بعد يوم واحد من قيام كلٍ من السعودية والإمارات العربية المتحدة بقطع العلاقات فجأة مع قطر، ألقى الرئيس دونالد ترامب بثقله صبيحة الثلاثاء بسلسلة من التغريدات:

دونالد ترامب @realdonaldtrump
خلال رحلتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط، حين قلت إنه لن يكون هناك بعد الآن تمويل للإيديولوجيا الراديكالية، أشار قادة بأصابع الاتهام إلى قطر. أنظروا!

دونالد ترامب @realdonaldtrump
أمر طيّب للغاية أن نرى أن زيارتي للسعودية ولقائي مع الملك و50 بلداً تؤتيان أُكلهما. قالوا إنهم سيلتزمون خطاً متشدّداً حيال التمويل...

دونالد ترامب @realdonaldtrump
...التطرف وكل المؤشرات تُشير بالبنان إلى قطر. ربما هذا سيكون بداية نهاية أهوال الإرهاب!

مع كل هذا الدفق، بات موقع قطر المعزول أصلاً واهياً وأكثر ضعفا. لكن، كيف وصلنا إلى هذه المرحلة، وماذا تعني هذه الواقعة بالنسبة إلى المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج على وجه الخصوص؟

بيري كاماك باحث في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تركّز أبحاثه على التوجهات الإقليمية بعيدة المدى وتأثيراتها على السياسة الخارجية الأميركية.
بيري كاماك

باحث
برنامج الشرق الأوسط

في تشربن الثاني/نوفمبر 2014، أعلن قادة مجلس التعاون الخليجي بشجاعة انتهاء الأزمة التي كانت قد حدت بالسعودية والإمارات والبحرين إلى سحب سفرائهم من قطر. إنهم كانوا "يفتحون صفحة جديدة" و"يضاعفون جهودهم ويوحّدون صفوفهم لحماية أمنهم واستقرارهم".

خلفية هذه الواقعة، تُشبه إلى حد بعيد أحداث الأيام القليلة الماضية. فاليوم كما بالأمس، اتهمت الدول الثلاث الدوحة بالتدخّل في شؤونها الداخلية ودعم الإرهاب. واليوم كما بالأمس، لُب المسألة كان علاقة الدوحة بجماعة الإخوان المسلمين وفضائية الجزيرة التابعة لها.

الآن، حين نضع في الاعتبار الحقيقة بأن السعودية هي القوة المُهيمنة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في شبه الجزيرة العربية، ندرك لماذا سعت الملكيات الخليجية الخمس الأصغر دوماً إلى الحفاظ على استقلالها من أخيها الأكبر وتجنّب المواجهة المباشرة معه. وهكذا، أصبحت الإمارات "اسبارطة صغيرة" وشريكاً عسكرياً رئيساً للولايات المتحدة، وتحوز على قدرات لمكافحة الإرهاب. وعُمان اشتّقت لنفسها دور الوساطة الإقليمية ورفعت شعار "صديق الجميع وعدو لا أحد"، وعملت كقناة خلفية سرّية مع إيران لصالح إدارة أوباما. من جهتها، طوّرت الكويت ثقافة سياسية نشطة- وإن غالباً خشنة- ، مع برلمان مُنتخب يتمتع بديناميكية نسبية. وتبقى البحرين، التي تحكمها أقلية سنّية والمبتلية بالتوترات الطائفية، وهي التصقت عن كثب بالسعودية وتدارست على ماقيل الاتحاد السياسي معها.

بيد أن قُرعة قطر وقعت على دور الإزعاج. فهي حاولت العمل كوسيط في النزاعات من أفغانستان إلى غزة والسودان واليمن، وخدمت كقناة خلفية (وأحياناً بشكل لامسؤول ولكن مع منافع حقيقية) مع الجماعات المُتطرفة على غرار حماس وطالبان. وهي تتمتع بعلاقات مع إيران أفضل من السعودية أو دولة الإمارات (وإن ليس بالدفئ نفسه لعلاقة عُمان بطهران)، وهذا يعود جزئياً لأن البلدين يتشاطران أكبر حقل غاز في العالم.

ساعدت فضائية الجزيرة، التي هي درّة تاج قطر، على كسر احتكار المؤسسات الإعلامية ضيقة الأفق التابعة للدولة، لكنها أثارت في خضم ذلك حفيظة جيران الدوحة، مادفع السعودية إلى سحب سفيرها لمدة ست سنوات بدءاً من العام 2002. وفي هذه الأثناء، كانت جهود قطر لكبح جماح تمويل الإرهاب واهنة، وهي دعمت الجماعات الإسلامية الوطنية في سورية، مثل أحرار الشام، وقادة حماس الذين يقيم بعضهم في الدوحة.

بيد أن أفدح التجاوزات، من وجهة نظر السعوديين والإماراتيين، كانت دعم قطر للحركات الإسلامية الثورية، خاصة منذ اندلاع الانتفاضات العربية العام 2011. وعلى رغم أن جماعة الإخوان المسلمين لعبت دوراً رئيساً في الخليج خلال الحملات المصرية (الناصرية) في حقبة الخمسينيات والستينيات، إلا أن الرياض وأبو ظبي باتتا في العقود الأخيرة تعتبران الجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان تهديداً أكثر خطورة من الجماعات الإرهابية العدمية على غرار القاعدة والدولة الإسلامية. لكن، وعلى رغم أن جماعات الإخوان تُقمع بعنف في مصر وبلدان أخرى، إلا أنها تحتفظ ببعض الدعم الشعبي المتبقي. ولأنها تسعى إلى الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات، فهي قد تشكّل مع الوقت تهديداً للحكم المَلَكي.

الآن، إذا ماكانت أسباب أزمات 2014 و2017 مُتشابهة، إلا أن السياقات الإقليمية ليست كذلك. فحين سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفراءها في العام 2014، كان عمر الملك السعودي عبد الله 89 سنة ويعاني من الوهن والمرض. كما كان ثمة شعور في كلٍ من الخليج والغرب بأن تميم بن حمد، أمير قطر، -33 سنة وتسنّم العرش مؤخرا- ربما يكون أقل عناداً من والده وقابلاً للتطويع. لكن اليوم، السعوديون هم الذين لديهم قيادة شابة ديناميكية بشخص ولي ولي العهد الطموح محمد بن سلمان، الإبن المفضل للملك.

بغضّ النظر عن تغريدات الرئيس ترامب على تويتر، لايزال من غير الواضح ما إذا كان للإدارة الأميركية علم مسبق أو تدخّل مباشر في هذه المواجهة الأخيرة. لكن قرار ترامب بأن تكون السعودية العمود الفقري للمقاربة التي ينتهجها تجاه العالم العربي، في سياق إطلالته على الإسلام السياسي بأشكاله كافة كعدوّ، أثّر حتماً على حسابات السعوديين. إذ ربما جال في خاطر الرياض وأبو ظبي أن باستطاعتهما ممارسة أكبر قدرٍ ممكن من النفوذ في المرحلة التي تعقب مباشرةً زيارة الرئيس الأميركي.

لكن الصراع الحالي لايتمحور حول الاعتبارات الجيوسياسية، بقدر مايدور حول نظرة الجانبين السعودي والإماراتي إلى التهديدات المحلية المُحدقة بهما في هذه المرحلة من الفوران الإقليمي الهائل، ولاسيما أن الشرق الأوسط هو اليوم أسوأ حالاً حتى مما كان عليه قبل ثلاث سنوات. فالتدخل العسكري في اليمن بقيادة السعودية والإمارات لايسير على مايُرام، كما أن المملكة ترزح تحت وطأة ضغوط اقتصادية شديدة في أعقاب تهاوي العائدات الهيدروكربونية، وبالتالي لا السعودية ولا الإمارات في وارد تبنّي موقف متسامح حيال ماتعتبرانه فشل قطر في الوفاء بالالتزامات التي قطعها العام 2014.

ماتَرَدَّد في السابق حول التنافس الدائر بين السعودية وقطر، كان في آن عبارة عن مسرحية سياسية كما هو حقيقة سياسية. لكن ثمة مؤشرات تشي بأن الأمور مختلفة هذه المرة. فالتدابير التي اتّخذتها السعودية، والتي قضت بإغلاق الحدود البرية الوحيدة لقطر، وفرض سلسلة من القيود على شركات الطيران التجارية، هي بمثابة فرض حصار اقتصادي جزئي على قطر التي تستورد 90 في المئة من المنتجات الزراعية، والتي يُرجّح أن تعاني في الأسابيع المقبلة من خلل اقتصادي حادّ.

وقفت دول عربية عدّة، من ضمنها تلك التي تحظى بدعم سياسي واقتصادي من السعودية والإمارات، مثل مصر واليمن وليبيا، صفّاً واحداً ضد قطر. أما تركيا، المنحازة إيديولوجياً إلى قطر، والتي تعتدّ بعضويتها في حلف الناتو وبجيشها القوي، فهي لاشك الحليف الإقليمي الأبرز للدوحة. وقد أنشأت تركيا العام الفائت قاعدة عسكرية صغيرة في قطر، هي الأولى من نوعها في شبه الجزيرة العربية منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية منذ قرن خلا. ولدى دول أخرى مثل العراق وعُمان وتونس دوافع سياسية أو مالية تقف وراء رغبتها في أن تتمكّن قطر من المحافظة على قدرٍ من استقلاليتها عن السعودية.

توقّع بعض الخبراء إغلاق قناة الجزيرة أو حتى حدوث تغيير على مستوى القيادة في الدوحة. ومما لاشك فيه أن قطر، في خضم حرب الإرادات هذه، غارقةٌ في لُجج صراع غير متكافئ، إذ أن عدد سكان السعودية والإمارات معاً يبلغ 20 ضعف عدد سكان قطر. لكن، مهما اتّقد بركان الغضب في السعودية والإمارات، لن ترغب لا الرياض ولا أبو ظبي في خوض غمار أزمة سياسية متواصلة تصبّ في صالح إيران، التي عرضت إرسال شحنات من الموادّ الغذائية إلى قطر، فضلًا عن فتح مجالها الجوي أمام الطائرات القطرية.

نظراً إلى حالة الوَهَن النسبي التي تعتري قطر، ستكون عاصفة التغريدات التي أطلقها ترامب حاسمة على الأرجح في تحديد مآلات الأمور. ومع أن القيادة المركزية الأميركية - التي تتولّى تنفيذ وتنسيق معظم عملياتها الجوية الإقليمية، من ضمنها تلك الموجّهة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، في قاعدة العُديد الجوية في قطر – أعلنت يوم الاثنين أنها "لاتعتزم نقل مقرّها في قطر"، إلا أن تصريحات ترامب تُلمح حتماً إلى إمكانية تغيير موقع التمركز العسكري الأميركي.

لقد أعلن الوزيران ريكس تيلرسون وجيم ماتيس، اللذان يقومان بزيارة مشتركة إلى أستراليا، أن الأزمة الراهنة لن يكون لها تأثير كبير على الجهود العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. هذا صحيح على الأرجح من منظور عملاتي ضيق، على الأقل في المدى القصير، ذلك أن الأصول العسكرية الأميركية، لم تتأثر على مايبدو بالحظر المفروض على شركات الطيران التجارية. لكن من منظور سياسي أوسع، يبدو أن هذا الخلاف قد قوّض وحدة جهود التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إذ أماط اللثام عن أسافين التصدّعات الإيديولوجية والسياسية التي تؤرق الشرق الأوسط.

يبدو أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو إرغام قطر على تقديم تنازلات كبيرة. ولا شك أنه ينبغي تحسين بعض جوانب السياسة الخارجية القطرية، بدءاً من تعزيز جهودها في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، ووقف بروز شخصيات متطرّفة من على منبر قناة الجزيرة ووسائل إعلامية أخرى.

لكن، على الرغم من سياسات الدوحة التي يمكن وصفها بالإشكالية والمتقلّبة، قد يسفر إذعان قطر الكلّي عن تقليص هامش الخطاب السياسي الضيق أصلاً في الشرق الأوسط، وعن عرقلة الجهود الرامية إلى خفض وتائر التصعيد وحل النزاعات في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد استقطاباً حادّاً. إذ سيؤول إغلاق قناة الجزيرة إلى تداعيات عميقة وقاسية تُلقي بظلالها على وسائل الإعلام المستقلة المُتبرعمة في العالم العربي، والتي تواجه ضغوطاً متنامية على أيدي الأنظمة السلطوية.

تحمل هذه الخطوة أيضاً درساً أكبر لإدارة ترامب. كان عامل الجذب في النهج الذي اتّبعه الرئيس الأميركي تجاه السعودية خلال زيارته الأخيرة إلى الرياض واضحاً، وتمثّل في إفساح المجال للبيت الأبيض الذي يتخبّط في أزمة سياسية، بتحقيق أمرٍ كان بأمس الحاجة إليه، وهو استعراض كفاءته على مستوى السياسة الخارجية. كذلك، شكّلت مقاربة ترامب فرصة لترميم أواصر العلاقة مع حليف إقليمي مهم، ناهيك عن أنها مهّدت الطريق أمام ممارسة ضغوط على إيران، وإطلاق العنان لجهود مكافحة الإرهاب، والسعي إلى التأثير على عملية السلام الإسرائيلي-الفلسطيني المُحتملة.

لقد أعلن ترامب خلال زيارته إلى الرياض أن "هذه الزيارة تشكّل سابقة تاريخية". لكن الشرق الأوسط منطقة صعبة ومعقّدة، وكذلك منطقة الخليج. وقد عانت إدارة أوباما أيضاً الأمرّين وهي تواجه خطوط الصدع الإيديولوجية هذه.

إن فكرة الوحدة العربية كانت ولاتزال مجرّد سراب. فبعد ثلاثة أسابيع على إعلان ترامب توحيد الجهود لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية وإيران، يبدو أن أواصر هذه الوحدة تفكّكت.

تم نشر هذا المقال على موقع "وور أون ذا روكس".