تأقلمت الأحزاب الليبرالية واليسارية قديمها والجديد بشكل مُتباين مع الانفتاح السياسى المُضطرب فى مصر فى الفترة بين 2011 و2013. فالأحزاب التى تأسسّت وهدفها الرئيس دعم الدولة وخلق صورة مزيّفة للتعددية الحزبية، فوجئت بالأحداث ولم تعرف كيف تقوم بهذه المهمة فى خضم بيئة متغيرّة.

تلت استقالة الرئيس الأسبق مبارك فى ١١ فبراير ٢٠١١ عملية ارتقاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى أعلى مراتب السلطة التنفيذية. وبينما حظر الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم سابقا، باشرت جماعة الإخوان المسلمين وبقية ألوان الطيف الإيديولوجى ــ من السلفيين إلى الأعضاء السابقين فى جماعة الإخوان ــ تأسيس الأحزاب. كذلك جرى الترخيص لأحزاب علمانية جديدة وسُمح لها بالعمل بحرية نسبيا. بدا لوهلة حينها أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيقبل التنافس الديمقراطى والمداورة فى السلطة كمرتكزات لسياسات ما بعد يناير ٢٠١١.

كان هذا تغييرا مُربكا للأحزاب العلمانية المُوالية للدولة التى تشكّلت قبل العام 2011، والتى كانت عموما صغيرة وتفتقد إلى قاعدة شعبية. وفى الفترة بين 2011 و2013، كان الهدف الرئيس لهذه الأحزاب هو مجرد البقاء على قيد الحياة، وانضم بعضها كحزب الجيل الديمقراطى إلى الائتلاف الانتخابى الذى قادته جماعة الإخوان فى 2011ــ2012، وحصل على مقعد واحد فى مجلس الشورى (آنذاك الغرفة العليا من البرلمان التى يُعيّن أعضاؤها جزئيا ويُنتخبون جزئيا). وثمة أحزاب أخرى موالية للدولة، على غرار أحزاب تأسست بعد يناير ٢٠١١ مثل مصر القومى، وحزب الحرية، وحزب المواطن المصرى، رشّحت للانتخابات البرلمانية أعضاء سابقين فى الحزب الوطنى الديمقراطى وحصدت حفنة من المقاعد.

فى هذه الأثناء، كانت الأحزاب الليبرالية واليسارية التى تأسست قبل ٢٠١١ ولديها قدر من الادّعاء بأنها مستقلة، بما فى ذلك الوفد وحزب التجمع الوطنى التقدمى وحزب الجبهة الديمقراطية التى تنافست جزئيا مع الدولة وجرى استتباعها جزئيا من قبل السلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية، كانت توّاقة إلى المشاركة بحرية أكبر فى سياسات ما بعد 2011. وقد حدّدت طبيعة تفضيلاتها الإيديولوجية والسياسية نوعية نهجها، وشكّلت قدراتها التنظيمية والمالية آفاق فرصها وحظوظها.

اختار حزب الوفد أولا، بقيادة السيد البدوى، بناء تحالف انتخابى ضخم مع جماعة الإخوان أُطلق عليه اسم التحالف الديمقراطى من أجل مصر. هذا التحالف، الذى أُعلن لخوض الانتخابات البرلمانية العام 2011، ضمّ بجانب حزب الحرية والعدالة الذى أسسه الإخوان العديد من الأحزاب الإسلامية الصغيرة مثل حزب الحضارة، كما ضمَّ أيضا أحزابا ليبرالية ويسارية منها حزب الكرامة الناصرى وحزب غد الثورة (كلاهما رُخِّص لهما بعد يناير ٢٠١١) وحزب الجبهة الديمقراطية. بيد أن الخلافات بين الوفد وجماعة الإخوان فى ما يتعلّق بالعدد الإجمالى لمرشحى كلٍ منهما، إضافةً إلى دور الدين فى البرنامج الانتخابى، أسفرا عن فشل التحالف. انسحب الوفد، ومعه معظم الأحزاب العلمانية، بما فى ذلك الجبهة الديمقراطية، من التحالف. بيد أن حزبى الكرامة وغد الثورة واصلا التنسيق مع جماعة الإخوان، وتوصلا إلى وضع بعض مرشحيهما على قوائمها للانتخابات البرلمانية.

قرر الوفد بعد مغادرته التحالف الديمقراطى خوض الانتخابات البرلمانية مُستقلا. وقد مكّنته ماكينته التنظيمية المنظّمة جيدا وفروعه فى معظم المحافظات والمدن الكبرى المصرية وإمكاناته المالية المستقرة، من ترشيح أعداد تقترب من عدد مرشحى الإخوان. أما الأحزاب العلمانية الأخرى، بما فى ذلك الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى وحزب المصريين الأحرار وهما تأسسا فى أعقاب يناير ٢٠١١ إضافة إلى حزب التجمع، فقد تعهّدت بالمنافسة فى الانتخابات البرلمانية ضد التحالف الديمقراطى الذى يقوده الإخوان، وأيضا ضد تحالف آخر للإسلام السياسى كان يؤسسه حزب النور السلفى. برزت الكتلة المصرية كائتلاف انتخابى «علمانى» مناوئ للإخوان، وجاء تمويلها من رجال أعمال كبار بدت لهم قناعات علمانية. طرحت هذه الكتلة، برنامجا علمانيا يُصر على فصل الدين عن السياسة وشئون الدولة. بيد أنها نسّقت بقوة مع الكنائس المسيحية لضمان تصويت المسيحيين الأقباط لمرشحيها. نتيجةً لذلك ــ وعلى خلاف الأهداف الأوّلية للأطراف المعنية ــ أضحت البيئة السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العام 2011 أكثر استقطابا وفق خطوط دينية، حيث اعتُبر التحالف الديمقراطى مُمثلا للاتجاه الغالب للمصريين المسلمين، والكتلة المصرية مُمثلة للطائفة القطبية. وهذا أضرّ بالجاذبية الانتخابية للكتلة المصرية وحرفها عن الطبيعة العلمانية لبرنامجها.

ومما زاد من صعوبة الأمر أمام الكتلة المصرية أن كلا من الحزب الديمقراطى الاجتماعى وحزب المصريين الأحرار كانا جديدين ولا سجل خبرة يُذكر لهما فى المشاركة الانتخابية وأصولا تنظيمية محدودة ــ على عكس جماعة الإخوان والوفد. كما جهدت الجبهة للعثور على مرشحين لهم شعبية تؤهلهم خوض السباق الانتخابى على المستوى الوطنى. علاوةً على ذلك، مال الأعضاء السابقون فى الحزب الوطنى الديمقراطي ــ المنغرسون فى النسيج الاجتماعى للأرياف بفعل روابط القربى مع العائلات الكبيرة ونظرا للدور الذى لعبوه فى ملاحقة معاملات الخدمات العامة لصالح مجتمعاتهم المحلية ــ إلى الترشُّح على لوائح الوفد وإلى حد أقل على لوائح الإخوان وابتعدوا فى المجمل عن الترشح على قوائم الكتلة المصرية. وفى هذه الأثناء، كان الناشطون الشباب من ليبراليين ويساريين والذين برزوا كمجموعة مؤثرة فى 2011 وما تلاها من أحداث، أقل اهتماما عموما بتنظيم أنفسهم لخوض الانتخابات البرلمانية، وسعوا إلى مواصلة تحرّكهم من خارج العملية السياسية الرسمية. وحتى حين بات بعضهم مهتما بالعملية الانتخابية، لم ينجذبوا إلى الكتلة المصرية على الرغم من توجهاتها «العلمانية»، بسبب ما اعتبروه هيمنة رجال الأعمال الأقوياء عليها. وهكذا، وبفعل صعوبة العثور على مرشحين يُعتد بشعبيتهم، لم تطرح الكتلة قوائم ومرشحين فرديين فى كل الدوائر، واقتصرت على المدن الكبيرة وبعض المحافظات الريفية

فى المقابل، قررت مجموعة من الأحزاب اليسارية والليبرالية الصغيرة كسر طوق الاستقطاب الإسلامي ــ المسيحى الذى انغمست فى حمأته التحالفات الانتخابية للإسلام السياسى وكذلك الكتلة المصرية، فشكّلت ائتلافا «علمانيا» ثانيا فى العام 2011 باسم «الثورة مستمرة». كما عمدت هنا الأحزاب اليسارية التى جاءت محاولات تأسيسها بعد يناير ٢٠١١، مثل حزب التحالف الشعبى والحزب الاشتراكى المصرى والحزب الشيوعى المصرى إلى رصّ الصفوف مع أحزاب ليبرالية صغيرة كانت أيضا تحت التأسيس كحزب مصر الحرية الليبرالى وحزب التيار المصرى الذى حشد مجموعات من النشطاء الديمقراطيين.

ومع أن ائتلاف «الثورة مستمرة» نجح بالنأى بنفسه عن الاستقطاب الدينى وبلور برنامجا علمانيا وديمقراطيا واضحا، إلا أن جاذبيته الانتخابية كانت ضعيفة لأسباب متعددة. فالقدرات التنظيمية والشخصية للائتلاف لم تستطع جمع الأموال الضرورية للمشاركة فى الانتخابات ثم إن الخطاب العلمانى الواضح ــ المقرون بالنقد ضد جماعة الإخوان والكتلة المصرية لاستخدامهما الدين لأغراض سياسية ــ لم يرق لأقسام واسعة من الجسم الانتخابى. ولذا، طرح ائتلاف «الثورة مستمرة» عددا صغيرا من مرشحى القوائم والمرشحين الفرديين فى انتخابات 2011 البرلمانية، واعتُبر عموما مجرد باقة من الأحزاب الصغيرة المثالية التى لا تستطيع الفوز فى الانتخابات.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.