هل تقدم العلوم السياسية تفسيرات قاطعة لعوامل نجاح أو فشل التحولات الديمقراطية؟ وبالمثل، هل في جعبتها إجابات حاسمة على الأسئلة المتعلقة بأسباب استمرار أو انهيار الحكومات السلطوية؟

في الحقيقة، لا.

توجد اجتهادات هامة تفسر كيف غادرت أغلبية بلدان أمريكا اللاتينية وأوروبا الوسطى والشرقية وطائفة من البلدان الأفريقية والآسيوية بين ثمانينيات القرن العشرين واليوم خانات الحكم السلطوي، وانفتحت تدريجيا على عمليات انتخابية نزيهة تشكلت وفقا لها البرلمانات (المؤسسات التشريعية) والحكومات (المؤسسات التنفيذية) وتحسنت معها أوضاع حقوق الإنسان والحريات وسيادة القانون واستقلال السلطات القضائية. فقد رتب عجز الحكومات الشيوعية في أوروبا الوسطى والشرقية عن الوفاء بمتطلبات شعوبها الاقتصادية والاجتماعية تراجع الرضاء العام عن أدائها وعلى وقع الأزمات المعيشية المتراكمة تذكرت قطاعات سكانية مؤثرة حقوقها السياسية والمدنية المهدرة وامتنعت عن قبول مقايضة «العمل نظير الحرية» واندفعت إلى البحث في سبل التغيير السلمى لحكوماتها وتحدى قبضتها الأمنية المخيفة.

 

تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
عمرو حمزاوي

باحث رئيسي
برنامج كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث
بالقطع، ساهمت عوامل أخرى في بدء التحولات الديمقراطية في بلدان «الكتلة الشيوعية» السابقة، منها الانهاك المتزايد الذي تعرض له راعيها السوفييتى بعد أن ورطته الولايات المتحدة الأمريكية (إدارة رونالد ريجان ١٩٨٠ــ١٩٨٨) في سباق تسلح عنيف، منها الضغوط الاقتصادية والتجارية التي فرضتها عليها البلدان الغربية، منها السياسات الإصلاحية التي طبقتها القيادة السوفييتية (بيريسترويكا وجلاسنوست ميخائيل جورباتشوف)، منها المحاكاة الإقليمية التي انتقل معها طلب تغيير الحكومات من برلين الشرقية وبودابست إلى وارسو وبراغ وبوخارست، منها الدور النشط لمجموعات من الكتاب والفنانين والحقوقيين والمنتمين للمؤسسات الدينية الذين تحدوا القبضة الأمنية دفاعا عن حرية التعبير وحرية التنظيم وقادوا المعارضة السلمية للحكومات الشيوعية، منها صعود الجاذبية العالمية للفكرة الديمقراطية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين في مقابل أفول الإيديولوجية الشيوعية. كان لجميع هذه العوامل تداعياتها على أحوال أوروبا الوسطى والشرقية، وساعدت في بدء تحولاتها الديمقراطية.

غير أن العامل الأساسى ظل متعلقا بانهيار «العقد الاجتماعى» الذي ربط بين الحكومات والشعوب، ذلك العقد الذي التزمت الحكومات وفقا له بتوفير العمل والمسكن والخدمات التعليمية والصحية والمعاشات وضمانات العجز والمرض وبالتحسين المطرد للظروف المعيشية وصمتت الشعوب بمقتضاه عن إهدار حقوقها السياسية والمدنية وعن عنف القبضة الأمنية. عجزت الحكومات عن الوفاء بالتزاماتها، فتذكرت الشعوب حقوقها المهدرة وطلبت التغيير لاستعادتها ولإنقاذ مكتسباتها الاقتصادية والاجتماعية.

هكذا قرأت العلوم السياسية تغيرات نهاية ثمانينيات القرن العشرين فى بلدان كألمانيا الشرقية السابقة وتشيكوسلوفاكيا السابقة وبولندا والمجر ورومانيا، وساقت الكثير من الدلائل على دقة العلاقة السببية بين انهيار «العقد الاجتماعى» وبين بدء التحولات الديمقراطية. إلا أن العلوم السياسية لم تقدم أبدا شروحا مقنعة لاستعصاء بلدان كالاتحاد السوفييتي السابق ويوغسلافيا السابقة وبلغاريا ولسنوات طويلة على التحول الديمقراطي بالرغم من حضور ثنائية الحكومات العاجزة والشعوب المطالبة بالحقوق والحريات.

فانهيار «العقد الاجتماعي» في الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا زج بهما إلى مسارات تفكك الدولة وتفتت المؤسسات والعنف الأهلي والانفصال. انفصلت جمهوريات البلطيق وجمهوريات آسيا الوسطى وأوكرانيا وروسيا البيضاء وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان عن الاتحاد السوفييتي الذي صار روسيا الاتحادية، وبلغت أزمات العنف الأهلي والفساد وتدهور الأوضاع المعيشية والسطوة الأمنية مستويات كارثية. وفي يوغسلافيا، انفجرت حرب أهلية عنيفة ودموية وتفتت الدولة إلى جمهوريات عرقية بعضها نجح في بناء مؤسسات ديمقراطية (كرواتيا وسلوفينيا) بينما أخفق البعض الآخر (صربيا). أما بلغاريا، فتعثرت تحولاتها الديمقراطية لسنوات طويلة وتسلطت على شئون الحكم بها شبكات فاسدة جمعت بين نخبة الحزب الشيوعي القديمة (خاصة المكونات الأمنية والاستخباراتية) ونخب أعمال مدعومة غربيا.

نفر من دارسي العلوم السياسية عوّل، في معرض تفسير الاستعصاء الديمقراطي لبعض بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، على حشد مروحة واسعة من العوامل التاريخية والثقافية والسكانية والمؤسسية وتوظيفها كأسباب لغياب أو تعثر التحولات الديمقراطية. غير أن الحشد والتوظيف هذين لم يتسما بالانضباط العلمي المطلوب، واخترقتهما العديد من أوجه القصور. على سبيل المثال، صار كون روسيا القيصرية لم تمر تاريخيا لا بخبرة تطور الاقتصاد الرأسمالي ولا بزغت بها ملكية دستورية ذات برلمان قوي ومحاكم مستقلة عاملا رئيسيا لغياب التحول الديمقراطى في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفييتي ولتعثره في روسيا الاتحادية إلى اليوم. دفع بذلك إلى الواجهة، على الرغم من أن بلدان كألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية شيدت نظمها الديمقراطية في القرن العشرين دون ماض رأسمالي أو ديمقراطي عريق، وبلدان كالمجر ورومانيا نجحت خلال العقود الثلاثة الماضية في الانفتاح على تداول السلطة عبر صندوق الانتخابات وفي بناء البرلمانات القوية والمحاكم المستقلة دون خبرات تاريخية عميقة ومستقرة.

صورت أيضا عوامل ثقافية من شاكلة محدودية القيم الفردية (المبادرة الشخصية والتمسك بالحريات الشخصية)، وعودة دور الدين في الحياة الخاصة والفضاء العام ما إن انهارت الحكومات الشيوعية وتحالف المؤسسات الدينية المحافظة مع نخب قديمة وجديدة غير راغبة في بناء الديمقراطية كمعوقات للتحول الديمقراطي في روسيا الاتحادية وبعض الجمهوريات التي خرجت من رحم يوغسلافيا السابقة كصربيا والجبل الأسود وكذلك فى بلغاريا. هنا أيضا لم يلتفت بجدية إلى كون ذات العوامل حضرت في بولندا والمجر ورومانيا من بين بلدان أوروبا الوسطى والشرقية ولم تحل دون استبدال الحكومات الشيوعية بحكومات منتخبة ديمقراطيا. وعلى نفس المنوال، جرى توظيف عوامل سكانية كالتنوع العرقي والديني لتعليل تعثر التحول الديمقراطي في يوغسلافيا السابقة ثم في صربيا والجبل الأسود وعوامل مؤسسية كضعف الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والقطاع الخاص لشرح غياب البناء الديمقراطي في روسيا الاتحادية وبلغاريا. أما حقائق أن التنوع العرقي لم يعق التحول الديمقراطي في تشيكوسلوفاكيا السابقة والتي أدير بها سلميا الانفصال إلى جمهورية التشيك والجمهورية السلوفاكية، وأن ضعف الأحزاب وفاعلي المجتمع المدني والقطاع الخاص شكل سمة عامة لكل بلدان أوروبا الوسطى والشرقية بعد عقود الحكم الشيوعي فسقطت في بئر التهميش الأكاديمي.

ذات العجز، عجز العلوم السياسية عن تقديم تفسيرات قاطعة لأسباب حدوث التحولات الديمقراطية ولعوامل نجاحها وفشلها، كان حاضرا في الدراسات الأكاديمية المتناولة لبلدان أمريكا اللاتينية التي سقطت ببعضها حكومات سلطوية يمينية هنا وعسكرية فاشية هناك وحلت محلها حكومات منتخبة ديمقراطية تنوعت توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية بين يسار ويمين. فوظفت بكثافة العلاقة السببية بين انهيار «العقد الاجتماعي» وبين سقوط الحكومات السلطوية والفاشية في بلدان كالبرازيل والأرجنتين وشيلي، وأضيف لها مروحة واسعة من العوامل المساعدة كالانهاك الذي عانت منه الحكومات اليمينية والفاشية والتحالفات الاقتصادية والاجتماعية المؤيدة لها بعد عقود من ممارسة القمع والإخضاع الأمني للشعوب (البرازيل) والصدمات الخارجية التى جاءت بها الهزائم العسكرية أو الإفلاس والانهيار الاقتصادي (الأرجنتين). وألحق بعض دارسي العلوم السياسية بعاملي الانهاك والصدمات الخارجية عاملا ثالثا هو التراجع النسبي للتأييد الأمريكي والأوروبي لحكومات ملاك الأراضي ونخب الأعمال والجنرالات على وقع جرائمها وانتهاكاتها المتتالية وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

غير أن خليط انهيار «العقد الاجتماعي» والمروحة الواسعة من العوامل المساعدة لم يكتسب صدقية علمية فيما خص تفسير التحول الديمقراطي في بلد كتشيلي التي حققت حكومتها اليمينية بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه معدلات نمو اقتصادي وتنمية اجتماعية مرتفعة، ولم تبدُ عليها لا علامات الانهاك ولا تفتتت تحالفاتها مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ونخب القطاع الخاص، ولم يتراجع دعمها من قبل الغرب على أي نحو مؤثر. على الرغم من ذلك، تحولت تشيلى ديمقراطيا بعد أن اشتد بها عود حركات المعارضة المطالبة باحترام حقوق الإنسان والحريات، وقارعت القبضة الأمنية لبينوشيه بالدعوة السلمية للتغيير، وحشدت لإسقاط الجنرال في الاستفتاء الشعبي ١٩٨٨ الذي دعا هو إليه لتمرير بقائه في المنصب الرئاسي لسنوات إضافية وانتهى بتصويت ٥٦ بالمائة من الناخبين بلا. تلت تحولات تشيلي الديمقراطية استفتاء ١٩٨٨، فأنهت حكم بينوشيه وأخرجت تدريجيا المؤسسة العسكرية من الحكم والسياسة وبنت مؤسسات تشريعية وتنفيذية منتخبة. والمفارقة هي أن الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية للجنرال في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وليس انهيار العقد الاجتماعي، هي التي ساعدت على نجاح التجربة الديمقراطية واستقرارها السريع.

وتكرر عجز العلوم السياسية عن تقديم تفسيرات قاطعة لأسئلة «لماذا ومتى وكيف» تحدث التحولات الديمقراطية فيما خص تجارب بعض البلدان الأفريقية والآسيوية التي انتقلت خلال العقود الأخيرة من حكومات سلطوية إلى حكومات منتخبة، من غانا والسنغال إلى إندونيسيا وماليزيا. ورتب ذلك تدريجيا توجه الكثير من دارسي العلوم السياسية المعنيين بالديمقراطية إلى التركيز على فهم وشرح خصوصية خبرة كل بلد والابتعاد عن التعميم.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.