في حين أضم صوتي إلى المهنئين بنجاح الأردن في عقد القمة إعدادا وحضورا، إضافة إلى نجاحه في كسر الجليد بين مصر والسعودية، وبين مصر والسلطة الفلسطينية، فإن شيئا ما يبعث على عدم الارتياح أن تصبح الترتيبات الإجرائية وحدها معيارا رئيسيا لنجاح أو فشل القمم. في خضم ما تشهده المنطقة من عملية تحولية تاريخية وحروب واضطرابات وأيديولوجيات تكفيرية، ليس كثيرا على المواطن العربي أن يتوقع أن تناقش القمم العربية هذه التحولات، وأن تخلص إلى مقاربات جديدة لا تقتصر على النواحي الأمنية وفرض الاستقرار بقوة السلاح، وأن تعمل حتى يأتي هذا الاستقرار عن طريق الاستماع لمطالب الناس ومحاكاة الأسباب التي أدت لهذه الثورات.

أستخدم مصطلح "الجحيم العربي" في القمة لوصف ما تشهده المنطقة من تطورات، وهو مصطلح قد يكون دقيقا من الناحية التقنية، فلا يستطيع أحد إنكار ما حدث في المنطقة من قتل وتشريد ونزاعات طائفية وتفكك للدول، ولكن المشكلة في هذا التوصيف أنه يوحي بأن الحل يكمن في دحر هذا "الجحيم" أمنيا والعودة للوضع القائم قبل العام 2011. وعوضا عن استحالة ذلك، فإن هذه المقاربة توحي بعدم استيعاب الدرس الأساس أو تجاهله، وهو أن الوضع القائم قبل الثورات العربية كان في أزمة عميقة، وإن لم يكن كذلك، فلماذا نزل الناس إلى الشارع؟ كما أن محاولة تصوير الثورات العربية وكأنها نتاج لمؤامرة خارجية يوحي ببعد الحكومات عن الناس وحاجتهم لأنظمة حكم رشيدة تحترم عقولهم وتشركهم في صنع القرار وتلبي مطالبهم المشروعة بتنمية شاملة تطال الجميع وبسيادة القانون على عامة الناس دون محاباة أو تمييز.

لقد حان الوقت لمواجهة مسؤوليات الحكومات في ما وصلنا إليه من أوضاع، ولتحمّل المسؤولية بدلا من إلقائها على دول خارجية أو شعوب جاهلة! أخشى إن استمرت حالة التجاهل هذه دون معالجة الأسباب التي أدت بِنَا إلى "الجحيم الأول" أن توصلنا نفس هذه الأسباب إلى "جحيم ثان" سيكون أكثر دموية وعنفا وتطرفا.

من هذا المنطلق؛ جاء بيان القمة تقليديا في غالبيته، فأعاد التأكيد على ثوابت الأمة دون أن يطرح ولو فكرة واحدة عن آليات جديدة تساعد في تحقيق هذه الثوابت، ولم يوحِ أن تفكيرا ما يجري خارج الصندوق لمحاكاة احتياجات الناس وتجسير فجوة الثقة معهم.

استوقفتني فقرة واحدة من البيان جاءت في نهايته، وتحدثت عن "تبني البرامج العملية التي تمكننا من استعادة المبادرة في عالمنا العربي. والتقدم في الجهود المستهدفة حل الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة، وإيجاد الفرص وتكريس قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والمساواة التي تعزز الهويات الوطنية الجامعة وتحمي الدولة الوطنية، ركيزة النظام الإقليمي العربي، وتحول دون التفكك والصراع؛ أعراقا ومذاهب وطوائف، وتحمي بلادنا العربية أوطانا للأمن والاستنارة والإنجاز".

كلام جميل، لا يختلف عليه كثير من المواطنين الذين ينعتون اليوم بالمعارضة! ولكن وجود الفقرة في أسفل البيان، إضافة لعدم ذكر أي آليات للبدء بتحقيق ذلك، يلقي الشك عما إذا كانت الفقرة كتبت لغايات إبراء الذمة، أو نتيجة لحماسة وزير معين لا ترقى لاقتناع الحضور. أدرك أنه لا يعول الكثير على قرارات القمم العربية، وأن ميثاق وآليات عمل الجامعة العربية لا تسمح لها أن تكون فاعلة، ولكن أجزم أيضا أننا نمر بأوضاع اسثنائية تحتاج منا وقفة جادة مع النفس، ومقاربات سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، واستعادة ليس فقط المبادرة، وإنما ثقة الناس ايضا.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.