نستطيع في مصر وبلاد العرب كبح جماح داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية عبر ترشيد المواجهات الأمنية والحملات العسكرية التي تقودها الحكومات، بالدفع إلى الواجهة بأولوية الحفاظ على تماسك الدول الوطنية ومؤسساتها وتجاوز الاستبداد والطائفية والمذهبية وعوامل الفقر والجهل التي ترتب معا تنامي الإرهاب وتضع الحكومات دوما إما في خانات رد الفعل أو تفقدها القبول الشعبي والشرعية وتدخلها في أزمات ممتدة ومتراكمة ليس للمواجهات الأمنية ولا للحملات العسكرية أن تمنعها.

أمامنا مهمة كبرى تتمثل في تقديم نماذج ناجحة لمجتمعات مسالمة ومتقدمة ولدول وطنية عادلة وعصرية تجتذب مجددا ضمائر وعقول وقلوب المواطنات والمواطنين الذين أرهقهم الاستبداد، وجردتهم المظالم والطائفية والمذهبية وغياب حيادية مؤسسات وأجهزة الدولة من الأمل في مجتمعات متقدمة ومن الثقة في عدل الحكم، وألقت بهم انتهاكات الحقوق والحريات ومشاعر الخوف التي استوطنت بلادنا إلى أتون الولاءات الطائفية والمذهبية بل والهويات القبلية والعشائرية والوعود الزائفة بتقديم الحماية إزاء قهر وقمع وعنف وظلم الحكومات.

في أعقاب الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر 2001، استغلت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش لحظة خوف شعبي واسع في المجتمع الأمريكي لتمرير العديد من القرارات والإجراءات الاستثنائية التي هددت حكم القانون وضمانات الحقوق والحريات، وعنت تعريض المواطن صاحب الأصول العربية أو الإسلامية وكذلك المجموعات المقيمة ذات الجذور العربية أو الإسلامية لمراقبة أمنية واستخباراتية غير عادلة. ولم يستعد حكم القانون في الولايات المتحدة الأمريكية بعضا من عافيته إلا بفعل مقاومة السلطة القضائية المستقلة للقرارات وللإجراءات الاستثنائية، ودور المجتمع المدني والإعلام الحر في توثيق وكشف جرائم التعذيب والانتهاكات وتوعية الرأي العام بخطورة ذبح الحقوق والحريات أثناء مواجهة الإرهاب.

وعلى الرغم من ذلك، لم تتخلص الولايات المتحدة إلى اليوم من قرارات وإجراءات استثنائية أسست لها فترة بوش 2000-2008، ولم يزل معتقل غوانتانامو يشهد على ذلك شأنه شأن انتهاكات أخرى للحقوق وللحريات في أفغانستان والعراق وغيرهما ليست القوة الكبرى ببعيدة عنها.

وحين تكررت هجمات إرهابية مشابهة لهجمات أيلول/سبتمبر 2001 في بعض البلدان الأوروبية كبريطانيا وإسبانيا، سعت بعض الحكومات (خاصة تلك ذات التوجه اليميني) إلى تمرير قرارات وإجراءات استثنائية مطابقة لقرارات وإجراءات بوش الابن، إن بالتوسع في المراقبة الشاملة للمواطنات وللمواطنين ذوي الأصول العربية والإسلامية وللمجموعات المقيمة، أو بتقليص الضمانات القانونية للحقوق وللحريات والتورط في ممارسات تعسفية كالتنصت وإبعاد بعض المقيمين عن أوروبا بإلغاء تراخيص الإقامة والعمل، أو بالتنسيق الأمني والاستخباراتي مع الأجهزة الأمريكية.

إلا أن البرلمانات والسلطات القضائية حالت في بريطانيا وإسبانيا وغيرهما من البلدان الأوروبية دون الانزلاق على منحدر بوش وذبح الحقوق والحريات أثناء مواجهة الإرهاب، وأوقفت الشق الأكبر من القرارات والإجراءات الاستثنائية ولم يمر إلا القليل الذي لم يزل يؤرق ضمائر السياسيين والقانونيين والنخب الفكرية المدافعة عن سيادة القانون والديمقراطية. واضطلعت المنظمات المدنية والإعلام الحر بدور جوهري في توعية الرأي العام بإمكانية مواجهة الإرهاب دون التضحية بالحقوق والحريات، وفى تثبيت فاعلية مواجهة الإرهاب بمزيج من الأدوات الأمنية ومن الأدوات التنموية والمجتمعية لمعالجة الحظوظ الاقتصادية والاجتماعية المحدودة لذوي الأصول العربية أو الإسلامية والسياسية ولدمجهم في الحياة العامة والفكرية.

ومع أن أوروبا لم تتخلص بالكامل من الإرهاب أو توقف انضمام مواطنين ومقيمين على أراضي بلدانها للتنظيمات الإرهابية التي تفرض خرائط الدماء في بلاد العرب، إلا أن خبراتها وكذلك بعض جوانب الخبرة الأمريكية بعد أن استعاد حكم القانون عافيته تدلل مجتمعة على فاعلية مواجهة الإرهاب دون قرارات أو إجراءات استثنائية.

وتدلل أيضا على ضرورة ترشيد مواجهة الإرهاب عن طريق نقاش عام موضوعي وتعددي، ومشاركة للمجتمع المدني وللإعلام الحر مع تمكين الأصوات المعارضة والناقدة من الوصول إلى الناس، وبالابتعاد عن استغلال لحظات الخوف والتضامن الشعبي للاندفاع بعيدا عن حكم القانون وضماناته أو لاختزال أدوات المواجهة في حلول عسكرية وأمنية فقط تظل ضرورية وغير كافية في آن واحد.

فالأدوات العسكرية والأمنية تستطيع أن تسقط سطوة الحركات والتنظيمات الإرهابية، إلا أنها لا تنجح بمفردها في القضاء الكامل عليها وليس لها أن تضمن عدم عودتها مجددا بأشكال أكثر وحشية ودموية.

وإذا كان توظيف الأدوات العسكرية والأمنية ضرورة لا تحتمل ترف التأجيل، إلا أن استمرارية «الفوائد» المرتبطة بتلك الأدوات على المدى القصير مرهون بالحلول المجتمعية والتنموية والسياسية الأشمل. وإذا بحثنا في بلاد العرب، سنتيقن من أن الإرهاب يهاجم الأقاليم محدودة الكثافة السكانية ومن أن التنظيمات الإرهابية تستوطن في مصر والعراق وسوريا واليمن وليبيا والجزائر إما في المناطق غير الآهلة بالسكان أو في تلك المأزومة حقوقيا وتنمويا ومجتمعيا إن بسبب استبداد طال أمده أو طائفية مقيتة أو مذهبية متطرفة على نحو يجعل منها بيئات حاضنة للإرهاب والعنف.

وسنتثبت أيضا من أن تعبئة التجمعات السكانية في مثل هذه البيئات وفي المناطق التي تستوطنها التنظيمات الإرهابية لدعم جهود الحكومات وأدواتها العسكرية والأمنية ضرورة وجودية، وأن سبيل ذلك الوحيد هو الامتناع عن العصف بحقوق الناس ورفع المظالم عنهم عبر التطبيق العادل للقانون.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.