في أعقاب انفتاح ديمقراطي قصير المدى بين عامي 2011 و2013، عاد الحكم السلطوي إلى مصر. منذ انقلاب صيف 2013، تحكم المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية البلاد وتواصل مع حلفائها في نخب الأعمال والإعلام فرض الخوف على المواطنين. يحدث ذلك في سياق انقضاض كامل على الوضعية التي صنعتها ثورة 25 يناير 2011 بما تضمنته من مشاركة شعبية واسعة ونشاط بين للمجتمع المدني والأحزاب السياسية وممارسة للحرية التعبير عن الرأي والتنظيم.

مجددا، عاد ممثل المؤسسة العسكرية للجلوس على المقعد الرئاسي بعد انتخابات (الانتخابات الرئاسية 2014) خلت من المنافسة الديمقراطية. تراجعت مشاهد المظاهرات السلمية في الشوارع والميادين واختفت الصفوف الطويلة للناخبين أمام مراكز الاقتراع، وحلت محلها إما لقطات خاطفة لإلقاء الأجهزة الأمنية القبض على شباب يشاركون في احتجاجات سلمية أو تقارير مفزعة عن انتهاكات متراكمة لحقوق الإنسان من الاختفاء القسري والقتل خارج القانون إلى التعذيب في أماكن الاحتجاز، موظفين لأدوات قانونية غير ديمقراطية وبعنف رسمي مفرط لم يحضر خلال معظم فترات الحكم السلطوي الممتد للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك (1981ـ 2011)، يغلق جنرالات مصر اليوم الفضاء العام بقمع منظمات المجتمع المدني المستقلة وبتعقب الأحزاب السياسية غير المنضوية تحت لواء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. ويلغون أيضا السياسة بمضامينها التعددية، ويدفعون المواطنين بعيدا عن المشاركة السلمية والفعالة في الشأن العام ويحيلونهم إلى ما يشبه المنفى الداخلي. ولا تنفصل عن ذلك الانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان والحريات التي تبلغ اليوم معدلات غير مسبوقة في مصر المعاصرة.

ولأن جنرالات مصر ومعهم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لا يرغبون فقط في التعويل على القمع المباشر، فإنهم ومنذ 2013 يتجهون إلى صناعة إطار مؤسسي لحكمهم السلطوي يعتمد على الأدوات القانونية التي تحرم المصريين من حقوقهم وحرياتهم وتباعد بينهم وبين مطالب ثورة يناير 2011 المتمثلة في حكم القانون والحكومة المنتخبة ديمقراطيا والخاضعة لإجراءات المساءلة والمحاسبة. بل يضيف الجنرالات إلى الأدوات القانونية التي يوظفونها محاولات دؤوبة لتزييف وعي الناس من خلال أحاديث المؤامرات الكبرى وقوائم المتآمرين والمقولات الشعبوية التي تسفه السياسة والنخب المدنية وتزعم أن الجنرالات هم وحدهم أصحاب القدرة على تحقيق الأمن والتعافي الاقتصادي والاجتماعي، ويلتقي تزييف وعي الناس هذا مع القمع المباشر والقمع غير المباشر من خلال الأدوات القانونية في التمكين للسلطوية الجديدة. تمكنت السلطوية الحاكمة في مصر، إذا، من إغلاق الفضاء العام وإلغاء السياسة عبر قمع المجتمع المدني وتعقب النفر القليل من الأحزاب العلمانية المعارضة واستخدام عنف الدولة المنظم ضد حركات الإسلام السياسي المعارضة. وقد مكنت السلطوية ليد القمع المباشر المرتبطة بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وأصدرت مئات القوانين والتعديلات القانونية التي جعلت من القمع غير المباشر مكونا أساسيا في العلاقة بين الحكم والمواطنين، وجاءت ببرلمان تابع لا يرفض لها تمرير القوانين أو غض الطرف عن الممارسة الجادة لصلاحياته الرقابية. أما الإعلام العام والخاص المسيطر عليه أمنيا، فيروج لنظريات المؤامرة والمقولات الشعبوية التي تبرر للصلاحيات الواسعة لجنرالات المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتسفه من المطالب الديمقراطية.

في مواجهة الحملة الضارية للقمع المباشر وغير المباشر والمستمرة منذ صيف 2013 وإلى اليوم، فقد العديد من الأحزاب والحركات السياسية الأمل في استعادة مسار تحول ديمقراطي حقيقي أو قنعوا بصعوبة تغيير الأوضاع الراهنة.

وفقا لقراءة تلك الأحزاب والحركات، تكاد تنعدم فرص دفع مصر باتجاه ديمقراطي كما فرص الحد من انتهاكات حقوق الإنسان والحريات المتراكمة. لذا، تبدو وضعية مصر للوهلة الأولى وكأنها تدلل على نصر ساحق للسلطوية الحاكمة التي فرضت تفسيرها لثورة يناير 2011 كمؤامرة للفوضى والقضاء على الدولة وكمسبب لتدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في البلاد.

للوهلة الأولى تبدو مصر خالية من الحيوية بعد انتفاضة ديمقراطية ملهمة وحياتها السياسية خاوية إلا من سلطوية قوية ومتنفذة هجرت المواطن بعيدا عن الفضاء العام وقضت على المجتمع المدني والمعارضة وأخضعت المجتمع.

غير أن السلطوية الجديدة لم تتمكن إلى اليوم من القضاء على حيوية الحراك المجتمعي في مساحات بعيدة عن السياسة والأحزاب، ذلك الحراك الذي أعاد اكتشاف مساحات كان لها في الماضي القريب دور هام في منازعة الحكم السلطوي في مصر كالنقابات المهنية التي رفعت في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين لواء حرية التنظيم، وكمجموعات الطلاب في الجامعات التي سبق لها في الستينيات والسبعينيات أن واجهت حكم الفرد وانتهاكات حقوق الإنسان.

لم تتمكن السلطوية من القضاء على حيوية الحراك الجديد الذي تقوده أيضا مجموعات من الفاعلين الشباب في مبادرات القضية الواحدة التي تدافع عن كرامة وحقوق ضحايا الانتهاكات وفي حركات عمالية نشيطة لا يهاب أفرادها القمع الحكومي المستمر والإحالة المتصاعدة إلى المحاكم العسكرية. بل أن الحراك الجديد أجبر السلطوية في بعض الأحيان على تقديم التنازلات، تارة بإحالة منتهكي حقوق الإنسان من عناصر الأجهزة الأمنية إلى القضاء للمساءلة والمحاسبة، وتارة بتنفيذ بعض مطالب الاستقلال النقابي قبل الانقلاب عليها، وتارة ثالثة بالاستجابة إلى مطالب العمال ذات الصلة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولم يعدم المواطنون الذين خرجوا إلى الفضاء العام اعتراضا على عنف الأجهزة الأمنية السبل لإجبار السلطوية على الاعتذار العلني. فقد أنهت الاحتجاجات العفوية للأهالي فاعلية سياسات الإنكار والصمت الحكومية على العنف الرسمي، ورفعت الكلفة المجتمعية لجرائم وانتهاكات الأجهزة الأمنية، وأجبرت السلطوية الجديدة على قدر من التراجع الوقتي عن الاستخدام العنيف لأدوات القمع المباشر وغير المباشر وفرضت عليها شيئا من الخوف من غضبة شعبية جارفة.

بالقطع، لم يهز الحراك المجتمعي الجديد عرش الجنرالات الحاكمين بعد. إلا أنه يخلق الفرص الأوسع لمنازعة السلطوية في مصر واستعادة شيء من الحرية في الفضاء العام وشيء من التعددية في الحياة السياسية في أجواء قمع غير مسبوقة.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.