مررت بموقفين، أحدهما قبل عدة شهور والآخر منذ أسبوعين، أثارا لدي فكرة حول تاريخ مصر الاجتماعي. كان الأول منهما هو لقاء مع خبير اقتصادي ياباني يقيم في مصر منذ بضع سنوات، متخصص في التخطيط والسياسات التصنيعية، ولفت انتباهي إلى أنه حينما يتحدث المسؤولون المصريون عن القطاع الصناعي، فإنهم عادة ما يفكرون في عدد محدود من الشركات الكبيرة، والمنوط بها تحقيق المستهدف من إنتاج سلع أو إدخال تكنولوجيا أو التوسع في التصدير أو خلق فرص عمل، في حين يغيب عن أذهانهم تمامًا وجود أو غياب قاعدة التصنيع من منشآت متوسطة أو صغيرة الحجم.

وقال الخبير إن هذا نقيض الوضع تمامًا في بلد كاليابان، حيث يقوم الإنتاج الصناعي على بناء هرمي يضم مئات الشركات تكون على القمة منه الشركات الكبرى منتجة التكنولوجيا كـ«توشيبا» أو «ميتسوبيشي» أو «تويوتا»، وتحتها منشآت أصغر تتخصص في إنتاج جزء معين أو تقديم خدمة محددة، وإن الاستراتيجية التصنيعية التي تطورها وتطبقها الدولة بالتعاون مع القطاع الخاص تراعي القطاع في مجمله بشركاته الكبيرة والصغيرة والمتوسطة وما بينها من علاقات وروابط، وهو ما يغيب تمامًا في مصر، وخلص الخبير من هذا إلى أن الشركات الكبرى في مصر قد تكون حققت بالفعل بعض النجاح والكفاءة في استخدام الموارد من أجل السوق المحلية أو للتصدير، ولكنها تفتقد قاعدة قوية يمكن التعويل عليها لتخفيض تكلفتها، ويمكن للاقتصاد ككل الاعتماد عليها لخلق فرص عمل ولتعميق الصناعة.

كان هذا هو الموقف الأول الذي حدث قبل شهور.

الموقف الثاني حدث منذ ثلاثة أسابيع تقريبًا، عندما أثار أحد المتخصصين في العلوم الاجتماعية نقطة في لقاء، أوضح فيها أن في مصر “نخبة” ثقافية قد تكونت في العقود القليلة الماضية من تلقي التعليم في جامعات أمريكية وأوروبية كبرى، وأن هذه النخبة الأكاديمية أو المثقفة لا تزال في طور الشباب، وقد أسهمت كثيرًا في تشكيل النقاش العام في السنوات القليلة السابقة على الثورة.

ولكن الكلام لم يرق لواحد من الحضور، وكان أجنبيًا ذا جذور مصرية بعيدة، فعلق قائلًا إن مصر لم تكن تعوزها يومًا نخبة ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية، فقد كان هؤلاء دائما حاضرين منذ نهاية القرن التاسع عشر، وقطعًا خلال القرن العشرين كله وفي كل لحظة منه، وإنما المشكلة كانت دائمًا في المواطن العادي الذي لم تتح له فرص موضوعية على نطاق واسع أبدًا كي يبلغ مستوى من التعليم أو التأهيل للمشاركة الإيجابية الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، ناهيك عن السياسية بالطبع.

دقت هذه الملاحظة جرسًا في ذهني مع الملاحظة الأولى، الأكثر تركيزًا حول هيكل القطاعات الاقتصادية في مصر، إذ بدا لي لوهلة أن النظم الاجتماعية الحديثة التي نشأت ونمت في بلادنا ربما منذ مطلع القرن التاسع عشر، والتي كانت تحمل التحديث (أو فيما بعد التنمية) هدفًا ومسوغًا معلنًا لجهودها وتفاعلها مع السياسة، كانت تنجح دائمًا في إنتاج نخب بمعنى “مجموعات صغيرة في العدد مؤهلة على أعلى المستويات العالمية، ومن ثم قادرة على المنافسة أو الاندماج، إذا رغبت، مع المجتمعات والاقتصادات والقطاعات الأشد تقدمًا على مستوى العالم”، وكان هذا دومًا في مواجهة غالبية كاسحة من المصريين الذين ظلوا «دون المستوى» في عالم محلي يتسم بضعف الإنتاجية والعشوائية وتدني الأجر اقتصاديًا، ومغرق في الاستبعاد والإقصاء اجتماعيًا، وبالنسبة لخياراته السياسية، فحدث ولا حرج، خاصة في ضوء تطورات السنوات القليلة الماضية.

والحق فإن هذه السمة التي تقتصر فيها الإنجازات على بناء نخب في القمة، في محيط من التخلف، قد شابت النظم الاجتماعية المتتالية في مصر، ولا أقول النظم السياسية فحسب، لأن هذه الأخيرة قد شهدت تحولات وانقطاعات خاصة في الستين سنة الماضية، كما أن الدولة، عامة، في مصر أو غيرها، لم تكن سوى آلية ضمن آليات اجتماعية مختلفة ومسؤولة عن إنتاج وإعادة إنتاج هذا النمط النخبوي للتنمية.

المتولون لحكم مصر ليسوا بحاجة لإدراك أهمية تحرير قدرات المجتمع للوصول للتنمية، وإنما في كيفية تحقيق مثل هذا الأمر بالفعل، في ظل ميراث من الاستبعاد والإقصاء بين النخبة وغالبية المجتمع

وبالطبع فالأسباب التي يمكن سوقها لتفسير مثل هذه النتيجة عديدة ومتنوعة، وقطعًا هي محل جدل إذا ما أخضعناها للتحليل التاريخي والاجتماعي الدقيق، وليس هذا المقال القصير مجالًا لتقديم تفسير، أو حتى للاشتباك مع التفسيرات التي قد تكون الأدبيات المختلفة قدمتها، ولكنها ملاحظة هامة، وذات أهمية بالنسبة لنا اليوم في مصر، في وقت لا يزال البعض يراهن فيه على تخليق «نخبة» يمكن التعويل عليها لإعالة أو «قَطْر» الغالبية الكبيرة التي يظل يُنظر إليها باعتبارها جاهلة وفقيرة، والأقرب لكونها عبئًا على الدولة وخزانتها من ناحية، وعلى القطاعات الأكثر إنتاجية والأعلى دخلًا من ناحية أخرى (رغم أن هذه الأخيرة لا تدفع أي ضرائب حًقا، ولكن لدى غالبية أفرادها مثل هذا التصور، تمامًا كما هو الحال لدى مسؤولي المالية العامة في مصر، على أساس أن السكان عبء وليسوا «موردًا يمكن استغلاله» حتى طبقًا لمنطق الدولة نفسه المتعالي على المجتمع).

لا تكمن المشكلة في أن المتوالين على حكم مصر والمتولين لمقاليد السياسات العامة بحاجة لإدراك أهمية تحرير قدرات المجتمع للوصول للتنمية، فهذا الأمر يمكن إقناعهم به بسهولة، خاصة في أعقاب ثورة شعبية حقة، واضطرابات عنيفة تلتها حتى سنتين ماضيتين، بل تقع المشكلة الحقيقية في كيفية تحقيق مثل هذا الأمر بالفعل، في ظل ميراث مؤسسي وثقافي طويل بين الدولة والمجتمع، وبين غالبية المجتمع والنخبة بشتى فروعها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والسياسية فوق هذا بالطبع، ميراث من الاستبعاد والإقصاء، أو على الأقل غياب التواصل الصحي، الذي يتيح تداول المعلومات أو بناء ثقة، أو إيجاد ترتيبات تطلق العنان لمخزون ما لقدرات تمكن الغالبية من تحسين أحوال نفسها، وهو فيما أعتقد هدف يمكن إقناع الغالبية بتحقيقه كونه يفيدها بشكل مباشر، إن لم تكن مقتنعة به بالفعل، ولكن كيف السبيل إلى هذا دون الشروع في تحول سياسي اجتماعي يتيح الفرصة للإتيان بالغالبية أو بالأطراف الأكثر فعالية في هذه الغالبية المفترضة المهملة من الشباب المتعلمين؟

ربما كانت هذه هي ثورة يناير بشكل مبتسر ومختصر، وربما كان فشلها في إقامة مجال سياسي ومجال عام يحقق أهدافها ويحمل قيمها دليلًا على صعوبة تجاوز ميراث اجتماعي، قبل أن يكون سياسيًا أو اقتصاديًا، من التنمية من أجل النخبة التي لا تتسع للكثيرين بحكم تعريفها.

تم نشر هذا المقال في مدى مصر.