قبل انقلاب 2013، انتهجت معظم الأحزاب الليبرالية واليسارية سياسة خالفت مبادئها الديمقراطية المُعلَنة عبر رفضها مدّ اليد إلى الرئيس المنتخَب، محمد مرسي (من الإخوان المسلمين) وإلى حكومته. التكتيكات التعطيلية التي لجأ إليها «العلمانيون» رداً على سياسات الإخوان غير التوافقية وبدافع الخشية من استيلاء الإسلاميين على المنظومة السياسية المصرية، قذفت بالأحزاب الليبرالية واليسارية إلى أحضان تحالف مكيافيلي مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية التي كانت تسعى إلى قطع الطريق على الانتقال الديمقراطي في مصر.

في أعقاب انقلاب 2013، قدّم معظم السياسيين العلمانيين الدعم للجنرالات، وغضّوا الطرف عن القمع الواسع النطاق وعمليات القتل الجماعي، كما توقّعوا أيضا، وكانوا مخطئين في ذلك، أن تُبدي المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية اهتماماً بإقامة تحالف طويل الأمد مع الأحزاب العلمانية لحكم البلاد.

ومع اتضاح الصورة وانكشاف المسار السلطوي لعبد الفتاح السيسي الذي حظي ترشّحه للرئاسة في العام 2014 بدعم مباشر أو غير مباشر من معظم الأحزاب العلمانية، تكيّفت بعض هذه الأحزاب مع الواقع الجديد عبر القبول بالفتات السياسي الذي تركه لها الجنرالات – والذي كان أساساً مجموعة من مقاعد في البرلمان الراضخ بالكامل للسلطة التنفيذية. حاولت أحزاب علمانية أخرى الحفاظ على درجة من الاستقلالية التنظيمية والعمل السياسي المستقل، فيما كانت تدعم الحكومة في الوقت نفسه. فردّت الحكومة بإضعاف هذه الأحزاب من الداخل عبر إذكاء النزاعات في صفوف القيادة، من هذه الأحزاب حزب الوفد الجديد وحزب المصريين الأحرار. توجّهت مجموعة ثالثة صغيرة من الأحزاب العلمانية نحو معارضة الحكومة. لكن مع إغلاق مساحة النشاطات العامة، وتعرّض المنظمات الأهلية إلى ضغوط هائلة، وإقرار قوانين سلطوية جديدة، تراجع إلى حد كبير نطاق عمل الأحزاب العلمانية المعارضة وفعاليتها.

قبل الانفتاح الذي عرفته مصر لفترة وجيزة بين العامَين 2011 و2013، كانت مأساة الأحزاب العلمانية، الليبرالية واليسارية على السواء، أنها اضطُرَّت إلى صياغة خطابها واستراتيجياتها التواصلية وممارساتها السياسية ضمن أطر تقييدية، حيث لم يكن هناك وجود البتّة لمنافسة مفتوحة على التفويض والنفوذ السياسيَّين. قبلت الأحزاب العلمانية في شكل أساسي تطويعها من جانب الحكومات المتعاقبة في مقابل حصولها على حصص ضئيلة جداً في السياسات الرسمية – مثل التمثيل المحدود في البرلمان. وأدى هذا الأمر إلى ظهور مكامن ضعف أساسية لدى هذه الأحزاب، بدءاً من افتقارها إلى قواعد شعبية ثابتة وصولاً إلى اتخاذها مواقف ملتبسة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأساسية. وبدلاً من الإفادة من الديناميكيات التعددية بين العامَين 2011 و2013، عانت الأحزاب العلمانية من الانقسامات والتشتت وسيطر عليها هاجس الخوف من النجاحات الإسلامية في صناديق الاقتراع. وسرعان ما دفعها هذا الخوف إلى اعتماد تكتيكات تعطيلية وغير ديمقراطية، فأصبحت المسافة الفاصلة بين تقويض المبادئ الديمقراطية وبين دعوة الجيش إلى التدخل قصيرة إلى درجة مرعبة.

ومنذ انقلاب 2013، يعمل عبد الفتاح السيسي على إعادة تثبيت ركائز السلطوية في العلاقات بين الدولة والمجتمع مستخدِماً أدوات متنوعة. لقد سعت حكوماته المتعاقبة، عبر إقرارها قوانين وتعديلات قانونية قمعية، إلى تحقيق ثلاثة أهداف: تقويض حرية التعبير والتجمع التي نص عليها دستور 2014؛ وإغلاق مساحة النشاطات العامة أمام المواطنين والفاعلين في المجتمع الأهلي والأحزاب والتيارات السياسية بعد فتح هذه المساحة لفترة وجيزة إبان الانتقال الديمقراطي؛ والتأكّد من احتفاظ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بصلاحيات مطلقة لا تخضع إلى أية سيطرة. وهذا عنى توسيع اختصاص المحاكم العسكرية، وتعميق الاختلال في التوازن بين الأجهزة العسكرية والأمنية من جهة وبين المكوِّن المدني في الدولة المصرية من جهة أخرى. في هذا السياق، صدر قانون التظاهر، وقانون الإرهاب، وتشريع المنظمات غير الحكومية، فضلاً عن تعديلات قانون العقوبات والقوانين المتعلقة بمنظومة المحاكم العسكرية – فضلاً عن أكثر من 350 قانوناً وتعديلاً آخر. وكأن كل هذه الإجراءات لم تكن كافية، أعلنت حكومة السيسي حال الطوارئ قبل بضعة أسابيع بعد عمليتَي التفجير المروّعتين اللتين استهدفتا كنيستين قبطيتين يوم أحد الشعانين.

لا ينبغي أبدا إنكار أن مصر تُواجه تهديداً إرهابياً متفاقماً في الأعوام الأخيرة، في سيناء ومناطق أخرى من البلاد. بيد أن إعلان حال الطوارئ ليس الحل السياسي المطلوب. يتمتّع الجيش والأجهزة الأمنية بسلطات مطلقة في عملياتهما في سيناء وسواها من المناطق المصرية، وقد وثّقت منظمات غير حكومية محلية ودولية تورّطهما في ارتكاب فظائع وانتهاكات في مجال حقوق الإنسان. لم تسهم الصلاحيات المطلقة واللجوء المفرط إلى القوة في احتواء التهديد الإرهابي، ولا في تحسين الوضع الأمني في مصر. بل على العكس، ولّدت بيئة اجتماعية ترزح تحت وطأة المظالم، وتستجلب العنف في سيناء وخارجها. ولن يؤدّي إعلان حال الطوارئ، مع ما يضيفه من أدوات إلى سياسات النظام السلطوية، مثل إنشاء محاكم الطوارئ، سوى إلى استفحال الأزمة المزدوجة المتمثّلة في انتهاكات حقوق الإنسان وتعاظم التهديدات الإرهابية.

عادة ما وافق الرؤساء الذين سبقوا السيسي على فتح المنظومة السياسية جزئياً في الفترات التي مرّت فيها البلاد بأزمة شرعية أو تخبطت في مشاكل اجتماعية واقتصادية حادة. إبان الهزيمة العسكرية الساحقة في الحرب العربية-الإسرائيلية في حزيران/يونيو 1967، وإزاء توسّع الحراك الطالبي في الجامعات اعتراضاً على الحكم السلطوي للرئيس جمال عبد الناصر (1952-1970)، سمح هذا الأخير ببعض الكلام عن الحد من الدور السياسي للجيش ومساءلة بعض الجنرالات. في السبعينيات، أدخل الرئيس أنور السادات (1970-1981) تعددية حزبية محدودة في سياق الإجراءات الواسعة التي اتخذها لإعادة توجيه مصر بعيداً من النموذج الاشتراكي لجمال عبد الناصر، وأتاح التعبير عن رأي مخالف إلى حد ما داخل البرلمان. وقد عمل الرئيس حسني مبارك خلال حكمه الطويل (1981-2011) على الإبقاء على تعددية سياسية محدودة بهدف نزع فتيل بعض التشنجات الناجمة عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المستمرة. كان لعدد قليل من الأحزاب الليبرالية واليسارية حضور ثابت في البرلمان بصفة أحزاب أقلية، في حين ظل حزب الرئيس، الحزب الوطني الديمقراطي، متربعاً في سدة الحكم على الدوام. كذلك أتاح مبارك أيضاً هامش مناورة للمنظمات غير الحكوميات، والنقابات المهنية، والنشطاء في مجال العمل العام. أما عبد الفتاح السيسي فيبدو أنه يعتقد أن السبب وراء سقوط نظام مبارك هو سماحه بوجود تعددية جزئية في البلاد. ولذا يلجأ إلى القمع الشديد والأدوات التشريعية وسرديات «الحرب على الإرهاب» والحصار الإعلامي (الحجب المتتالي للمواقع الإخبارية خلال الأيام الماضية) لإغلاق المساحة العامة أمام الجميع.

إزاء كل ذلك، لا يمكن استبعاد فرص اندلاع انتفاضة ديمقراطية جديدة ولا الاشتداد التدريجي لعود المعارضة السلمية التي لم تعد بذات ضعف فترة ما بعد الانقلاب.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.