال أعمال القطاع الخاص كلاعبين سياسيين هو قطب الحديد والصلب أحمد عز، الذي أصبح شخصية مركزية في الحزب الحاكم، وترأّس لجنة الموازنة بالبرلمان. وبعد انتخابات 2000 و2005 و2010، انضمّ عدد متزايد من رجال الأعمال إلى الحزب الوطني الديمقراطي.22 وهكذا، وفيما أصبحت شخصيات القطاع الخاص أكثر ظهوراً للعيان وإفصاحاً عن مواقفهم في نظام مبارك، تحوّل الحزب الوطني الديمقراطي نحو خدمة مصالح هذه الطبقة البورجوازية الصاعدة.23

تميّزت الفترة بين 2004 و2011 بزواج غير مقدّس بين الثروات الشخصية وبين السلطة السياسية. فقد أسفر تزايد نفوذ رجال الأعمال على قرارات الدولة عن تقدّم وترقية مصالح بعينها لأصحاب الشركات الذين لهم ارتباطات سياسية. وهذا يساعد على فهم لماذا تسارعت وتيرة خصخصة شركات القطاع العام بعد 2004، وكذا تحرير حركة التجارة، ونزع أو تخفيف الضوابط عن القطاعات التي تهيمن عليها الدولة والشركات التابعة لها. وقد كان المثل الفاقع على تلك التحولات تعديل أحمد عز لقانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار في العام 2007 لصالح شركته التي كانت تحوز حينها على 61 في المئة من سوق الحديد والصلب.24بيد أن عز لم يكن الوحيد الذي يقوم بذلك. ففي العديد من الحالات، أفاد أيضاً رجال الأعمال الذين أقاموا علاقات شخصية وثيقة، أو كانوا شركاء مع عائلة مبارك، من مواقعهم.

بالإجمال، ارتبطت ظاهرة كبار رجال الأعمال الذين يتشاطرون السلطة مع النخب البيروقراطية الراسخة خلال العقد الأخير من حكم مبارك، على نحو وثيق مع تمهيد الأجواء أمام جمال مبارك لخلافة والده في منصب الرئاسة. فقد طفا مشروع التوريث على السطح بفعل تقاطع مصالح الشركات الخاصة الكبرى، التي بدا أن هدفها هو تعزيز التحرير الاقتصادي ونزع الضوابط عن الاقتصاد. لكن، وعدا هذا الهدف المشترك، كان رجال الأعمال الأقوى يدفعون أيضاً باتجاه تأمين حماية سياسية لنفاذهم غير المتكافئ إلى الأصول وحصص السوق، في فترة كانت تصبح فيها مصر أكثر رأسمالية، وتتميّز بيئتها الاقتصادية بمحسوبية فاقعة. علاوةً على ذلك، عكست مسألة التوريث التوترات داخل صفوف النخبة، حيث بدا أن دائرة رجال الأعمال المُحيطة بجمال مبارك تكنّ عداء لجماعات نافذة أخرى، خصوصاً تلك القابعة في البيروقراطيات العسكرية والمدنية.25 كما كان ثمة تنافس على النفاذ إلى الأصول التي تملكها الدولة خاصة الأراضي الصحراوية، وخلافات حول نطاق ووتيرة الخصخصة والتحرير.

قضت ثورة يناير 2011 فجأة وعلى نحو غير متوقع على مشروع التوريث. وبعدها بدأ نفوذ رجال الأعمال الخاصين الأقوياء يشهد انحداراً حاداً، مع حبس جمال مبارك مع والده وأخيه، وهذا ماحدث أيضاً للعديد من أولئك الذين راهنوا على استلامه السلطة الذين إما سُجنوا أو هُمِّشوا. لبرهة من الزمن، حاز رجال الاعمال على سلطة كبيرة، على عكس مسار مصر بعد 1952. لكن، سرعان ما عاودت الحقائق السابقة في البلاد توكيد نفسها.

الشركات الكبرى بعد ثورة يناير 2011

انتقلت السلطة عقب ثورة 2001، على أساس مؤقت، إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو أعلى هيئة في الجيش. تم بقرار قضائي حَلّ الحزب الوطني الديمقراطي وجرى فُضّ البرلمان. أما حكومة نظيف فقد تركت السلطة حتى قبل تنحي حسني مبارك. وكانت حصيلة كل هذا غياب أي رجل أعمال من حكومة أحمد شفيق اللاحقة. بيد أن هذا لم يكن كل شيء. فالعديد من كبار رجال الأعمال، الذين كانوا مقربين من آل مبارك أو الحزب الوطني الديمقراطي، سرعان ما حوكموا بتُهم الفساد. أول رأس تدحرج هنا كان أحمد عز، الذي اعتُقل وسُجِنَ لثلاث سنوات. إضافة إلى ذلك، جرى تجميد أصوله، ولفترة من الزمن بقي مصير مصنعه "الدخيلة للصلب" مجهولاً، بعد أن أُجريت تحقيقات في كيفية حيازته في خضم إدعاءات بالفساد.

لحق بعز سريعاً وزراء – رجال أعمال آخرون الذين إما اعتقلوا بتهم الفساد- مثل المغربي، وجرانة، وأباظة- او فرّوا من البلاد خوفاً من تعرضهم إلى التوقيف، مثل رشيد. وقد أطلقت محاكمة المغربي موجة من الهزّات في قطاعات العقارات والبناء، كما واجه وزير الإسكان السابق اتهامات بتخصيص أراضٍ تملكها الدولة في منطقة الصحراء شرق وغرب القاهرة لشركة منصور ومغربي (M&M)، وهي مؤسسة يملكها ياسين منصور أحد أشقاء عائلة منصور.26 وقد هُدِّدت هذه الشركة بمصادرة أراضيها، على رغم أنه بعد المحاكمة لم يُنفَّذ هذا قط. غادر منصور، رئيس (M&M) الذي خشي الملاحقة القضائية، مصر، فيما تم استهداف رجل الأعمال محمود الجمال، رئيس مجلس إدارة شركة السادس من اكتوبر للتنمية والاستثمار (سوديك) ووالد خديجة زوجة جمال مبارك، فجُمّدت حساباته وخضع إلى المحاكمة.27

علاوةً على ذلك، جرى تفكيك شبكات المحسوبيات والتكسُّب التي وُجدت في عهد مبارك بعنف، وفرض الجيش مسافة بينه وبين كبار رجال الاعمال الذين اعتبرهم عبئاً سياسيا بسبب صفقات الفساد مع دولة مبارك. وقد نشطت المحاكم الإدارية لإبطال العقود العامة التي خصخصت شركات القطاع العام أو خصّصت أراضٍ تملكها الدولة لبعض رجال الأعمال، ما فرض تهديدات جسيمة لاستقرار حقوق الملكية الخاصة. والحال أن بيروقراطية الدولة تعرّضت إلى الشلل بعد أن بات العديد من المسؤولين مترددين في توقيع الوثائق والأوراق الرسمية، خوفاً مما قد يحيق بهم من ملاحقة قانونية. أُطلق على هذه الظاهرة اسم "ظاهرة الأيدي المرتعشة".28 كل هذه العوامل تقاطعت لتقويض العلاقات التي كانت قائمة بين الشركات الخاصة الكبرى وبين الدولة منذ التسعينيات.

إلى جانب المخاطر السياسية المتفاقمة التي رافقت انهيار نظام مبارك، وَلَجَ الاقتصاد المصري فترة من حالة اللايقين العميق غداة ثورة يناير. فالنمو الاقتصادي تراجع، ومعدلات العجز والدين العام والتضخم ارتفعت، وكان ثمة نقص في العملة الأجنبية. وهذا أثّر على كل المصريين، لكن على الأخص على القطاع الخاص. فقامت مجموعات الشركات الكبرى بتجميد خططها للتوسُّع وهبط مستوى الاستثمارات المحلية والأجنبية. وفيما تضاءلت الثقة بالاقتصاد، برزت أدلة على هروب رؤوس الأموال من مصر بعد 2011. ووفق تقديرات حكومية، حدث نزوح كاسح لرؤوس الأموال بلغ نحو 12.8 مليار دولار من سوق أذون الخزانة، وسوق الأسهم، والنظام المصرفي في الفترة بين 2011 و2012.29

بيد أن موجة المد هذه سرعان ما أصبحت جَزْرا. ذلك أن الوضع الاقتصادي المصري المتزعزع دفع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى إظهار ضبط النفس في ما يتعلق بالشركات الكبرى المصرية، وكذلك بالمستثمرين الأجانب والعرب. وسعى الجيش إلى توفير الضمانات بأن الإجراءات النيوليبرالية التي اتخذت في عهد مبارك لن تُبطل. كما أنه تحرّك ضد الإضرابات العمالية والاعتصامات عبر إصدار مرسوم في العام 2011 غلّظ فيه العقوبات ضد الإضرابات غير المرخّص بها، وقطع الطرق، وعرقلة خطوط النقل.30كما امتنعت القيادة العليا للقوات المسلحة عن إصدار قانون معدّل حول نقابات العمال كان قد صيغ بالتعاون مع الحركة النقابية المستقلة في عهد وزير عمل معروف بمناصرته للعمال. هذا القانون كان يستهدف توسيع الحريات الخاصة بتأسيس إتحادات مستقلة، ووضع حد لاحتكار الاتحاد العام لنقابات العمال المصرية الذي تسيطر عليه الدولة.31

وبالمثل، استأنفت حكومتا مابعد الثورة، برئاسة عصام شرف (آذار/مارس- تشرين الثاني/نوفمبر 2011) وكمال الجنزوري (كانون الأول/ديسمبر وتموز/يوليو 2012) الحكم ضد قرارات المحكمة الإدارية العليا التي ألغت عقود الخصخصة المبكّرة وأمرت الحكومة باستعادة أصول الدولة.32 وذلك خشية من الحكومة من أن تسفر هذه الخطوات عن إعادة تأميم الملكيات الخاصة، مايعني ردة كبرى عن الضمانات التي قدمت للقطاع الخاص في مصر بشتى أنواعه منذ بدء الانفتاح في منتصف السبعينيات.

في 12 كانون الثاني/يناير 2012، ومباشرة قبل بدء البرلمان الجديد وقتذاك فصله التشريعي، أصدرت القيادة العليا للقوات المسلحة، التي كانت قد تسلمت السلطتين التنفيذية والتشريعية غداة استقالة مبارك في شباط/فبراير، مرسوماً آخر، سمح بالتصالح مع رجال الأعمال في القطاع الخاص الذين كانوا يحاكمون بتهم الفساد والاستيلاء على المال العام. وقد أشرع هذا المرسوم الباب أمام إسقاط التهم وإنهاء إجراءات المحاكمات ما لم يصدر حكم نهائي بات فيها، في مقابل تعويضات مالية تدفع إلى خزانة الدولة، أو استعادة الأصول.33

كل هذه الإجراءات تشي بأن القيادة العليا للقوات المسلحة- وبشكل أعم الدولة- أدركا الأهمية الاقتصادية للشركات الكبرى الخاصة المصرية. إذ أن النمو الاقتصادي، والاستثمار، ومنع المزيد من هروب رؤوس الأموال، كل ذلك تطلّب استعادة ثقتها. إضافة إلى ذلك، يتوقّف اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تشتد الحاجة إليها على تجنّب أي مظهر قد يوحي أن الدولة تنوي مصادرة ملكية رجال الأعمال الذين لهم روابط مع نظام مبارك. لقد تعيّن على مصر أن تُثبت استمرار التزامها بالاجراءات النيوليبرالية التي اتخذت في عهد الرئيس مبارك. وعلى سبيل المثال، لم يحدث شيء لمصنع الدخيلة للصلب التابع لعز حين كان قابعاً في السجن، وواصلت شركته العمل بشكل طبيعي بشكل أو بآخر خلال هذه الفترة.

ثمة مثال آخر يوضح عودة الموقف الحكومي من القطاع الخاص إلى طبيعته السابقة على الثورة، هو ماحدث مع محمد أبو العينين، قطب صناعة السيراميك والموالي القديم لنظام مبارك والحزب الوطني الديمقراطي. فحين أضرب عمال مصنعه في آب/أغسطس 2012 وكانوا على وشك الاستيلاء عليه،34بل وقاموا بدعوة الرئيس المنتخب حديثا محمد مرسي بالتدخل لصالحهم في مواجهة رجل الأعمال التابع للنظام القديم، ولكن في المقابل فقد شعرت حكومة مرسي بالقلق من مشهد سيطرة العمال على المصنع، في وقت كان الرئيس يحاول دفع الاقتصاد نحو الاستقرار. ولذلك، عرضت بدلاً من ذلك التوّسط بين أبو العينين والعمال.35كما أن القضاء والمدعي العام لم يتعاطفا مع محاولات العمال للاستيلاء على المصنع وفرضْ نظام الإدارة الذاتية فيه.36

وتكمن المفارقة هنا في أن سلوك الحكومة قد ظهر في وقت كان فيه أصحاب الشركات الخاصة الكبرى قد خسروا قسطاً كبيراً من نفوذهم السياسي. والمثل الوحيد الذي حاول فيه رجال الأعمال استخدام ثرواتهم لإغراض سياسية بعد انتفاضة 2011، حدث مع نجيب ساويرس ورامي لكح. فقد شكّل ساويرس حزب المصريين الأحرار، الذي دعم برنامجاً علمانياً وليبرالياً اقتصاديا. أما لكح فكان أحد مؤسسَي حزب الإصلاح والتنمية مع محمد أنور السادات، ابن شقيق الرئيس الراحل أنور السادات. لا ساويرس ولا لكح سبق أن التحقا البتة بالحزب الوطني الديمقراطي، وكلاهما مسيحيان. كان الدافع وراء الدور السياسي لساويرس هو استقطاب الناخبين الأقباط في ضوء القلق من صعود الإسلام السياسي،37 لكن كلا هاتين الحالتين، كانتا استثناء أثبت القاعدة بأن رجال الأعمال لم يعودوا حيويين سياسياً كما كانوا إبان عهد مبارك.

على وجه العموم، ثبُتَ أنه كان لثورة يناير تأثيرات مُعيقة على العديد من الشركات الكبرى، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. فالإطاحة بمبارك وحل الحزب الوطني الديمقراطي دمّرا العلاقة القديمة بين السلطة والمصالح الخاصة. لكن الوقائع الاقتصادية فرضت على الجميع إبداء الليونة. وهكذا، ومثلها مثل القيادة العليا للقوات المسلحة، انتهجت الحكومة اللاحقة بقيادة جماعة الإخوان المسلمين سياسة تحسين العلاقات مع الشركات الكبرى بهدف إعادة إطلاق النمو الاقتصادي.

الشركات الكبرى في عهد جماعة الإخوان

تبنّت حكومة الرئيس محمد مرسي المدعومة من الإخوان المسلمين، والذي حكم بين تموز/يوليو 2012 وتموز/يوليو 2013، سياسة متفاوتة إزاء الشركات الخاصة الكبرى. فمن ناحية طرحت الحكومة مبادرات لتحسين العلاقات مع القطاع الخاص، لكنها حاربت ايضاً رجال الأعمال المعارضين سياسياً لجماعة الإخوان، في الوقت نفسه الذي كانت تسعى فيه إلى ترقية المصالح الاقتصادية لأعضاء الجماعة. وقد استندت حكومات الإخوان إلى حسابات غالباً ماكانت تتبدّل بين ليلة وضحاها، في خضم الجو المتوتر بفعل الاستقطاب العميق والنزاعات السياسية التي برزت في عهد مرسي. على أي حال، لم ترحّب الحكومات التي دعمها الإخوان بالإجمال بعودة رجال الأعمال الكبار إلى ممارسة دور سياسي مباشر، ما يعزّز الاعتقاد بأن ثورة يناير قد أسست لنمط لا يزال مستمرا ينطوي على عدم التسامح مع دور سياسي مباشر لرأس المال الخاص، وهو منحى سيثبت انه حاسم بالنسبة إلى مستقبل الاقتصاد السياسي لمصر.

أول ماتجدر ملاحظته هنا هو أن النظام المدعوم إخوانياً اعترف بالوزن الاقتصادي وبأهمية الشركات الخاصة الكبرى في إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد. فخلال فترة حكم مرسي، أصبح التعافي الاقتصادي أكثر إلحاحا. إذ قبل نهاية 2012، تراجعت احتياطيات العملات الاجنبية إلى 15 مليار دولار بعد أن كانت 36 مليار دولار العام 2011.38 كانت البلاد في حاجة إلى دفق رؤوس أموال ضخمة، ما دفع الحكومة إلى السعي لإنعاش الاقتصاد. وفي ضوء ذلك، أسّس حسن مالك، احد أبرز رجال الأعمال المنتمين إلى جماعة الإخوان والذي كان على ما يقال مدير أصول الجماعة، الجمعية المصرية لتنمية الأعمال (ابدأ).

سعت جمعية "ابدأ" إلى مساعدة جماعة الإخوان المسلمين عبر المساهمة في جهود الإنعاش الاقتصادي.39وقد انجز مالك ذلك من خلالجهود المصالحة مع مختلف رجال الأعمال والتقارب مع الشركات الكبرى المصرية والأجنبية، عدا أولئك المُدانين بتهم الفساد أو بدعم فلول النظام القديم. ولتحقيق هذا الهدف، جرى تغيير عضوية "ابدأ" بشكل جذري خلال فترة وجيزة من الزمن. وبعد انتخاب مرسي رئيساً، تم توسيع الجمعية كي تضم شركات مصرية وعربية وأخرى متجاوزة للجنسية تعمل في مصر، على غرار شل وإكسون-موبيل.40 وقد وفّرت "إبدأ" منبراً لتلك الشركات يمكن أن تبني من خلاله الثقة المتبادلة، وفتحت باباً خلفياً يوصل إلى الرئاسة في مجال السياسات الاقتصادية. ومما سهّل هذا الأمر الحقيقة بأن مالك ترأس أيضاً اللجنة الرسمية الملحقة بالرئاسة والمسؤولة عن التواصل مع رجال الأعمال.

عكست عضوية جمعية "ابدأ" محاولات مالك للتواصل مع الطيف الواسع للقطاع الخاص الكبير في مصر. فهي ضمّت رجال أعمال كانوا قريبين من نظام مبارك، مثل محمد فريد خميس، صاحب مجموعة النسّاجون الشرقيون، وهي واحدة من أكبر منتجي ومُصدّري السجاد في مصر،41كما كان صفوان ثابت، الذي انتسب أيضاً إلى الحزب الوطني الديمقراطي في عهد مبارك، وصاحب شركة جهينة أحد أكبر شركات المواد الغذائية في مصر، عضواً في الجمعية. رافق العديد من رجال الأعمال هؤلاء مرسي خلال زيارته للصين العام 2013 التي كانت تستهدف تشجيع الاستثمارات الأجنبية في مصر. وقد توسّط مالك بين جماعة الإخوان وبين عائلة ساويرس لحل الخلافات بينهما التي تتعلّق أساساً بنشاطات نجيب ساويرس السياسية.42 وفي نيسان/إبريل 2013، انضمت مجموعة أوراسكوم إلى "ابدأ" ، أي قبل ثلاثة أشهر من إطاحة مرسي.

تواصل مالك أيضاً مع ياسين منصور في لندن، في محاولة لإقناعه بالعودة إلى الوطن. وفي موازاة ذلك، اتخذ مجلس الشورى، وهي الغرفة العليا في البرلمان المصري السابق، قراراً مهما. فقد عدّل هذا المجلس، الذي تمتع فيه الإخوان بالأغلبية وحظوا بسلطات تشريعية كاملة وفق منطوق دستور 2012، القانون الرئيس الذي ينظّم استثمارات القطاع الخاص، بهدف السماح بتوفير المزيد من سبل المصالحة مع المستثمرين عبر وزارة الاستثمار.43

يُعتبر نجيب ساويرس نموذجاً مركزياً لرجل الأعمل الغني الذي تبنى موقفاً إديولوجياً علنياً ضد الإخوان وكان له طموح بلعب دور في الشأن العام. فبعد الإطاحة بمبارك، جاهَرَ ساويرس بانتقاداته لجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك للمعسكر الإسلامي عموما. وقد أصبح أكثر نشاطاً وإفصاحاً عن معارضته لمرسي بعد الإعلان الدستوري المُثير للجدل في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 الذي منح فيه هذا الأخير نفسه صلاحيات واسعة، ما أدى إلى بروز استقطاب حاد في المجتمع المصري. وقد أعرب ساويرس عن مواقفه في أجهزة الأعلام التي يملك ومن خلال حزبه السياسي، المصريون الأحرار، الذي كانت تموّله أوراسكوم. ورداً على ذلك، استهدفت الحكومة صناعات البناء التابعة لهذه الشركة واتهمتها قضائياً بالتهرُّب من دفع الضرائب.44أما رأس عائلة ساويرس أنسي، وكذلك شقيق نجيب الأصغر ناصف، فقد اختارا مغادرة البلاد. حينها، دخل مالك على الخط محاولاً التوسّط بحثاً عن حل، وهذا تضمّن تجميد قضية التهرّب من الضرائب، شرط قيام نجيب ببيع القناة الفضائية التي يملكها، أون- تي في، وهو مافعله.45 عاد أنسي وناصف إلى مصر،46بيد أن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد: إذ زُعم أن نجيب ساويرس لعب دوراً في إسقاط مرسي من خلال تمويل حملة تمرّد المناهضة لحكم الإخوان.47

برزت حركة معارضة واسعة من رجال الأعمال لحكم جماعة الإخوان من المنتمين للشبكات القديمة للحزب الوطني الديمقراطي والتي كانت قد عبّأت نفسها دعماً للحملة الرئاسية لأحمد شفيق ضد مرسي في الانتخابات الرئاسية للعام 2012. وهكذا، قيل أن أحمد عز مارس دوراً كبيراً في مجال دعم شفيق من موقعه في السجن.48 لكن هذه الشبكات التابعة للحزب الوطني تشكّلت في معظمها من رجال الأعمال الذين يمتلكون نشاطات اقتصادية متوسطة الحجم، وسبق أن احتلوا مواقع في الحزب والمجالس المحلية في عهد مبارك. إنهم كانوا أقل ثراء من مالكي الشركات الكبرى، وكانوا أقرب إلى فئة أصحاب الملايين لا المليارات. وقد جرى تعبئة شبكاتهم مرة أخرى بعد فوز مرسي بالرئاسة، وُزعم أنهم وفّروا المواد الغذائية ووسائل النقل للمتظاهرين في 30 حزيران/يونيو 2013، من أجل الإطاحة بمرسي.

برزت خلال حقبة مرسي مؤشرات على وجود محاولات يبذلها رجال أعمال منتمون إلى جماعة الإخوان لتوسيع نشاطاتهم الاقتصادية. بيد أن هذه الجهود فشلت بفعل قِصَرْ مدة حكم مرسي. وربما تُسلّط تجربة خيرت الشاطر بعض الأضواء الكاشفة على خطط الجماعة حيال الشركات الكبرى. فالشاطر كان رجل الإخوان القوي ومديرهم الاقتصادي على مازُعِم، جنباً إلى جنب مع مالك، وهو أسّس سلسلة مراكز تسوّق تجارية اسمها "زاد" شهدت فروعها توسّعاً كبيراً في الفترة بين 2012 و2013. كان يفترض أن تصبح زاد سوقاً رئيساً لمبيعات التجزئة في المواد الغذائية وسلع استهلاكية أخرى. كما بدأ الشاطر مفاوضات لحيازة إثنين من أكبر مراكز التسوّق هما مترو وخير زمان اللتين يملكهما آل منصور، لكن الصفقة تعثّرت في نهاية المطاف.49

بدا آنذاك أن "زاد" هي جزء من مشروع سياسي أوسع دعماً لحكم جماعة الإخوان، يقوم على تأسيس شبكة مراكز تسوُّق في الأحياء الفقيرة ومتوسطة الحال تبيع المواد الغذائية بأسعار مخفّضة. وكان من شأن ذلك تعزيز جاذبية الجماعة.

ثم أن ادخال رجال الأعمال المنتمين إلى الجماعة في شبكات الاعمال القائمة، لم يستهدف دوماً الحلول مكان الشبكات القديمة. كان الهدف بدلاً من ذلك الاندماج بشكل أفضل معها. على سبيل المثال، سرت تقارير العام 2013 عن شراكة بين الشاطر وبين رجل الأعمال رامي لكح لتأسيس خطوط جوية خاصة تعمل في مصر والمنطقة.50 ولكح هذا، وهو مسيحي كاثوليكي منحدر من عائلة سورية الأصل، كان شخصية مهمة ومُتجذّرة في نسيج طبقة رجال الأعمال في حقبة مبارك.

علاوةً على ذلك، بقيت شبكات أعمال تعود إلى الجيش أو أجهزة المخابرات على حالها لم تمس خلال عهد مرسي. وكان هذا على الأرجح جزءاً من صفقة سياسية أوسع بين جماعة الإخوان وبين الجيش في العام 2012، حين وفّر الدستور الجديد آنذاك ضمانات قانونية للاستقلالية السياسية والاقتصادية للجيش. بيد أن أياً من خطط جماعة الإخوان لم يرَ النور، لأن عمر التسوية مع الجيش كانت من عمر الزهور ولم تدم بعد أن أطاح الجيش بمرسي وأودعه السجن على وقع المظاهرات الشعبية الضخمة في يونيو 2013.

والخلاصة هي أن حكومة الإخوان قد أدركت، كما القيادة العليا للقوات المسلحة قبلها، الأهمية الاقتصادية للشركات الكبرى الخاصة في مجال حفز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات. لكنها حاذرت أيضاً من قبول دور سياسي لها، وهو أمر لم يكن يحظى بثقة الحكومة. والحال أن هذه الموقف لم يتغيّر حين أُطيح بمرسي، حيث بقيت الطموحات السياسية لرجال الاعمال النافذين في مصر مصدر قلق للنظام الذي يدير الجيش دفّته.

القطاع الخاص الكبير في مرحلة ما بعد تموز/يوليو 2013

بعد تقلد الجيش السلطة السياسية في تموز/يوليو 2013، تغيرّت مجدداً معالم العلاقة بين الشركات الكبرى وبين الدولة، لكن كان من الصعب تبيّن وجود مقاربة مُتّسقة ومُتجانسة لدى النظام الجديد لعبد الفتاح السيسي، الذي انتُخب رئيساً في حزيران/يونيو 2014. بيد أن التفاعل بين الدولة وبين القطاع الخاص الكبير تميّز وتحدّد بعدد من أولويات النظام: إبعاد الشركات الكبرى عن السياسة

كان الملمح الأول معارضة الجيش لأي انخراط لرجال الأعمال في السياسة. وهذا اتّضح بجلاء حين مُنِعَ عز من العودة إلى البرلمان الذي انتُخب العام 2015. كان قد أُفرج عن قطب الحديد والصلب هذا وبُرٍّأَ من معظم اتهامات الفساد التي سيقت ضده، فاستأنف إدارة امبراطوريته الاقتصادية. لكن اللجنة القضائية التي تُشرف على الانتخابات، استبعدته لأسباب فنّية. وبعدها جرى تأجيل الانتخابات بحكم من المحكمة الإدارية العليا. وحين تم تحديد موعد جديد للانتخابات، تقدّم عز ثانية بطلب ترشّح ، لكنه استُبعد مجدداً لدواعٍ فنّية.51

لم يتم تأسيس حزب حاكم، على غرار الحزب الوطني الديمقراطي المنحل، في عهد السيسي، وبرز بدلاً من ذلك تكتل لا ملامح محددة له من البرلمانيين المناصرين للرئيس. وهذا منع العديد من رجال الأعمال المُنتمين سابقاً إلى الحزب الوطني الديمقراطي من استئناف أدوراهم كوسطاء، وشركاء، ووكلاء للنظام الجديد. علاوةً على ذلك، مُنِعَ احمد شفيق، الذي كان لبرهة أمل أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي السابق، من العودة إلى مصر، فلبث في دولة الإمارات العربية المتحدة (حتى كتابة هذه السطور)، مدبِّجاً الالتماس تلو الالتماس للسماح له بالعودة إلى مصر، لكن هذا بقي حرثاً في الرمال.

يمكن تفسير هذه الإجراءات الرافضة لتسيُّس رجال الأعمال بعدد من الأسباب: إذ ربما اعتقد النظام الجديد المدعوم من الجيش أن الدور السياسي لهؤلاء، أو حتى ظهورهم البارز أمام الرأي العام، قد لايكون مقبولاً شعبياً لأنه يعيد لللجمهور ذكريات البرلمان والحزب الوطني الديمقراطي والحكومة التي كان يسيطرون عليها جميعاً في عهد مبارك. وربما لهذا السبب أيضاً لم يؤسس السيسي حزباً رسمياً، لأنه خشي أن يكون هذا الكيان السياسي نقطة جذب للمحسوبيات والفساد، ماسيسىء إلى سمعته كرئيس.

ثمة تفسير آخر هو ببساطة فقدان الثقة. فكبار رجال الأعمال في عهد مبارك انتموا إلى شبكات تختلف عن تلك التابعة لنظام السيسي. ثم هناك تفسير ثالث يقول أن السيسي أراد تجنّب أي معارضة محتملة من برلمان وحزب يسيطر عليهما رجال الأعمال.

لكن، ومرة أخرى، الاستثناء هنا كان نجيب ساويرس وحزبه المصريين الأحرار. فالحزب حصد نحو 10 في المئة من المقاعد البرلمانية في انتخابات 2015، ما جعله أحد أكبر الكتل في هيئة تشريعية مفتتة للغاية. وثمة دلائل على أن النظام المدعوم من الجيش لم ير هذا التطور على نحو إيجابي، إذ لوحظ أن حزب المصريين الأحرار أُبقي خارج كتلة دعم مصر الموالية للسيسي. وقد اتهم رئيس هذه الكتلة البرلمانية الجديدة الموالية للنظام ساويرس باستخدام أمواله لإغراء سياسيين مستقلين بالانضمام إلى حزبه، كي تكون له أغلبية تمكنّه من تشكيل الحكومة.52وفي أواخر كانون الأول/ديسمبر 2016، أُبعِدَ ساويرس عملياً عن حزب المصريين الأحرار الذي أسّسه وموّله منذ العام 2001، حين ألغى الحزب مجلس الأمناء الذي كان ساويرس عضواً فيه. وقد اعتُبرت هذه الخطوة انقلاباً داخلياً نظمته أجهزة الأمن المصرية للحد من النفوذ السياسي لهذا الأخير.53 وقال أحد قادة هذه الحملة أن الجمعية العامة للحزب اتخذت قرارها لأن ساويرس رفض التقارب مع السلطات، وفضّل التشديد على دور الحزب كقوة معارضة في البرلمان.54

إخضاع القطاع الخاص لخطط الدولة

كان الملمح الثاني للتفاعل بين الدولة وبين رجال الأعمال النافذين بعد تموز/يوليو 2013، هي جهود الجيش لدفع الشركات الكبرى إلى ممارسة دور خاضع لتوجهات القيادة السياسية. وقد ظهر هذا بجلاء حين توقّع منهم المساهمة مالياً في المشاريع الكبرى وخطط التنمية. هكذا كان الحال، حين حثّ السيسي الشركات الخاصة الكبرى على المساهمة في "صندوق تحيا مصر". هذا الصندوق أُطلق في أواخر 2014 بعد انتخاب السيسي رئيساً بهدف جمع 100 مليار جنيه مصري (5.4 مليار دولار) لتمويل مشاريع الإنشاءات العامة.55لكن، حتى نهاية 2016، لم يكن الصندوق قد جمع أكثر من 6 مليارات جنيه مصري (324 مليون جنيه)، على رغم الحملات المكثّفة والدعم الرئاسي. وهذا أشعل توتراً بين القيادة السياسية وبين الشركات الكبرى التي خاطبها الرئيس مراراً وتكراراً ، خاصة في العام 2015 حين كانت توقعات التبرعات لاتزال عالية.56

دعم استثمار الشركات وخلق فرص العمل

أما الملمح الثالث في العلاقات بين الشركات الكبرى والدولة، بعد تولّي السيسي سدّة الرئاسة، فتمثّلت في مواصلة بذل الجهود لتشجيع الشركات، الكبيرة منها والصغيرة على السواء، على الاستثمار في الاقتصاد وخلق فرص عمل في أعقاب التباطؤ الاقتصادي الذي تلى انتفاضة العام 2011. ويُعتبر ذلك بمثابة تكرار لسلوك كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمين. واستتبع ذلك خلق مناخ مؤاتٍ للمستثمرين، من خلال منحهم شتّى أنواع الضمانات وحماية حقوق الملكية الخاصة.

عشية مؤتمر شرم الشيخ لجذب الاستثمار في آذار/مارس 2015، أقدمت الحكومة على تعديل قانون استثمار الصادر في 1997. ونصّ التشريع الجديد على تقديم مجموعة متنوّعة من الحوافز والتخفيضات الضريبية والإعفاءات إلى المستثمرين المحليين والأجانب. ومع بداية العام 2017، كان يجري تحضير قانون جديد لتقديم المزيد من الحوافز والضمانات إلى المستثمرين من القطاع الخاص. وأعقب هذان المرسومان قوانين أخرى صدرت سابقاً عن النظام المدعوم من الجيش في 2013 و2014 لوضع حدّ لعدم اليقين الاقتصادي الذي يؤثر بالسلب على الاستثمار.

على سبيل المثال، صدر مرسوم رئاسي للعام 2014 يحد من الحالات التي يمكن معها الطعن على العقود العامة أمام القضاء الإداري - سواء كانت تتعلق بشراء أراضٍ مملوكة للدولة أو شركات القطاع العام المخصخصة أو غيرها من الأصول-.57وقد كان هذا مصدراً رئيساً من مصادر اضطراب علاقات الملكية الخاصة لكبار المستثمرين منذ عهد مبارك، ومن أبرز هذه القضايا فسخ عقديْ تخصيص أراضٍ: الأول مع مجموعة طلعت مصطفى التي كانت قد اشترت الأرض لتطوير مشروع "مدينتي" السكني في العام 2009، والثاني مع رجل الأعمال السعودي الأمير الوليد بن طلال الذي مُنح مايعادل 100 ألف فدان في الصحراء الغربية بالقرب من خليج توشكي لاستصلاح الأراضي.58وفي الحالتين، اختارت الحكومة إعادة منح الأرض إلى المستثمريْن نفسيهما بموجب عقود جديدة صوّرتها الحكومة على أنها أكثر توازناً.59وقد تمّ الطعن بهذه العقود أمام المحاكم الإدارية، لكن ما أن صدر مرسوم العام 2014، أُقفلت جميع هذه القضايا.

منذ عهد مبارك، كانت هذه التحديات مصدر غموض بالنسبة إلى حقوق الملكية الخاصة. وقد تمّ إبطال عدد من العقود التي تنصّ على خصخصة شركات مملوكة للدولة، وشمل بعضها مستثمرين عرب، مع الإشارة إلى أن هذا المنحى ساد بشكل كثيف عقب انتفاضة العام 2011. مع ذلك، بعد تموز/يوليو 2013، حاول النظام المدعوم من الجيش إبطال هذه الطعون أمام المحكمة الإدارية.60

بيد أن محاولات الحكومة لطمأنة الشركات الكبرى، المحلية والأجنبية على السواء، وتحسين مناخ الأعمال لم تحقق سوى نجاح محدود حتى الآن. وإذا نظرنا إلى الأرقام، نجد أن إجمالي الاستثمارات، الذي يُقاس كنسبة مئوية من إجمالي تكوين رأس المال في الناتج المحلي الإجمالي، بلغ 14.2 في المئة في العام 2015، بالمقارنة مع 19.5 في المئة في العام 2010، أي قبل الانتفاضة.61 كما أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يُقاس كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، لم يتعافَ أيضاً، إذ هبط من 5.8 في المئة في العام 2009 إلى 2.1 في المئة في العام 2015. 62

يمكن تفسير استجابة المستثمرين الضعيفة بعدد من العوامل التي تشمل: نقصاً في العملات الأجنبية، ما دفع باقتصاد البلاد إلى الدخول في دوامة من النمو المتدني والتضخم المرتفع؛ وانحداراً في أسعار النفط أدّى إلى وضع حدّ للاستثمارات الخليجية؛ بالإضافة إلى التباطؤ الاقتصادي العالمي، والغموض حيال السياسات الاقتصادية الكلية للحكومة. وبعبارات سياسية، يمكن شرح ذلك بغياب القنوات الرسمية وغير الرسمية للتواصل وتنسيق السياسات التي كانت قائمة سابقاً بين الدولة وبين كبار رجال الأعمال في عهد مبارك، وبخاصةٍ خلال العقد الأخير من ولايته.

زيادة الدور الاقتصادي للجيش

برز اتجاه رابع في العلاقات بين الدولة والشركات الخاصة الكبرى بعد خلع مرسي، تمثّل بالدور المتنامي للجيش والشبكات المرتبطة به في النشاط الاقتصادي. فمنذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم، بدأ الجيش انخراطه في الإنتاج الاقتصادي المدني. وتمّ بموجب مرسوم جمهوري في العام 1979 تأسيس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، والذي يمتلك حالياً 21 شركة تعمل في مختلف القطاعات.63 لكن التوسّع الجلي لدور الجيش برز منذ سيطرة الجيش على السلطة في منتصف 2013، حين أقدمت الشركات التابعة للجيش، سواء كانت مملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية أو لهيئات عسكرية أخرى، على توسيع أنشطتها إلى حدّ كبير ودخول قطاعات اقتصادية جديدة، بما فيها الإسكان، وتربية الأسماك، وتصنيع اللقاحات وحليب الرضع، وحتى التعليم.64

كان للجيش، بعد أن أطلق السيسي مبادرة كبرى في العام 2014 لزيادة الوحدات المتاحة للإسكان الاجتماعي، دور محوري، من خلال ذراعه الهندسية، في تسليم الوحدات السكنية بالتعاون مع وزارة الإسكان. فقد سلّم 145 ألف وحدة في أيار/مايو 2016، وكلّفته الوزارة ببناء 145 ألف وحدة أخرى على أن يتمّ تسليمها خلال العام 2017.65

كما لعبت المؤسسة العسكرية دوراً أساسياً في بناء الطرقات، وتمّ تكليف وزارة الدفاع بعدد كبير من مشاريع بناء الطرق بين العاميْن 2015 و2016. وشملت تشييد الطريق الدائري الإقليمي الجديد الذي يربط مدن دلتا النيل، وبناء طريق القاهرة العين السخنة، وتطوير طريق القاهرة الإسماعيلية. يُذكر أن الجيش كان شارك أيضاً في توسعة طرق سريعة رئيسية أخرى، وفي تطوير البنى التحتية للطرق.66

كان لتعزيز دور الجيش الاقتصادي انعكاسات ملحوظة على العلاقة بين الدولة والشركات الكبرى، إذ أدّى إلى إعادة تشكيل شبكات المحسوبية التي كانت موجودة في عهد مبارك. فمنذ العام 2013، تعاقدت الدولة بشكل أساسي ويكاد يكون حصريا مع الشركات التابعة للجيش، عازلةً بذلك الشركات الخاصة الكبيرة عن العديد من عقود المشتريات العامة.67وقد ازدادت حدّة المنافسة على الأراضي المملوكة للدولة حينما دخلت المؤسسة العسكرية وشركاتها على خط قطاع التنمية العقارية، في الدرجة الأولى من خلال مشروع إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة. وفي العام 2016، خصّص مرسوم جمهوري 16 ألف فدان لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، وهو الوكالة العسكرية المسؤولة عن إدارة الأراضي التي تملكها القوات المسلحة، من أجل تطوير العاصمة الجديدة في المستقبل. ومنح المرسوم الجيش أيضاً حق تأسيس شركات تهدف للربح وبالشراكة مع شركات مصرية أو أجنبية خاصة.68

يجري تحويل العقود العامة والأراضي المملوكة للدولة والمخصّصة لإقامة مشاريع استثمارية تدريجياً إلى هيئات وشركات تابعة للجيش، مايزيد حصصها السوقية. ويُرجّح أن يحمل هذا الأمر آثارا إيجابية، وغير مقصودة في الغالب، على الاقتصاد السياسي للشركات الخاصة الكبرى، عبر تفكيك علاقات التبعية القديمة التي كانت تربطها بالدولة، والتي انتشرت على نطاق واسع بعد أن أطلقت مصر عملية التحوّل إلى اقتصاد السوق في منتصف السبعينيات.

لكن إعادة تشكيل شبكات المحسوبية لم تُهمِّش بالكامل الشركات الكبرى في منح عقود المشتريات العامة. إذ ظلّ النظام المدعوم من الجيش ينظر إلى الشركات الكبيرة المتخصصة في قطاعات معينة، تحديداً، على أنها أساسية ولاغنى عنها لتحقيق مشاريعه الكُبرى. وكانت النتيجة أن مُنحت بعض هذه المشاريع إلى شركات مثل "السويدي إليكتريك" وشركة أوراسكوم للإنشاء والصناعة. وتُعتبر شركة السويدي أكبر منتج للكابلات الكهربائية في مصر والشرق الأوسط، إذ بلغت إيراداتها 19 مليار جنيه مصري (1.1 مليار دولار) في العام 2015. وقد تم التعاقد مع شركة أوراسكوم للإنشاء والصناعة، التي بلغت إيراداتها السنوية 48 مليار جنيه مصري (2.7 مليار دولار)69في العام 2014، لبناء المقر الجديد لوزارة الداخلية في العاصمة الإدارية الجديدة بتكلفة مليار جنيه مصري (53.1 مليون دولار)،70وأيضاً لحفر ستة أنفاق في أسفل قناة السويس. ومن المُلفت أن التوتّر الذي يشوب العلاقة بين النظام وعائلة ساويرس لم يُلق بظلاله على آفاق التعاون الراسخ منذ ردح طويل من الزمن بين الدولة وشركة أوراسكوم، ولم يعرقل تنفيذ مشاريع الأعمال العامة.

على العموم، بقي النظام مصرّاً، في السنوات التي أعقبت حيازة الجيش للسلطة في تموز/يوليو 2013، على عدم السماح للقطاع الخاص الكبير ورجال الأعمال المالكين له بالاضطلاع بدور سياسي مباشر، أو حتى بأن يؤثّروا في عملية صوغ السياسات الاقتصادية. ولاتزال جذوة التوتر متأجّجة بين الشركات الكبرى والدولة، نظراً إلى النفوذ الكبير الذي تتمتع به السلطة التنفيذية، فضلاً عن غياب التمثيل الرسمي وغير الرسمي لمصالح الشركات الكُبرى في النظام، ناهيك عن منح المزيد من العقود العامة إلى شركات مملوكة للجيش. وقد حدّ فقدان الثقة بين الطرفين من مقدار تجاوب رجال الأعمال مع المبادرات التي أطلقتها الحكومة، وأثار الشكوك حيال مستقبل العلاقة بين الشركات الكبرى والدولة.

خاتمة: ما مستقبل الشركات الكبرى في مصر؟

منذ اندلاع الانتفاضة المصرية في العام 2011، تشهد العلاقات بين الشركات الكبرى الخاصة والدولة تحوّلات عميقة، يُحتمل أن تخلّف تداعيات واسعة النطاق على مستقبل الاقتصاد السياسي في مصر. وعند هذا المنعطف المحفوف بالمخاطر الذي تشهده البلاد، تُسهم الأزمة الاقتصادية الراهنة وعملية إعادة بناء السلطة السياسية في أعقاب ثورة يناير وما تلاها من تطورات، في إعادة رسم معالم العلاقة بين الشركات الخاصة الكُبرى والدولة.

تميّزت هذه العلاقة بثلاث سمات رئيسية. أولاً، تضاؤل الدور السياسي لرجال الأعمال الذين كانوا نافذين في عهد نظام مبارك، وكذلك تراجع قدرتهم على التأثير في صوغ السياسات العامة للدولة وتطبيقها. ثانياً، تم تدريجياً استبعاد الشركات الخاصة الكبرى من التماس الريع ومن شبكات المحسوبية، لصالح شخصيات جديدة مقرّبة من النظام المدعوم من الجيش. ثالثاً، وعلى الرغم من الانتكاسات التي تكبّدتها الشركات الكبرى، إلا أنها لاتزال تتمتع بثقلٍ اقتصادي كبير وتُعتبر أساسية لتعافي الاقتصاد المصري. تلعب هذه الشركات دوراً بارزاً في تحريك عجلة النمو الاقتصادي وزيادة حجم الصادرات وتعزيز قطاع السياحة، مايوفّر العملة الصعبة التي تُعدّ البلاد في أمسّ الحاجة إليها. وهي تُسهم أيضاً في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتطوير التقنيات العالية وإنعاش القطاعات التي تتطلّب رؤوس أموال كبيرة، ما يؤدّي إلى خلق فرص العمل. تمارس هذه الشركات تأثيراً كبيراً وحيوياً على الاستقرار الاجتماعي في بلدٍ ذي كثافة سكانية عالية مثل مصر. لذا، من الضروري أن تهيّئ الحكومة الظروف الملائمة للشركات الخاصة الكبرى كي تعمل بشكلٍ سويّ وتحقّق الازدهار، بغضّ النظر عن نفوذها السياسي المباشر.

في غضون ذلك، أصبحت الشركات الكبرى المصرية أكثر وعياً للمخاطر الكبيرة التي قد تنجم عن التقارب على نحو وثيق للغاية مع السلطة السياسية، وعن ممارسة نفوذ واضح على السياسات العامة لتحقيق مصالح محدّدة. وقد شكّل التمازج والتداخل بين السلطة العامة والثروات الخاصة خلال العقد الأخير لحكم مبارك، أحد العوامل الرئيسة في شنّ حملة عنيفة على العديد من رجال الأعمال النافذين ومحاكمتهم في أعقاب الإطاحة بمبارك. وقد يدفع هذا الوعي في السنوات المُقبلة الشركات الكبرى إلى حصر نفوذها ونشاطها السياسي في مجال تمثيل مصالح القطاع – سواء جمعيات رجال الأعمال أو غرف التجارة والصناعة - بدلاً من السعي إلى تبوّؤ مناصب وزارية أو برلمانية.

على الرغم من إعادة تشكيل شبكات المحسوبية لصالح مستفيدين جدد، إلا أن الشركات الكبرى التي استفادت في عهد مبارك لن تُستبدَل بشركات جديدة. فبفضل حجمها الهائل وشبكة علاقاتها العالمية الواسعة، أثبتت هذه الشركات أنها قادرة على البقاء والاستمرار، على الرغم من استبعادها من الملاذات والمصادر الريعية بعد العام 2011. لذلك، قد تنشأ طبقة جديدة من الشركات التي تحظى بعلاقات جيدة مع الوسط السياسي، لتنضم إلى قافلة الشركات القديمة الراسخة، وقد تتعايش معاً لفترةٍ من الزمن. لكن ظهور شبكات من الشركات الجديدة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع النظام الحالي وبالقدرة على الوصول إلى مصادر الريع والسلطة، قد يفاقم التوتر بينها وبين الشركات الكبرى القائمة منذ عهد مبارك. وقد يدفعها ذلك إلى اعتماد أجندة تضع في صلب أولوياتها تعزيز الشفافية، واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص للجميع، والحدّ من تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصادية. لكن من السابق لأوانه معرفة ما إذا سيتحقّق ذلك على وجه اليقين.

لكن، وكيفما جرت الأمور، فإن المفارقة الكامنة في الوضع الراهن – والمتمثّلة في اعتبار كبريات الشركات الخاصة من عهد مبارك أساسية للنهوض بالاقتصاد المصري، فيما قدرتهم على التأثير في سياسات البلاد مقيّدة ومحدودة – قد تصبح ضعيفة وواهنة على نحو مطّرد. إذ سيتضاءل اعتماد الشركات الكبرى على العلاقات السياسية لتحقيق الربح والحصول على الريع وحصص في السوق. فمسار بعضها المتجاوز للجنسية سيحصنها نحو متزايد سيحصّنها ضد الاضطرابات التي تعتمل في البلاد، وسيبدأ رجال الأعمال النافذون باستغلال التأثير الذي تمارسه شركاتهم على الانتعاش الاقتصادي لتحقيق أجنداتهم الخاصة. وفيما تتوالى كل هذه التطورات، يُرجّح أن يتعاظم دور الشركات الكبرى أكثر فأكثر.

لكن حتى يتمكّن رجال الأعمال من تحديد إطار تعاملهم مع الدولة، لا بدّ من تدارك المخاطر التي كانت متربّصة بهذه العلاقة في السابق. وهذا يتطلّب أيضاً التوصّل إلى فهم أشمل للطرق التي يستطيع من خلالها القطاع الخاص – والشركات الكبرى تحديداً – البناء على مساهماته في الاقتصاد المصري والإفادة منها، بعيداً عن ممارسات المحاباة والمحسوبية التي كانت مستفحلة في السابق. إن بناء علاقة أكثر توازناً بين الشركات والدولة سيصبّ في صالح الجانبين معاً، وسيحثّهما على بلورة أطر مؤسسية تستند إلى أسس التعاون المشترك. وسيجني الاقتصاد المصري حتماً ثمار ذلك.

هوامش

استناداً إلى الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون دون خط الفقر في مصر (أي الذين يجنون أقل من دولارين في اليوم)، من 21.8 في المئة خلال 2008-2009 إلى 27.8 في المئة في 2015، وهي النسبة الأعلى منذ العام 2000. انظر مدحت وهبة، "الإحصاء: 27% من سكان مصر لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية.. ونسبة الفقر هى الأعلى منذ عام 2000.. وسوهاج وأسيوط أكثر المحافظات فقرا بنسبة 66%.. و11.8 مليون مواطن ينفقون أقل من 333 جنيها شهرياً"، اليوم السابع، 26 تموز/يوليو 2016، http://www.youm7.com/story/2016/7/26/الإحصاء-27-من-سكان-مصر-لا-يستطيعون-الوفاء-باحتياجاتهم-الأساسية/2816823

“Output Structure at Factor Cost 1991-2012,” Central Bank of Egypt, 2016, http://www.cbe.org.eg/_layouts/xlviewer.aspx?id=/Time%20Series%20Documents/GDP/GDP%20at%20factor%20cost%20(constant)/GDP_factor%20cost_Constant%20prices_Annual.xlsx&DefaultItemOpen=1.

3 Adam Hanieh, Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East (Chicago: Haymarket Books, 2013), 52. 

4 International Bank for Reconstruction and Development, From Privilege to Competition: Unlocking Private-Led Growth in the Middle East and North Africa (Washington, DC: World Bank, 2009), 26.

“Output Structure at Factor Cost 1991-2012,” Central Bank of Egypt, 2016, http://www.cbe.org.eg/_layouts/xlviewer.aspx?id=/Time%20Series%20Documents/GDP/GDP%20at%20factor%20cost%20(constant)/GDP_factor%20cost_Constant%20prices_Annual.xlsx&DefaultItemOpen=1.

6 "إجمالي تكوين رأس المال (% من إجمالي الناتج المحلي)"، البنك الدولي، 2016، http://data.albankaldawli.org/indicator/NE.GDI.TOTL.ZS

7يشمل هذا المعدّل: The Talaat Mustapha Group; Orascom Construction Industries (OCI) (“2014 Results Presentation,” OCI, April 29, 2015, http://www.oci.nl/media/cms_page_media/246/OCI%20N.V.%20FY%202014%20Results%20Presentation%2029%20April%202015.pdf); Orascom Development Holding (“FY 2014 Results,” Orascom Development, April 14, 2014, https://www.orascomdh.com/uploads/media/ODH_FY_2014_Presentation.pdf); Sixth of October for Development and Investment Company; Qalaa Holdings (“2013: A Year of Transformation,” Qalaa Holdings (“2013: A Year of Transformation,” Qalaa Holdings, http://www.qalaaholdings.com/publications-files/Files/QH-AR13-A.pdf); EFG Hermes (“Annual Report 2015: Banking on Human Capital,” EFG Hermes, http://www.efghermes.com/en/InvestorRelations/Annual%20Reports/EFG%20Hermes%20Annual%20Report%202015.pdf); Ezzsteel (“Ezzsteel Reports Consolidated F& 2014 Results,” Ezzsteel, June 3, 2015, http://www.ezzsteel.com/documents/ezzsteel_cons_2014-_final_version___release__ezzsteel.com_.pdf); Elsewedy Electric, Palm Hills Developments; and Oriental Weavers, and was calculated by the author.

“Two Families Dominate Egypt Rich List: Forbes,” Ahram Online, March 4, 2014, http://english.ahram.org.eg/NewsContent/3/12/95866/Business/Economy/Two-families-dominate-Egypt-rich-list-Forbes.aspx; see also “The World’s Richest Arabs 2015: #8: Mohamed Mansour,” Forbes Middle East, 2015, http://www.forbesmiddleeast.com/en/lists/people/pname/mohamed-mansour/pid/83734/; and “The World’s Richest Arabs 2015: #16: Youssef Mansour,” Forbes Middle East, 2015, http://www.forbesmiddleeast.com/en/lists/people/pname/youssef-mansour/pid/89097/.

9 مقابلة أجراها المؤلف مع محمود العربي (رئيس مجلس إدارة مجموعة العربي)، قويسنا، مصر، 19 أيار/مايو 2016.

10 للاطلاع على المزيد من المعلومات حول القلعة القابضة، قم بزيارة موقع الشركة الإلكتروني، http://www.qalaaholdings.com/ar/industries/energy

11"2013: عام التحولات والإنجازات"، شركة القلعة القابضة، http://www.qalaaholdings.com/publications-files/Files/QH-AR13-A.pdf

12  “An Egyptian Success Story: from Family Business to Regional Player,” Ghabbour Auto, 2014, http://www.ghabbourauto.com/GB_Company_Profile.pdf.

13 "ماكدونالدز مصر"، https://www.mcdonaldsegypt.com/ar/page/page/310

14 قام المؤلف باحتساب النسب المئوية استناداً إلى: “Time Series: Egypt,” World Trade Organization, http://stat.wto.org/StatisticalProgram/WSDBViewData.aspx?Language=E

15 Rola El Kabbani and Christian Kalhoefer, “Financing Resources for Egyptian Small and Medium Enterprises,” German University in Cairo Faculty of Management Technology, April 2011.

16Hanieh, Lineages of Revolt, 63 and 92. 

17البنك المركزي المصري، التقرير السنوي (القاهرة: البنك المركزي المصري، 2001 - 2014). 

18Lois Stevenson, Private Sector and Enterprise Development: Fostering Growth in the Middle East and North Africa (Northampton, MA: Edward Elgar publishing, 2011), 120.

19Roberto Rocha et al., “The Status of Bank Lending to SMEs in the Middle East and North Africa Region: The Results of a Joint Survey of the Union of Arab Banks and the World Bank,” World Bank and Union of Arab Banks, June 2010.

20“Consolidated Pro Forma Financial Statements: For the Financial Period From Inception on 1 January 2006 to 31 December 2006,” El Sewedy Cables Company, 2006, http://www.elsewedyelectric.com/Investor%20Relations/Financial/Consolidated%20Financial%20Statement%20for%20the%20period%20of%20Jan-Dec%2006.pdf, 19.

21 المصدر السابق، ص. 22.

22 سامر سليمان، "المشاركة السياسية في الانتخابات النيابية 2005"، (مفوضية الاتحاد الأوروبي في القاهرة، 2006).

23 استخدم هذا المصطلح الباحث الراحل سامر سليمان. انظر سامر سليمان، "النظام القوي والدولة الضعيفة : إدارة الأزمة المالية والتغيير السياسي في عهد مبارك" (القاهرة: دار ميريت للطبع والنشر والتوزيع، 2005)، ص. 250.

24 جهاز حماية المنافسة، تقرير حول مجموعة العز، (القاهرة: جهاز حماية المنافسة، 2012)، ص. 14، http://www.eca.org.eg/ECA/Upload/Publication/Attachment_A/42/steel%202%20public%20report.pdf

25Amr Adly, “Triumph of the Bureaucracy: A Decade of Aborted Social and Political Change in Egypt,” Jadaliyya, January 31, 2015, http://www.jadaliyya.com/pages/index/20708/triumph-of-the-bureaucracy_a-decade-of-aborted-soc.

26 "المغربى" ينفي التلاعب فى إجراءات تخصيص ١١٣ فداناً لشركته.. وقرار الحبس يصيبه بالصدمة والغضب"، المصري اليوم، 19 شباط/فبراير 2011، http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=288356

27 محمد العالم، "بعد قرار النائب العام بالتحفظ على أموال رجل الأعمال محمود الجمال وآخرين.. تأجيل أولى جلسات نظر القرار للغد"، اليوم السابع، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، http://www.youm7.com/story/2015/11/10/بعد-قرار-النائب-العام-بالتحفظ-على-أموال-رجل-الأعمال-محمود/2433662

28 "السيسي: حزمة قوانين جديدة لتشجيع الاستثمار والقضاء على ظاهرة "الأيدي المرتعشة""، الوطن، 6 حزيران/يونيو 2014، http://www.elwatannews.com/news/details/496975

29 “Egypt’s Five Year Macroeconomic Framework and Strategy FY14/15-FY18/19” (presented at the Egypt Economic Development Conference, March 13–15, 2015, Sharm al-Sheikh, Egypt) Egyptian Ministry of Finance, 2015, 21.

30 "المذكرة المقدمة من 3 منظمات حقوقية بشأن مرسوم حظر الاضراب"، المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 20 أيلول/سبتمبر 2011، http://ecesr.org/2011/09/20/المذكرة-المقدمة-من-3-منظمات-حقوقية-بشأن/

31 فاطمة رمضان وعمرو عادلي، "السلطوية منخفضة التكاليف: نظام السيسي والحركة العمالية في مصر منذ العام 2013"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 17 أيلول/سبتمبر 2015، http://carnegie-mec.org/2015/09/17/ar-pub-61311

32 أشرف عزوز وهاني عثمان، "العمال يستردون شركات القطاع العام بعد خصخصة حكومات مبارك لها.. وحكومتا الثورة ترفضان وتطعنان على الأحكام"، اليوم السابع، 29 نيسان/أبريل 2012، http://www.youm7.com/story/2012/4/29/العمال-يستردون-شركات-القطاع-العام-بعد-خصخصة-حكومات-مبارك-لها-/665497

33 "في مذكرة إلى اللجنتين التشريعية والاقتصادية: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تطالب مجلس الشعب بإلغاء مرسوم عسكري يجيز التصالح في جرائم العدوان على المال العام"، بيان صحافي، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 22 شباط/فبراير 2012، http://eipr.org/pressrelease/2012/02/22/1376

34 "نقابي: عمال بشركة سيراميكا كليوباترا يعاودون الإضراب بعد فشل مفاوضات مع الإدارة"، أصوات مصرية، 12 آذار/مارس 2014، http://www.aswatmasriya.com/news/details/7413

35 وليد مجدي وهيثم الشرقاوي، "عمال "سيراميكا كليوباترا" يتحفظون على مصنع السويس لحين تسليمه لـ"لجنة" مرسي"، المصري اليوم، 6 تموز/يوليو 2012، http://www.almasryalyoum.com/news/details/194746 وأيضاً: "أبو العينين: مصانع كليوباترا مازالت تحت إدارتي.. والرئيس لم يتصل بي"، اليوم السابع، 6 تموز/يوليو 2012، http://www.youm7.com/story/2012/7/6/أبو-العينين-مصانع-كليوباترا-مازالت-تحت-إدارتى-والرئيس-لم-يتصل/724747

36 هبة البيه، "الإدارة الذاتية للمصانع: مطلب عمالي وتخوفات حكومية"، البديل، 29 آذار/مارس 2015، http://elbadil.com/2015/03/29/الإدارة-الذاتية-للمصانع-مطلب-عمالى-وت/

37 "جدل حول "قوائم قبطية" بانتخابات مصر"، سي.إن.إن بالعربية، 22 كانون الأول/ديسمبر 2011؛ وأيضًا: طلعت المغربي، "أصوات الأقباط حققت مفاجأة الحصان الأسود في الانتخابات المصرية"، العربية، 1 كانونا لأول/ديسمير 2011.

38 "البنك المركزي: الاحتياطي الأجنبي المصري وصل لحده الأدنى"، العربية، 30 كانون/الأول 2012، https://www.alarabiya.net/articles/2012/12/30/257747.html

39 مقابلة أجراها المؤلف مع مصدر مرتبط بالجمعية المصرية لتنمية الأعمال، طلب عدم الكشف عن اسمه، القاهرة، مصر، 4 آذار/مارس 2014.

40 Amr Adly, “Between Social Populism and Pragmatic Conservatism,” in Egypt’s Revolutions, eds. Bernard Rougier and Stéphane Lacroix (New York: Palgrave Macmillan, 2016), 61–78.

41 صالح ابراهيم، "رجال أعمال "الحزب الوطني المنحل" على رأس الوفد المرافق للرئيس فى زيارة الصين"، الوطن، 27 آب/أغسطس 2012، http://www.elwatannews.com/news/details/41964

42 مقابلة أجراها المؤلف مع مصدر مرتبط بالجمعية المصرية لتنمية الأعمال، طلب عدم الكشف عن اسمه، القاهرة، مصر، 4 آذار/مارس 2014.

43 "حكومة "قنديل" توافق على تعديلات قانونية جديدة للتصالح مع المستثمرين"، المصري اليوم، 15 أيار/مايو 2013، http://www.almasryalyoum.com/news/details/316809

44 شيماء رشيد، "لجنة فحص التهرب الضريبي: 14 مليار جنيه مبالغ مستحقة على "آل ساويرس""، الشروق، 7 آذار/مارس 2013، http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=07032013&id=0de0186f-b174-4f03-a6a1-c7f07936ce2b

45 مجدي سلامة، "تفاصيل تصالح "آل ساويرس" مع الضرائب"، الوفد، 22 نيسان/أبريل 2013، http://alwafd.org/اقتصاد/449795-تفاصيل-تصالح-آل-ساويرس-مع-الضرائب

46 فتحية الدخاخني، "الرئاسة: إيفاد مندوب لاستقبال عائلة "ساويرس" رسالة إيجابية"، المصري اليوم، 3 أيار/مايو 2013، http://www.almasryalyoum.com/news/details/311902 وأيضاً: يوسف العمومي وهشام ياسين، "مندوب من الرئاسة يستقبل نجيب وأنسي ساويرس في مطار القاهرة"، المصري اليوم، 3 أيار/مايو 2013، http://www.almasryalyoum.com/news/details/311743

47 Bob Dreyfuss, “Egypt’s Fake Mass Rebellion?,” Nation, July 11, 2013, https://www.thenation.com/article/egypts-fake-mass-rebellion/; Ben Hubbard and David D. Kirkpatrick, “Sudden Improvements in Egypt Suggest a Campaign to Undermine Morsi,” New York Times, July 10, 2013, http://www.nytimes.com/2013/07/11/world/middleeast/improvements-in-egypt-suggest-a-campaign-that-undermined-morsi.html?_r=0.

48 مقابلة أجراها المؤلف مع مصدر مرتبط بالحزب الوطني الديمقراطي المنحل، طلب عدم الكشف عن اسمه، القاهرة، مصر، 14 أيار/مايو 2014.

49 عصمت كاظم، ""الفطيم" تجهض مخطط "الشاطر" للسيطرة على تجارة التجزئة"، الوطن، 2 تموز/يوليو 2013، http://www.elwatannews.com/news/details/215939

50 خالد حسني، ""الشاطر" يعتزم تأسيس أسطول للطيران في مصر"، العربية، 11 آذار/مارس 2013، http://www.alarabiya.net/ar/aswaq/2013/03/11/-الشاطر-يعتزم-تأسيس-أسطول-للطيران-في-مصر.html

51 "استبعاد أحمد عز من الترشح للانتخابات البرلمانية بمصر"، الجزيرة، 22 شباط/فبراير 2015، http://www.aljazeera.net/news/arabic/2015/2/22/استبعاد-أحمد-عز-من-الترشح-للانتخابات-البرلمانية-بمصر

52 هبة عبدالستار، ""في حب مصر" تتهم ساويرس باستخدام المال لجذب المستقلين لتشكيل الحكومة.. و"المصريين الأحرار": لا تعليق"، الأهرام، 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، http://gate.ahram.org.eg/News/790916.aspx

53 محمد نصار، "ببصمات أمنية.. ساويرس مطرود من جنة المصريين الأحرار"، مصر العربية، 1 كانون الثاني/يناير 2017، http://www.masralarabia.com/الحياة-السياسية/1336831-كيف-أطاحت-الدولة-بساويرس-من-حزبه؟

54 هدى رشوان، ""الوطن" تكشف الكواليس الكاملة لخلافات "ساويرس" و"المصريين الأحرار""، 30 كانون الأول/ديسسمبر 2016، http://www.elwatannews.com/news/details/1732517

55 "السيسي لرجال الأعمال: لا يكفيني 50 مليار جنيه.. والتبرعات 6 مليارات فقط"، مصر العربية، 14 تموز/يوليو 2014، http://www.masralarabia.com/اقتصاد/311425-السيسي-لرجال-الأعمال-لا-يكفيني-50-بليون-جنيه-والتبرعات-6-بلايين-فقط

56 ياسر عبدالعزيز، "هتدفعوا يعني هتدفعوا"، الوطن، 10 أيلول/سبتمبر 2015، http://www.elwatannews.com/news/details/802744

57 "تحصين عقود الدولة .. حماية لفساد الإدارة أم حفاظ على حقوق المستثمرين"، موقع الأهرام، 30 أيار/مايو 2014، http://www.ahram.org.eg/News/21198/107/290816/مع-القانون/تحصين-عقود-الدولة--حماية-لفساد-الإدارة-أم-حفاظ-على.aspx 58 Amr Adly, “Mubarak (1990–2011): A State of Corruption,” Arab Reform Initiative, March 19, 2012, 8–10.

59 "الحكومة المصرية تحسم قضية أراضي توشكى وتوقع العقد الجديد بحضور الوليد"، العربية، 7 حزيران/يونيو 2011، https://www.alarabiya.net/articles/2011/06/07/152235.html

60 "قانون تحصين العقود ينهى أزمة عودة شركات الخصخصة للدولة"، موقع اليوم السابع، 22 كانون الثاني/يناير 2016، http://www.youm7.com/story/2016/1/22/قانون-تحصين-العقود-ينهى-أزمة-عودة-شركات-الخصخصة-للدولة-المراجل/2550820

61 "الاستثمار الأجنبي المباشر، صافي التدفقات الوافدة (ميزان المدفوعات، بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي)"، البنك الدولي، 2016، http://data.albankaldawli.org/indicator/BX.KLT.DINV.CD.WD?locations=EG&view=chart; و"إجمالي الناتج المحلي (القيمة الحالية بالدولار الأمريكي): مصر 2005-2015"، البنك الدولي، 2016، http://data.albankaldawli.org/indicator/NY.GDP.MKTP.CD?locations=EG&view=chart; وقد أجرى المؤلف الحسابات.

62 "إجمالي تكوين رأس المال (% من إجمالي الناتج المحلي): مصر 2008-2015"، البنك الدولي، 2016، http://data.albankaldawli.org/indicator/NE.GDI.TOTL.ZS?locations=EG&view=chart

63 جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، http://www.nspo.com.eg

64 لينا عطاالله ومحمد حمامة، "هذه هي القطاعات الاقتصادية التي دخلها الجيش في 12 شهراً"، موقع مدى مصر، 9 أيلول/سبتمبر 2016،http://www.madamasr.com/ar/2016/09/03/feature/اقتصاد/هذه-هي-القطاعات-الاقتصادية-التي-دخلها/

65 أحمد فرهود، أسماء لطفي، خالد الريس، منى علام، "ننشر تفاصيل افتتاح 32 مشروعا جديدا نفذتها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بمدينة بدر"، شبكة الإعلام العربية، 12 أيار/مايو 2016، http://www.moheet.com/2016/05/12/2424552

66 "المشاريع القومية"، وزارة الدفاع المصرية، http://www.mod.gov.eg/Mod/Mod_EAA.aspx

67 محمود الواقع، "بالأمر المباشر: القوات المسلحة تسيطر على تنفيذ المشروعات العامة"، شبكة يناير، 9 آذار/مارس 2016.

68 ليلى صواف، "الجيش وأراضي العاصمة الجديدة"، 7 آذار/مارس 2016، http://www.madamasr.com/ar/contributor-profile/ليلى-صواف

69 “Annual Report 2014: Global Entrepreneurial Growth,” OCI N.V., 2014, http://www.oci.nl/media/cms_page_media/246/OCI%20N.V.%202014%20Annual%20Report%20Finalf.pdf, 3.

70 محمود عسكر، ""أوراسكوم للإنشاء" تحصل على مشاريع جديدة فى مصر بـ1.5 مليار جنيه"، اليوم السابع، 17 تموز/يوليو 2013، www.youm7.com/story/2013/7/17/أوراسكوم-للإنشاء-تحصل-على-مشاريع-جديدة-فى-مصر-بـ1-5/1165652