"ما هي الحالة النمطية للفقراء فيما يسمى بالدول النامية؟ إن فرص العمل المتاحة لهم محدودة للغاية لدرجة تحول دون تمكنهم من العمل للخروج من البؤس. إنهم إما يعانون من البطالة المقنعة أو من البطالة السافرة، وإذا ما حصلوا على عمل فإن إنتاجيتهم عادة ما تكون شديدة الانخفاض. إن لدى بعضهم أرضا، غالبا ما تكون صغيرة للغاية بينما كثرة من الفقراء لا يملكون أي أرض وليس لديهم فرص حقيقة للحصول على أي منها. مع انعدام أي أمل لهم في الريف ينزح هؤلاء إلى المدن الكبيرة. ولكن ما من عمل لهم في المدن الكبيرة كذلك، كما أنه بالطبع ما من مساكن لهم. وبغض النظر عن هذا كله فإنهم يزحفون على المدينة لأن إيجادهم فرصة للعمل هناك يبدو أكبر منها في القرية حيث من المؤكد ألا فرص على الإطلاق."

كتب هذه الكلمات الاقتصادي البريطاني (ألماني الأصل) فريدريك شوماخر في كتابه "كل ما هو صغير جميل" الصادر في ١٩٧٣، والذي عد بمثابة نقد راديكالي من منظور أخلاقي وبيئي لأسس الاقتصاد الكلاسيكي ولنظرية التحديث التي كانت سائدة وقتذاك في العالم، والتي كانت ترى أن التحديث هو عملية تدريجية وممتدة في البلدان النامية أو المتخلفة يتم من خلالها نقل أغلب السكان من النشاط الزراعي ومن الإقامة في الريف إلى أنشطة الخدمات والصناعة "الحديثة" في المدن تماما كما جرى في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين في بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان ممن شهدوا الثورة الصناعية ومعها الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث في شتى تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية وليس فحسب في البنية الاقتصادية.

اختلف النقد الذي قدمه شوماخر عن النقد الاشتراكي الذي بلغ ذروته في كتابات كارل ماركس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فبينما كان كارل ماركس وفريدريك إنجلز يرون أن معضلة العمل هي استغلال صاحب رأس المال للعامل حيث يقوم الأول باستغلال حاجة الأخير للحصول على قوت يومه من خلال العمل بأجر فيجبره على الإنتاج، والذي يتم من خلاله خلق كل قيمة اقتصادية، ولكنه لا يدفع للعامل الأجير سوى ما يكفي لسد رمقه وعائلته بينما يحوز الرأسمالي فائض القيمة كي يعيد استثماره في عملية لا نهائية من مراكمة رأس المال والتي تقوم على الاستغلال، وقد رأت الماركسية وقتها أن ذلك هو أساس الصراع الطبقي الذي تتجلى من خلاله تناقضات التحول للتصنيع، وأن النظام الرأسمالي ككل لا يمكن له أن يقوم سوى على إدامة الاستغلال وخلق كل الشروط السياسية والثقافية والاجتماعية لإعادة إنتاجه، وهو تماما ما ينتظر أن يواجه بمقاومة من قبل العمال تفضي إلى ثورة البروليتاريا تنهي الاستغلال بالقضاء على أسس النظام الرأسمالي.

كان التصنيع في شمال غرب أوروبا وفي الولايات المتحدة يجري على وقع هجرة متسارعة من الريف للمدينة (أو من الخارج في حالة الولايات المتحدة) تأتي بآلاف من المهاجرين الفقراء الذين لا يملكون سوى قوة عملهم كي يبيعوها لأصحاب المصانع والورش، صحيح أن البطالة كانت متفاقمة في تلك الفترة على نحو حذا بماركس وإنجلز إلى الحديث عن العاطلين عن العمل باعتبارهم "جيشا احتياطيا" يستخدم لتخفيض الأجور أكثر مما هي منخفضة إلا أن محور التحول الاقتصادي والاجتماعي كان "الدمج" لا الاستبعاد بمعنى أن ماكينة التصنيع في تلك الفترة كانت تطلب المزيد والمزيد من العمالة غير الماهرة أو شبه الماهرة كي تدخلها في حوزة النظام حتى تقوم باستغلالها، وكانت الإشكالية في ذلك السياق هو الحفاظ على النظام مع كل أولئك الداخلين الجدد دون أن يمثلوا تهديدا سياسيا أو اجتماعيا له، ومن هنا كان تطوير آليات للمراقبة والضبط من الأمن والتجنيد الإجباري وصولا إلى التعليم والتطعيم ضد الأوبئة وتنظيم العلاقات الجنسية داخل الأسرة وخارجها، ومن رحم تلك التفاعلات خرجت أهم المقولات الاشتراكية على تنوعها، وعلى تدرجها من الثورية إلى الإصلاح، والتي كانت كلها تدور حول إنهاء تعرض العامل للاستغلال.

كان تصور البعض في خمسينات وستينات القرن العشرين أن بلدان الجنوب "النامية" ستمر بتحولات شبيهة، وقد كان بالفعل مع نزوح الملايين بوتيرة غير مشهودة في تاريخ الإنسان المسجل، من الريف إلى المدينة، والخروج من ممارسة الزراعة، ولكن لم يحدث أن تماشت هذه الحركة الرهيبة مع حركة تصنيع بنشاط واتساع وعمق ما وقع في البلدان الصناعية. مرحليا عمدت الحكومات إلى استغلال القطاع العام لاستيعاب بعض المهاجرين الجدد، ولكن مع أزمات الدول النامية المالية والنقدية لم يعد هذا ممكنا منذ السبعينات، وقد كان في ذلك العقد تحديدا أن جرى اكتشاف مشكلة "الاقتصاد غير الرسمي" للإشارة إلى كون الغالبية الكبيرة من سكان البلدان النامية يعملون في قطاعات هامشية غير زراعية جرى تجميعها تحت بند "خدمات"، والتي بالقطع لم تكن تعني البنوك وشركات الأوراق المالية والاتصالات بقدر ما كانت تعني خدم المنازل والباعة المتجولين وأصحاب الفرشات والأكشاك والمنادين والتباعين وسائقي التكاتك والميكروباصات، والذي يمثلون اليوم في بلد مثل مصر ما يناهز السبعين في المئة من إجمالي العاملين (بدون احتساب العاملين في الزراعة)، وبينما يعمل بعض هؤلاء بأجر فإن قطاعا كبيرا منهم يعمل لحسابه أي يعمل منفردا يبيع في الشوارع أو يقود توكتوك، أو يعمل من المنزل، وخاصة النساء اللائي يعملن في مجالات كطبخ الغذاء أو الحياكة ثم يقمن ببيع منتجاتهن في الأسواق.

ولا يتمتع هؤلاء بأي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية أو الأمان الوظيفي فهم يعملون باليومية أو بأجور غير ثابتة وبدون عقود عمل، وغالبا ما تكون علاقات العمل مؤقتة بالمواسم أو بالعمل اليومي كونهم "على باب الله" أو "أرزقية" وغيرها من التعبيرات الدارجة الكاشفة عن النشاط الاقتصادي لفقراء المدن في مصر، والتي خلافا لما هو متصور تتشابه مع تقريبا كل بلدان العالم النامي من حيث غلبة الأنشطة غير الرسمية، ولكن بجانب غياب الأمان الوظيفي والضمان الاجتماعي فإن وظائف هؤلاء غالبا ما تكون هامشية وهشة ومنخفضة الإنتاجية ومن ثم منخفضة الأجر (أو الدخل لأصحاب العمل الذاتي)، أي تماما كما تحدث شوماخر قبل أكثر من أربعين سنة هم بين البطالة المقنعة والبطالة السافرة أو التامة.

إن مشكلة هؤلاء تتعلق بالعمل ولا شك، فقد أتوا بحثا عن عمل، وبعد تحركهم بعيدا عن الريف لم يعد ممكنا أن يحصلوا على ما يسد الرمق بشكل مباشر من خلال زراعة قطعة أرض صغيرة أو تربية الحيوانات كما كان في الماضي بل أصبح لزاما أن يندمجوا مع قوى السوق إما مباشرة بأن يقدموا سلعا أو خدمات لزبائن أو من خلال سوق العمل، وهو تماما ما ليس متوفرا أو يتوفر ولكن بشروط سيئة لا تؤدي إلى تحسن مستويات المعيشة للفرد أو لعائلته، ولا تبشر بأي انتقال على مستوى المجتمع نحو أنشطة أكثر إنتاجية ومن ثم مستويات معيشة أفضل في المستقبل. ومما يزيد الصورة قتامة أن صفوف العاطلين وأشباه العاطلين والعاملين بمهن هشة باتت تضم اليوم المزيد والمزيد من المتعلمين بل ومن الجامعيين ما يجعل المسألة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية أشد تعقيدا عن ذي قبل.

ولكن هل مشكلة العمل هنا هي مشكلة الاستغلال القديمة التي تحدث عنها الاشتراكيون ولا يزال بعضهم؟

إن معاناة وبؤس اليوم يبدو من التهميش والإقصاء لا الاستغلال، على الأقل في صورته التقليدية لعمال في ملابسهم الزرقاء يعملون لساعات طويلة في ظروف غير إنسانية مقابل أجور زهيدة، إن الوضع الحالي يبدو وكأن النظام الاجتماعي بتفاصيله يتشكل لا لإدماج هؤلاء الفقراء والمفقرين بغية استغلالهم كما كان في الثورة الصناعية بل تصميم كل ما هو ممكن لإبقائهم في الخارج: بعيدا في أحيائهم العشوائية، وخارج أسوار الكومباوندز التي تحمل أسماء أجنبية، وخلف أشرطة المترو والطرق السريعة، وبما يجعل الشوارع والميادين خلوا من الباعة المتجولين الذين يفسدون المظهر الحضاري. إن القمع يتعاظم بالطبع، ولكن ليس للاستغلال إنما للإبعاد والإبقاء بعيدا قدر الإمكان ولأطول فترة ممكنة. ما من قطاع صناعي أو قطاع خدمات حديث يستوعب هؤلاء كعمال، فمهاراتهم وإنتاجيتهم لا توفر سوى هذا العمل المضطرب والهش، ونكون بهذا قد انتقلنا من فائض القيمة إلى فائض البشر الذين يجب السيطرة عليهم في مكامنهم في أحزمة الفقر حول المدن الكبيرة في العالمين المتقدم والنامي بدرجة أصبحت مدهشة في التشابه، وبين البلدان الثرية وجيرانها الأقل حظا الذين يعبرون البحر ويسلكون الطرق المهجورة كلاجئين ونازحين أو مهاجرين "غير شرعيين".

ليس هذا إبراء للنظام الرأسمالي المحلي أو العالمي من تهم الاستغلال، وليس المقال هرطقة يسارية، بل هو دعوة لإعادة أشكلة "العمل" في عالمنا اليوم حتى يمكن أن نفهم مسارات النضال الاجتماعي والسياسي الممكنة بدلا من أن ننظر بنظارات قديمة تطل على عالم لم يعد موجودا هربا من واقع تصوت فيه بقايا الطبقة العمالية في البلدان الصناعية كفرنسا والولايات المتحدة لليمين المتطرف.

تم نشر هذا المقال في مدى مصر.