هؤلاء المجرمون الذين قتلوا الأطفال والمصلين من النساء والرجال في صعيد مصر لا يريدون سوى حجب شمس النهار وإغراق الأقباط في ظلام الخوف الدائم من اليوم والغد.

هم نازيو المرحلة الذين يتعايشون على القتل وإراقة الدماء وفرض مشاهد الدمار والحرق، ويخالون الأقباط أقلية مستضعفة يسهل الاعتداء عليها وعلى دور عبادتها، ويدفعهم غيهم إلى الظن أن غير الأقباط من المصريات والمصريين لن يحزنوا طويلًا على الجثث المتفحمة والكنائس المحترقة وصرخات الأهل والأحباب أو لن يتضامنوا في واجب الحصار المجتمعي للإرهاب.

يظن هؤلاء المجرمون ذلك، ويتمادون في جرائمهم الإرهابية ووحشيتهم التي لا تتمايز في الجوهر عن وحشية جرائم القتل الجماعي التي ارتكبها برابرة القرون السابقة من محاكم التفتيش إلى أفران الغاز.

غير أننا لسنا هذا المجتمع الذي يخالون، لم نكن ولن نكون. الأقباط الذين يسقطون ضحايا الإجرام الإرهابى هم شهداء مصر، ومصاب ذويهم هو مصابنا جميعا. كل طفلة فقدت الأم أو الأب أو كليهما تدمى دموعها قلوبنا جميعًا. كل أم مكلومة في القاهرة وطنطا والإسكندرية والمنيا تسمع صرخاتها بين جنبات بيوتنا. كل أب تلهث أنفاسه وتتسارع نظراته باحثة بين الضحايا عن أفراد أسرته الذين كانوا معه أثناء القداس أو في الحافلة المتجهة إلى الدير لن يتركنا وجهه سريعًا. كل ترنيمة جنائزية سمعت في صحن كنيسة تحملنا جميعًا وليس الحكم بمفرده مسئولية حماية حق الأقباط في الحياة والأمن وحرية العبادة.

لا يقع على أغلبيتنا كمواطنين عبء المواجهة الأمنية لمجرمي العصابات الإرهابية، بل تضطلع بها قوات الجيش والشرطة التي يسقط منها شهداء في سيناء والدلتا والصعيد. ومهما تعالت أصواتنا مطالبة بضرورة المزج بين المواجهة الأمنية للإرهاب وبين أدوات اقتصادية واجتماعية أشمل أو مهما شددنا على حتمية التزام سيادة القانون ومقتضيات حقوق الإنسان حين توظف الأداة الأمنية، فإن لا هذا ولا ذاك يحد من التضامن الكامل مع ضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة الذين يخاطرون بحياتهم لضمان حقنا نحن في الحياة. ومهما عارضنا نظام الحكم الحالي ورفضنا سياساته وممارساته ونادينا ببناء الديمقراطية ودولة مدنية حقيقية لا عسكرية ولا أمنية ولا دينية، فإن الاختلاف لا يعني التورط في التشكيك في الدور الضروري للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب.

غير أن عبء الحصار المجتمعي للإرهاب يقع علينا كمواطنين، تحديدًا على الأغلبية المسلمة. في أعقاب تفجيرات أحد الشعانين التي أسقطت شهداء من المصلين في كنائس طنطا والإسكندرية، تصاعدت الدعوات لتضامن المواطنين المسلمين مع نظرائهم الأقباط بالذهاب المشترك إلى الكنائس وحضور الصلوات بأعداد كبيرة لكى تطمئن بعض القلوب الخائفة، ويغادر بعض العقول الإدراك الانهزامي بوقوف الأقباط دون ظهير مجتمعي في مواجهة جرائم الإرهابيين، ولكي يشعر المصريون المسلمون بمرارة وقسوة هوية الأقلية المضطهدة والمتعقبة التي يلصقها الإرهاب بالواقع المعاش للمصريين الأقباط. وقناعتي أن مثل هذه الدعوات، حين تفعل بجدية لا تقتصر على الأيام التي تلي التفجيرات الإرهابية مباشرة وتمتد على امتداد خريطة الوطن، يمكن أن تباعد بين حديث «التضامن مع إخواننا الأقباط» وبين طبيعته العمومية فارغة المضمون وتحرره من الاحتكار التقليدى من قبل المسئولين الحكوميين ورجال المؤسسات الدينية.

لا يحتاج الأقباط وحسب لتضامن مؤتمرات الرئاسة والحكومة الصحفية، وإعلانات الثأر للشهداء التي تسجلها كاميرات التليفزيون. لن تتراجع مخاوفهم المشروعة أو تختفي مشاعر الظلم والاضطهاد والتعقب بمجرد زيارة المسئولين للجرحى في المستشفيات وتوزيع وزارة التضامن الاجتماعي للتعويضات على الأسر المكلومة. ولا تقدم الأحضان المتبادلة بين القساوسة والشيوخ للمواطنين الأقباط غير مشاهد استعراضية تستنسخ ميكانيكيا كلما وقعت جرائم العنف الطائفي أو جرائم الإرهاب، مشاهد لا تشفي غليل المكلومين وتتناقض في طبيعتها الاحتفالية مع الألم الذي يعتصرنا جميعًا. لذلك، لم يعد مقبولًا أن يترك واجب التضامن المجتمعي للمسئولين الحكوميين ورجال المؤسسات الدينية وحدهم، بل لابد من دور نشط لنا كمواطنين يدينون بدين الأغلبية.

بجانب الذهاب المشترك إلى الكنائس وحضور الصلوات، يمكن أيضا التفكير في خطوات تضامنية أخرى. لماذا لا يتبنى بعضنا، من جمعيات أهلية أو منظمات حقوقية أو مجموعات من مجتمع الأعمال، حملة لوضع صور الشهداء الأقباط في الميادين العامة لكي تحفزنا صورهم على الامتناع عن نسيان حقهم في الحياة والأمن الذي انتهك؟ لماذا لا نخاطب سلطات الأحياء لتغيير أسماء بعض الشوارع والميادين والمستشفيات لتخليد ذكرى استشهاد أطفال ونساء ورجال أسقطهم إرهاب أسود، وتحتاج ذاكرتنا الجمعية لاختزان أسمائهم كصورهم؟

لماذا لا ننقل حديث التضامن مع المصريين الأقباط بعيدًا عن العموميات وباتجاه خانات الفعل المجتمعي ــ الأهلي والمدني ــ بإطلاق حملات للتوعية في المدارس والجامعات (وربما في القليل من وسائل الإعلام التي لم يزل لها شيئا من المصداقية) بخطر الأفكار المتطرفة والطائفية المتمسحة بالدين الإسلامي التي تشرعن لجرائم العنف والقتل ضد الأقباط، ومن ثم تحرير خطاب الإصلاح الديني من قبضة حكم سلطوي لا يملك لذاك الإصلاح رؤية حقيقية؟

لماذا لا نطرح، بعيدًا عن المسئولين الحكوميين والمؤسسات الدينية، أجندة لتنقية القوانين المصرية من المحتوي التمييزي بإلغاء خانة الديانة فى بطاقات الهوية الشخصية أو بإعادة النظر فى ضمانات الحريات الدينية والحقوق المتساوية للمواطنين فى تعاملاتهم مع الدولة ومؤسساتها العامة وكذلك مع المؤسسات الخاصة؟ لماذا لا نمزج بين مثل هذه المبادرات التي يتعين على الأغلبية المسلمة أن تضطلع بها وبين إدارة نقاش علني وهادئ حول نواقص المواجهة الأمنية للإرهاب وسبل تجاوزها حكوميًا ومجتمعيًا؟

لم يعد مسئولا أن نكتفي بعموميات التضامن مع الأقباط دون فعل، ولم يعد مقبولا أن نترك واجب التضامن للاحتكار الحكومى وللمشاهد الاستعراضية من قبل رجال القساوسة والشيوخ. فالأمر لنا كمواطنين، والعيش المشترك هو هدفنا نحن قبل الدولة وبعيدًا عن الدين.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.