في العام 2005 وافقت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على الالتزام بمبدأ "مسؤولية الحماية" الذي ينص على مسؤولية كل دولة عن حماية مواطنيها من جرائم الإبادة الجماعية. وجاء في حيثيات القرار أنه "في حين يقع واجب منع الإبادة الجماعية على الدولة بالدرجة الاولى، يظل للمجتمع الدولي دور لا يجوز إلغاؤه بذريعة السيادة. فالسيادة لم تعد توفر للدول حماية حصرية من التدخل الأجنبي، بل مناط السيادة أن تكون الدول مسؤولة عن رفاه شعوبها". وينص القرار على أنه في حالة اخفاق الدولة في حماية مواطنيها من الإبادة الجماعية؛ إما قصدا أو بسبب عدم قدرتها على ذلك، فإن من مسؤولية المجتمع الدولي حماية أولئك المواطنين. وقد أدت الإبادة الجماعية خصوصا للمسلمين في البوسنة والهرسك في التسعينيات إلى بداية التفكير الأممي بوجوب إقرار هذا المبدأ الدولي حتى تم ذلك في العام 2005.

ليس من السهل أن يشاهد المرء دولة عربية تقصف من قبل دولة أجنبية، خصوصا إن كانت الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن كنّا نريد أن نكون منسجمين مع أنفسنا يجب أن نسأل، أيضا، إن كان من السهل مشاهدة دولة عربية تقتل مواطنيها بالغاز السام. فإن راعنا المشهد الأول، فهل يحرك مشاعرنا المشهد الثاني؟ هل من المقبول أن يقوم أي نظام، وتحت أي ذريعة، بالقتل الجماعي والعشوائي لمواطنيه عن طريق الغاز أو البراميل المتفجرة أو صواريخ السكود أو القصف الجوي؟ وهل من المقبول، تحت ذريعة محاربة داعش أو التكفيريين، أن تستخدم مثل هذه الأساليب من الدولة ضد مواطنيها؟

لا بد من وقفة جادة مع النفس، بغض النظر عن الأسباب السياسية أو العقائدية التي تدفع البعض للوقوف مع أو ضد النظام السوري. فحجة الوقوف في مواجهة إسرائيل، بغض النظر عن مدى دقتها، لا تعطي النظام السوري حرية قتل مواطنيه، كما أن حجة محاربة داعش ليست ذريعة لقتل المدنيين.

لا نستطيع اختزال الأزمة السورية بالمفاضلة بين خيارين اثنين فقط: منظمة همجية تكفيرية لا تمت للإنسانية بصلة، أو نظام لا يتورع عن قتل شعبه للبقاء في السلطة بأي ثمن. كل من يتحدث مع المجتمع المدني السوري يدرك أن هناك خيارات أخرى عدا هذين الخيارين التدميريين.

وإذا ما وضعنا جانبا النظريات التبسيطية أو نظريات المؤامرة التي تنكر قيام النظام السوري بأي من هذه الأعمال، أو الحجة السخيفة أن النظام لم يعد يمتلك أسلحة الغاز (وكأن المعارضة تمتلكها!)، ورغم الأدلة الدامغة وعلى مدى ست سنوات، يصر البعض بسبب حبه لـ"علمانية" النظام السوري أو "بعثيته" أو "ممانعته" أن يغض النظر عن هذه المجازر. فهل من المقبول قتل المواطنين بهذه الطريقة؟ نستطيع أن نختلف حول طبيعة هذا التدخل، مرة أخرى، خصوصا عندما يأتي من الولايات المتحدة، ونستطيع أن نطالب أن يأتي هذا التدخل من قبل مجلس الأمن، ولكن هل يجوز أن نختلف على الحاجة لوقف هذه الإبادة الجماعية؟

هل يستطيع أحد أن يزعم أن داعش وحدها المسؤولة عن أكثر من خمسمائة ألف قتيل وأحد عشر مليون نازح ولاجئ يمثلون نصف الشعب السوري، أو عن وجود أكثر من ثمانين بالمائة من السوريين تحت خط الفقر؟

صحيح أن الأزمة السورية لن تحل إلا عن طريق عملية سياسية، ولكن هل يجوز استمرار استخدام الغاز والبراميل المتفجرة والصواريخ ضد المدنيين ريثما تنضج الشروط لإنجاز الحل السياسي؟

كما نقف جميعنا ضد داعش لما تقوم به من أعمال همجية، هل نحدق قليلا في صور الأطفال الذين قضوا بأبشع الطرق قبل أن نغرق في خلافاتنا السياسية؟ ألا تستحق هذه الأعمال الهمجية أن نتوقف عندها قليلا ونقف ضدها أيضا؟

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.