إذا كانت الحكومات السلطوية تشترك فى إهدارها لقيمتى حكم القانون الأساسيتين، قيمة العدل المستندة إلى موضوعية القواعد القانونية وشفافية إجراءات التقاضى وضمانات حقوق الإنسان والحريات وقيمة المساواة المستندة إلى امتناع المحاكم عن التمييز بين المواطنين ومحاسبتها للمؤسسات العامة والخاصة حين تتورط فى ممارسات تمييزية؛ إلا أن السلطويين ليسوا على حال واحد فيما يتعلق بتفاصيل تعاطيهم مع المؤسسات القضائية، وتوظيفهم لأداة التشريع (إصدار القوانين الجديدة وتمرير التعديلات على القوانين القائمة) لإدارة شئون الدولة والمجتمع، وحدود الالتزام بتنسيب قراراتهم وسياساتهم وبغض النظر عن مضامينها إلى «القوانين واللوائح المعمول بها» بحيث تخلق صورة الحكم المحترم لسيادة القانون.

قليل من الحكومات السلطوية المعاصرة لا ينكر عداءه الصريح لوجود مؤسسات قضائية مستقلة، ولا يتوقف عن التغول على المحاكم والتدخل فى أعمالها بطرق شتى. قليل منها يضرب عرض الحائط بالقوانين واللوائح، ويمعن فى ممارسة القمع باتجاه المواطن والضبط باتجاه المجتمع والإخضاع باتجاه المؤسسات القضائية (وكذلك المؤسسات التشريعية) معتمدا فقط على المتاح له من أدوات القوة الجبرية والعنف الرسمى. قليل منها لا يحاول التجمل بإبعاد شكلى للمكون الأمنى عن واجهة الحكم وجعله يدير شئون الدول والمجتمعات من وراء ستار مدنى، بل يخرج على الناس مهددا معارضيهم بالإسكات والقمع وصولا إلى التصفية والإفناء. قليل منها لا يعنيه تزييف وعى الناس بالترويج لكون حكم الفرد ليس حكما للفرد والحزب الحاكم ليس حزبا حاكما واحدا والانتخابات الرئاسية والبرلمانية معلومة النتائج سلفا ليست سوى انتخابات جادة تترجم الإرادة الشعبية بحرية ونزاهة، ولا يخجل من أن يعلن أن الحكم هو حكم الفرد أو الحزب الواحد وأن صناديق الاقتراع لا أهمية لها وأن دون ذلك ستسقط الدول وتدمر المجتمعات وينهار الأمن ويذهب إلى غير رجعة الاستقرار.

إذا كان فقط القليل من الحكومات السلطوية يندرج اليوم فى خانات العداء الصريح للمؤسسات القضائية المستقلة والمباهاة بضرب عرض الحائط بالقوانين واللوائح وبالانتهاك الممنهج لحقوق وحريات المواطنين الذين يختزلون إلى وضعية الضحايا الفعليين أو المحتملين للقمع والعنف الرسميين، فأين يقف العدد الأكبر من سلطويى القرن الحادى والعشرين؟ وأين تتشابه على سبيل المثال حكومات بلدان كروسيا والمجر وتركيا ومصر فيما خص التعاطى مع المؤسسات القضائية وتوظيف أداة التشريع وحدود تنسيب قرارات وسياسات الحكام إلى القوانين واللوائح المعمول بها؟

تصر أغلبية الحكومات السلطوية المعاصرة على أنها تحترم سيادة القانون وتعلن على رءوس الأشهاد امتناعها عن التدخل فى أعمال المؤسسات القضائية والمحاكم بمختلف أنواعها ودرجاتها، وتشدد على أن القضاء المستقل يمثل فرض ضرورة لتحقيق استقرار الدولة والمجتمع، ولا تمانع أن يتم النص دستوريا على استقلال المؤسسات القضائية وحياد القضاة وإرساء مبادئ الفصل والتوازن بين السلطات الثلاث؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية. غير أن تواتر إعلانات النوايا الحكومية الحميدة وحضور الضمانات الدستورية القاطعة لا يحولان دون السعى المستمر للسلطويين فى مثل تلك البلدان إلى استتباع القضاء وإخضاعه إلى أهوائهم، تماما مثلما يضغطون على المؤسسات التشريعية لتقزيمها إلى برلمانات دورها الوحيد هو تمرير مشروعات القوانين التى تطرحها الحكومات والموافقة على قرارات وسياسات الحكام دون إعمال للأدوات الرقابية.

تفصل قوانين المؤسسات القضائية لتمكن الحكومات السلطوية من التغول على المحاكم والقضاة، ولتفرغ من المضمون الضمانات الدستورية للاستقلال والحياد. فى هذا الصدد، يقدم قانون الهيئات القضائية المصرى (القانون رقم 13 لسنة 2017)، وهو يعطى رئيس الجمهورية صلاحيات غير مسبوقة لجهة تحديد هوية رؤساء الهيئات القضائية ويجعل من تعيينهم مجالا لبسط قوة ونفوذ رأس السلطة التنفيذية نموذجا واضحا لتوظيف أداة التشريع للتغول على معانى ومضامين استقلال القضاء. يستخدم السلطويون أيضا المخصصات المالية التى تحددها الحكومات للمرافق العامة بما فيها القضاء والامتيازات التى تقرها لموظفى العموم ومن بينهم القضاة كأسلحة إضافية للاستتباع والإخضاع ومن ثم للتأثير فى أعمال المحاكم ومخرجاتها، ويزجون بدولهم ومجتمعاتهم إلى غياهب تسييس مرفق لا ينبغى أبدا أن يسيس.

أما فيما خص تنسيب قرارات وسياسات الحكام إلى القوانين واللوائح المعمول بها، فإن العدد الأكبر من سلطويى القرن الحادى والعشرين يتمسك بممارسة القمع باتجاه المواطن والضبط باتجاه المجتمع مستندا إلى القوانين واللوائح مثلما يمارس الإخضاع باتجاه مجمل المؤسسات العامة غير المنضوية بالكامل تحت عباءة الحاكم الفرد أو المبتعدة نسبيا عن سياقات قوة ونفوذ أعوانه من أمنيين أو قيادات فى الأحزاب الحاكمة موظفا أداة التشريع وأسلحة المخصصات والامتيازات. فى مصر، تسلب حرية المواطنين لأسباب سياسية ويتركون فى أماكن الاحتجاز لفترات زمنية طويلة دون إجراءات تقاضى لأن الإطار القانونى من مواد الحبس الاحتياطى وقانون التجمهر وقانون التظاهر إلى حالة الطوارئ تمكن من ذلك. فى مصر، يستيقظ الناس على إدراج مئات المواطنين على قوائم الإرهاب دون أن يسبق الإدراج إجراءات قضائية تكفل حقوق وحريات الأفراد لأن الإطار القانونى متمثلا فى قانون الكيانات الإرهابية يمكن من ذلك. فى مصر، تغلق المواقع الإخبارية الإلكترونية دون أسباب معلومة وفى توجه صريح لفرض الرأى الواحد والصوت الواحد على الفضاء العام لأن حالة الطوارئ تمكن من ذلك. فى مصر، تتعرض منظمات حقوق الإنسان لهجمة أمنية شرسة وتعرضها الحكومة للمساءلة القضائية لأن الإطار القانونى من قانون الجمعيات الأهلية (القديم والجديد) وبعض المواد القانونية الأخرى كالمادة 78 من قانون العقوبات تمكن من ذلك. وفى روسيا يقمع الإعلام الحر ويراقب المجتمع المدنى أمنيا بالقوانين واللوائح، وفى المجر تنزع شرعية الوجود عن منظمات حقوق الإنسان ويتعقب من يعمل بالقوانين واللوائح، وفى تركيا تعزل حكومة أردوغان القضاة وأساتذة الجامعات وموظفى العموم وفقا لأهواء أردوغان السياسية لأن القوانين واللوائح تمكنه من ذلك.

لا يريد العدد الأكبر من سلطويى القرن الحادى والعشرين أن يبدو كمن ينتهك القوانين وهو يقمع ويتعقب ويضبط ويخضع أو أن يظهر العداء الصريح للمؤسسات القضائية المستقلة وهو يستتبع القضاء والقضاة. سلطويو القرن الحادى والعشرين، باستثناءات قليلة، يهدرون القيم الأساسية لحكم القانون وهم يدعون أنهم يحترمون سيادته ويقضون على معانى العدل والمساواة فى إدارة شئون الدولة والمجتمع بتمرير قوانين وتعديلات قانونية ظالمة وتمييزية. حكام بلدان كروسيا والمجر وتركيا ومصر ينسبون قراراتهم وسياساتهم إلى القوانين واللوائح، والأخيرة تمت هندستها لغرض وحيد هو التمكين للسلطوية وإطالة أمدها.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.