كان إنشاء صندوق النقد الدولي، بجانب البنك الدولي للتنمية وإعادة الإعمار، في 1944، جزءًا من ترتيب يهدف لتحقيق التوازن في النظام الاقتصادي الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

كان المسعى الغالب لدى ممثلي الحكومات المتفاوضة في «بريتون وودز» هو الحيلولة دون تكرار «الكساد العظيم»، والذي كان يُنظر إليه كحدث جلل انهار عنده الاقتصاد الرأسمالي على مستوى العالم، نتيجة غياب آلية تحتوي المشاكل النقدية التي ظهرت في بعض الدول، ثم ما لبثت أن امتدت إلى العالم ككل، مؤدية لانكماش التجارة وتوقف حركة رأس المال، وممهّدة لانهيار الديمقراطية وصعود الفاشية، ومن ثم اندلاع أكبر حرب في تاريخ الإنسانية.

ومع انتهاء الحرب، أُسندت للصندوق مهمة علاج الاختلالات النقدية والمالية قصيرة الأمد، والمتصلة بالعجز في ميزان المدفوعات أو الوضع المالي للحكومات، بغرض احتوائها عبر إقراض الدول الأعضاء مقابل قيام الأخيرة بتصحيح أوجه الخلل في موازينها، ومن ثم تحقيق الاستقرار في مؤشرات الاقتصاد الكلي، والتي تدور في مجملها حول الأسعار، سواء كانت أسعار المنتجات أو أسعار الفائدة والصرف وهلم جرًا.

بحلول السبعينيات، لعب صندوق النقد دورًا مختلفًا عما كان معقودًا له في البداية، إذ أصبحت الدول النامية هي ساحة تدخلاته، وذلك أن العديد من تلك الدول بات يعاني من مديونيات خارجية بالغة الضخامة، استُخدمت لتمويل عجوزات متسعة في موازين المدفوعات، وهو ما لم تنجح في فعله هذه الدول، ما انتهى بالأمر إلى اقتراب دول كبرى في الجنوب، وخاصة في أمريكا اللاتينية كالبرازيل والأرجنتين، من الإفلاس في الثمانينيات، حتى كانت المكسيك أولى الدول الكبرى التي أعلنت الإفلاس فعلًا في 1982، كما دخلت مصر في حومة البلدان المهددة بالإفلاس في 1987.

كان على حكومات هذه البلدان اللجوء لصندوق النقد ليقرضها ما يمكّنها من الإفلات من الإفلاس، في مقابل الالتزام بتطبيق إجراءات تقشفية، وعلى رأسها تخفيض عملاتها الوطنية لزيادة الصادرات وتخفيض الواردات والسيطرة على التضخم وتقليص العجز في الموازنة العامة للدولة، وغيرها من الإجراءات التي لا تزال تمثل «شروط» الاقتراض من صندوق النقد.

بيد أن آثار تدخل صندوق النقد على اقتصادات ومجتمعات تلك الدول كانت أكبر من مجرد الحصول على قروض قصيرة الأجل، وذلك لأنها كانت الخطوة الأولى، وربما الحاسمة، في فتح الاقتصادات في العالم النامي أمام حركة التجارة العالمية، وتفكيك نماذج التنمية الموجّهة محليًا، مثل «التصنيع من أجل إحلال محل الواردات»، والحد من حجم الإنفاق الحكومي، ولا سيما في مجال الاستثمار، على نحو فتح المجال أمام جيل ثان من التحولات في هيكل الاقتصادات نفسها، بتوسيع نطاق الاستثمارات الأجنبية وتحرير حركتي التجارة ورأس المال وبيع الشركات المملوكة للدولة لصالح القطاع الخاص، أي باختصار شديد: إعادة صياغة العلاقات داخل تلك الاقتصادات وما بينها وبين الاقتصاد العالمي.

من هنا وُلدت النظرة المناهضة لصندوق النقد، باعتباره ذراعًا من أذرع الإمبريالية، أو أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، صاحبة أكبر حصة في رأس مال الصندوق والمهيمنة على الكثير من سياساته العامة وقراراته، أو باعتباره يهدف لإعادة دمج اقتصادات الدول النامية في الاقتصاد العالمي، بما يفقدها أي استقلالية أو اكتفاء ذاتي كانت تلك الدول قد تمتعت بهما في الخمسينيات والستينيات.

وجدت هذه التحفظات الطريق إلى الأدبيات اليسارية والقومية التي تطورت في مصر باتجاه معارضة الانفتاح الاقتصادي وانتقال مصر من الاستقلال إلى التبعية، وشكّلت إلى حد كبير الخلفية النظرية والأيديولوجية لعدم شعبية البرامج المفروضة من قبل صندوق النقد، والتي عادة ما كانت تترجَم إلى المزيد من الأعباء على القاعدة الأكبر من المصريين، عبر إلغاء الدعم الحكومي ورفع الأسعار وغيرها من إجراءات التقشف.

لا يهدف هذا المقال في الحقيقة للدفاع عن صندوق النقد الدولي، فسجله في العالم أقل ما يقال عنه أنه مختلط وحافل بحالات من النجاح وأخرى من الفشل وثالثة بين بين. ومن المثير للانتباه أن تدخل صندوق النقد، على مدى الأربعين سنة الماضية، في بلدان العالم النامي، قد حدث عبر ذات البرنامج تقريبًا دون تغيير كبير، في الأغلب انطلاقًا من إيمان بمسلمات اقتصادية طالما رأى اقتصاديو الصندوق أنها صالحة لكل زمان ومكان. كما أن البوصلة التي طالما وجهت تدخل الصندوق كانت الاختلالات على المدى القصير، فلا اهتمام لدى الصندوق من الأصل بأسئلة التنمية أو هيكل الاقتصاد أو مشاكل توزيع الدخل والثروة أو علاقات الإنتاج، بقدر ما كان يُستدعى للمشهد باعتباره آخر مُقرض متاح على الساحة لحكومات تقترب من الإفلاس أو تدير اقتصادات أوصلتها اختلالاتها للشلل.

ولعل التنوع في نتائج تدخلات صندوق النقد، وهي التدخلات المتطابقة بين حالة وأخرى في أغلب الأحيان، يشير إلى أن الصندوق في حد ذاته قد لا يكون المشكلة ولا الحل. صحيح أنه أداة مؤثرة بالطبع، وصحيح أن لديه التمويل ولديه المفتاح للمزيد من التمويل لبلدان فقيرة في رأس المال، ولكن شكل هذا التأثير على التنمية في المدى البعيد يرتبط بعوامل أخرى، يتحدد كثير منها على المستوى الوطني، بدءًا من مؤسسات الدولة ومدى كفاءتها في تصميم السياسات العامة وتطبيقها، والعلاقات بين الدولة والقطاع الخاص، والعلاقات بين عنصري العمل ورأس المال، وغيرها كثير، ويبدو أنها هي من ترسم حظوظ الدول النامية في التعامل مع المحددات والقيود والفرص المتشابهة، على نحو يؤدي إلى نتائج متباينة وأحيانا متناقضة.

التنمية ليست محددة سلفًا بعوامل خارجة عن الإرادة، مثل شروط صندوق النقد، بقدر ما تتحرك في مساحة واسعة تتفاعل فيها الإرادة مع محددات خارجة عنها، كما يتفاعل فيها «الوطني» مع «الدولي»، و«الحاضر» مع «الموروث من الماضي».

التنمية ليست عملية تجرى بشكل «طبيعي» مع إطلاق قوى السوق الحر، كما يدعي أشد المؤمنين بالليبرالية، ولا هي عملية حتمية آتية لا محالة، بل إن تحسين فرص معيشة الغالبية من مواطني دولة بعينها هو ما طالما كان المسألة الصعبة والمعقدة والخاضعة للعديد من العوامل السياسية والاجتماعية، والكثير منها خارجي، والكثير منها تاريخي وآت من الماضي ولا يمكن صنعه أو صياغته بإرادة متخذي القرار، مهما خلصت النوايا.

كما أن التنمية في الوقت نفسه ليست محددة سلفًا بعوامل خارجة عن الإرادة، مثل شروط صندوق النقد أو الالتزام بمعايير منظمة التجارة العالمية، بقدر ما تتحرك التنمية، وكما تظهر تجربة البلاد التي نجحت في تحقيق قدر منها لقطاعات من مواطنيها في العقود الماضية، في مساحة واسعة تتفاعل فيها الإرادة مع محددات خارجة عنها من فرص وقيود، كما يتفاعل فيها «الوطني» مع «الدولي»، و«الحاضر» مع «الموروث من الماضي».

لا يشكل صندوق النقد الدولي، بكافة علاقات القوة التي يحملها، والتي تجسد الكثير من ملامح غياب التوازن بين دول ومناطق العالم، سوى محدِّد واحد ضمن محدِّدات عدة تتفاعل معها حكومات البلدان التي تواجه ضغوط التنمية، فلا قبول تمويله وشروطه يمثل مشكلة في حد ذاته، ولا هو الحل كذلك، وإنما يتخلل الرابط بين التعامل مع الصندوق وسجل التنمية الكثير من المتغيرات الوسيطة، والتي تقرر حظوظ بلد عن آخر، وهذه المتغيرات هي ما يجب أن تكون محل النقاش والجدل السياسي.

تم نشر هذا المقال في مدى مصر.