مصر، التي يحصد ديكتاتورها الحاكم اليوم اعترافا دوليا إضافيا باستقباله في العاصمة الأمريكية، تغوص بالكامل في مرحلة انتقام الحكم من المواطن والمجتمع والمؤسسات المدنية للدولة. صارت قضايانا الكبرى ترتبط بإخضاع مؤسسات وأجهزة الدولة للسيطرة، وحصار المجتمع بإماتة السياسة وإغلاق الفضاء العام والإدارة الأمنية لفعاليات المجتمع المدني المستقلة، وإلغاء حق المواطن في الاختيار الحر.

لا يريد الحكم من المواطن سوى التأييد أو مواجهة التهديد والتعقب والقمع، ويعيد التأسيس لجمهورية الخوف التي يتصدرها واجهتها مستبد تحيط به أوهام «الزعامة والتفرد التاريخي» كبطل مخلص ومنقذ يدعي امتلاك الحق الحصري للحديث باسم الوطن ويدير تفاصيلها اليومية مكون عسكري-أمني لا تعنيه حريات أو قانون.

لم تتوقف الماكينة الدعائية للسلطوية عن إنتاج خطاب إما الديكتاتور وإما الفوضى، موظفة للتهديدات الإرهابية في سيناء وللأوضاع الإقليمية المتفجرة حول مصر شرقا وغربا.

في الداخل، لم تتوقف هذه الماكينة عن إطلاق وعود «الإنجازات الكبرى» ومطالبة «المصريين» بوضع ثقتهم في «البطل المخلص» الذي سيأتي منفردا بالأمن والاستقرار ويقضي على الإرهاب ويحقق التقدم الاقتصادي ويحسن الظروف المعيشية للجميع. أما في الخارج فيتواصل حديث اللامعنى عن «الإصلاح والاعتدال الدينيين» وعن «تجديد الخطاب الديني» لمحاربة الإرهاب والتطرف وكأن الديكتاتور باستطاعته إدارة المعارك الفكرية، أو كأن الإصلاح الديني الذي ليس له إلا أن ينبعث من مساحات الحرية في المجتمع يمكن أن تصدر بتحقيقه وتطبيقه الأوامر العليا، أو كأن منظومة استبدادية جاهلة تقدر على مقارعة منظومة استبدادية أخرى.

لم تتوقف تلك الماكينة الدعائية، وإلى داخلها زج بوسائل الإعلام العامة المدارة حكوميا ووسائل الإعلام الخاصة المملوكة لرؤوس أموال تربطها بالسلطوية ثنائية التأييد نظير ضمان العوائد الاقتصادية والمالية والحماية من التعقب، عن إنكار حدوث المظالم والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والحريات التي شملت جرائم القتل خارج القانون والتعذيب والاختفاء القسري بجانب سلب الحرية لأسباب سياسية وفكرية والعنف اليومي للأجهزة الأمنية إزاء الناس، واستدعت للإنكار تارة «الحرب على الإرهاب» وأخرى «مقتضيات الحفاظ على الأمن القومي» وثالثة ادعاءات متهافتة بتورط كل معارضيها في «العنف والخروج على القانون» لإلصاق هوية إجرامية زائفة بضحاياها ومن ثم توصيف المظالم والانتهاكات كإعمال شرعي لسيادة الدولة وتطبيق منضبط لدورها في تعقب ومعاقبة المجرمين.

لم يتوقف الديكتاتور عن صناعة «الأعداء» وإطالة قوائم «الخونة» والحديث المتهافت عن «أهل الشر»، ولا عن إدراجهم جميعا وفقا لنظريات مؤامرة مريضة (من حروب الجيل الرابع والمؤامرة الغربية لهدم الدولة المصرية إلى مجلس إدارة العالم المسؤول عن توجيه الزلازل والأعاصير والبراكين إلى بلدان دون غيرها ومنظمات حقوق الإنسان الغربية التي تخضع لسيطرة جماعة الإخوان المسلمين) في خانات الإرهابيين والخلايا النائمة والطابور الخامس. منذ انقض بالمكون العسكري-الأمني على السلطة، لم يتوقف الديكتاتور عن تزييف وعي الناس وحمل البعض على انتظار الإنجازات الموعودة والاستسلام لأوهام المؤامرات وغياب البدائل. وفي مواجهة الحملة الضارية للقمع المباشر وغير المباشر والمستمرة منذ صيف 2013 وإلى اليوم، فقدت الأحزاب والحركات السياسية المعارضة القدرة على العمل السلمي لمقاومة الديكتاتور وأسس الاعتراف الإقليمي والدولي بحكمه السلطوي لانفراده بمقاليد الأمور في مصر.

غير أن شرائح تتزايد يوميا من المصريات والمصريين اكتسبت تدريجيا حصانة الإدراك الواعي ضد ماكينة السلطوية، وانتقلت إما إلى عزوف عن مجمل الشأن العام أو إلى التعبير العلني عن رفض السلطوية والاحتجاج على سياساتها وممارساتها وقراراتها. تطول الاحتجاجات السياسات الاقتصادية مثل استثمار الموارد المحدودة في مشروعات كبرى تثور العديد من التساؤلات بشأن جدواها الفعلية، والممارسات القمعية كالتعامل مع النقابات المهنية كنقابة الأطباء ونقابة الصحافيين، ووقائع العنف اليومي المتكرر للأجهزة الأمنية ضد المواطنات والمواطنين قتلا خارج القانون وتعذيبا وانتهاكا للكرامة. تطول الاحتجاجات أيضا العصف الممنهج بسيادة القانون وبضمانات التقاضي العامل بمواصلة سلب حرية آلاف الناس. بل أن مراوحة البعض بين العزوف وبين الاحتجاج على السلطوية يرتب مقاومة سلمية جديدة تتثبت من خواء الحكم ومن عجزه عن إنجاز أهداف الأمن والاستقرار وتحسين الظروف المعيشية بعد أن قايض بها الناس على حرياتهم وتكشف حقائق الظلم المفزعة لجمهورية الخوف.

اليوم، أكرر الإشارة، هناك أربع مساحات رئيسية للحراك المجتمعي وللمقاومة السلمية للسلطوية؛ مبادرات القضية الواحدة التي تتناول انتهاكات حقوق الإنسان والحريات وتدافع عن الضحايا كمبادرة الحرية للجدعان، وحراك النقابات المهنية التي تعني بحقوق وحريات أعضائها خاصة حرية التعبير عن الرأي وحرية التنظيم وتواجه التدخلات الأمنية المتكررة في شؤونها، حراك المجموعات الطلابية التي تطالب بحريتي التعبير والتنظيم في الجامعة وترفض إلغاء السياسة داخل الحرم الجامعي وتواجه أيضا التدخلات الامنية، والحركات العمالية التي تكتسب زخما متزايدا مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والممارسات القمعية كسلب الحرية والإحالة إلى محاكمات سريعة (بعضها محاكمات عسكرية) التي يطبقها الحكم إزاء النشطاء بين العمال.

وعلى الرغم من توظيفها لكافة أدوات القمع المباشر وغير المباشر، لم تتمكن السلطوية من القضاء على حيوية الحراك المقاوم، ذلك الحراك الذي أعاد اكتشاف مساحات كان لها في الماضي القريب دور هاما في منازعة الحكم السلطوي في مصر كالنقابات المهنية التي رفعت في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين لواء حرية التنظيم ومجموعات الطلاب في الجامعات التي سبق لها في الستينيات والسبعينيات أن واجهت حكم الفرد وانتهاكات حقوق الإنسان. لم تتمكن السلطوية من القضاء على حيوية الحراك المقاوم الذي تقوده أيضا مجموعات من الفاعلين الشباب في مبادرات القضية الواحدة وحركات عمالية نشيطة لا يهاب أفرادها القمع الحكومي المستمر. بل أن المقاومين أجبروا السلطوية في بعض الأحيان على تقديم التنازلات، تارة بإحالة منتهكي حقوق الإنسان من عناصر الأجهزة الأمنية إلى القضاء للمساءلة والمحاسبة وتارة بالاستجابة إلى مطالب العمال ذات الصلة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولم يعدم الناس الذين خرجوا إلى الفضاء العام اعتراضا على عنف الأجهزة الأمنية السبل لإجبار السلطوية على الاعتذار العلني والتراجع الوقتي عن العنف الرسمي. بالقطع، لم يهز الحراك المقاوم عرش الديكتاتور ولا سلطة الجنرالات الحاكمين بعد، إلا أنه يخلق فرصا حقيقية لمنازعة السلطوية واستعادة قدر من الحرية في الفضاء العام.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.