في ظاهرة تعبّر عن طيبة شعب بلدي ووعيهم العميق بمجريات الأمور، حتى عند غياب المعلومة، كُتبت عشرات المقالات التي تثني على أداء الوزير السابق د. إبراهيم سيف وتستغرب لماذا تم إخراجه في التعديل الحكومي الأخير. صحيح أن الناس لا تعرف لماذا يأتي فلان ولماذا يخرج فلان من الحكومة، ففي الثقافة السياسية الأردنية فإن هذه المعلومات ليست حقا طبيعيا للعامة، وتبعا لذلك يتم مكافأة المقصّر ومعاقبة المنتج في العديد من الأحيان بدون حساب، إما لمزاج شخصي أو لشكوى ظالمة، أو لأن المنتج يصر على الشفافية في تطبيق القانون، ما يغضب بعض المتنفذين، أو لأسباب أخرى لا علاقة لها بالأداء. وفي غياب المعلومة، تتداول الإشاعات ويُتهم الناس جزافا.

صحيح أن الناس لم تعد مكترثة كثيرا بالتعديلات الحكومية، وقديما قيل حين لا تعرف الوجهة التي تبغي الوصول إليها، فكل الطرق تؤدي إلى ذلك. في غياب النهج الواضح لحل تحدياتنا،  لم تعد الناس تكترث كثيرا بالشخوص حين يغيب النهج.

ولكن شعبنا الطيب ما يزال قادرا، بل مصرا، رغم غياب المعلومة، على التمييز بين الفاسد أو المقصر وبين المنتج والنظيف. والحمدلله أن الإنتاج والنظافة ما يزالان قادرين على اختراق ضبابية غياب المعلومات وعدم وضوحها، وما تزال الشمس في بلادي لا تغطى بغربال.

يأتي الأشخاص إلى الحكم ويذهبون، ولكن الإنصاف ضروري، كما عدم الخلط بين المنتج والمقصر. وإذا كانت الحكومة غير معنية بإطلاع الناس على جميع الحقائق، ربما لأن هذا الاطلاع يضعف في العديد من الأحيان قراراتها، فالحمدلله على أنه ما يزال لدينا رأي عام قادر على تمييز الغث من السمين، وما يزال نور النظافة والإنتاج ساطعا.

إبراهيم سيف مثال يحتذى لما يجب ان يكون عليه المسؤول، عمل بصمت، جعل الأرقام تتحدث عن إنجازاته حين اختار قلة الحديث، كما يتحدث الناس عن نظافته وشفافيته. لم تمنع نشأته الصعبة من المثابرة وشق طريقه بنفسه، فجاء إلى المنصب لكفاءته وليس نظرا لأي محسوبية سياسية أو مجتمعية أو عشائرية. أتعجب حقا ما هي الرسالة التي تود الحكومة إيصالها للناس حين تخرجه بتعديل أرادت أن يفهم الناس أنه بسبب التقصير في العمل. متى صار من يطبق الشفافية والتعليمات، ومن يحدث نقلة نوعية في وزارته، ومن يعمل لتطوير الطاقة المتجددة في بلادي مقصرا؟

حين أصبح أحد الأصدقاء وزيرا، جاء يشكو لي بعد أسبوع من توليه الوزارة من صعوبة التأقلم، وقال إن وضعه يشبه من يلقى في سيارة تسير بسرعة 160 كيلومترا في الساعة ويطلب منه القيادة فورا. فقلت له مداعبا، انتظر كي ترى كيف سيتم إخراجك!

لا ينتظر المبدع والنظيف والمثابر مكافأة على عمله، لأن خدمة وطنه تكون مبتغاة وهمه الأول والأخير، ولكن أقل الإيمان إنصافه. واجب علينا كلمة حق لإبراهيم سيف وما يمثل من نظافة وإنتاجية وشفافية. واجب علينا أن لا نعطي للحكومة الكلمة الأخيرة في الحكم على الناس بدون إعطاء المعلومة الصادقة، فعصر القرارات غير المدققة أو الممحصة يجب أن يولّي. وفي النهاية، محكمة الرأي العام هي الأهم، وهذه المحكمة أصدرت حكمها مبكرا على إبراهيم سيف، وهو حكم بالنظافة الساطعة والشفافية المطلقة والإنتاج الملموس، وهو حكم يعلو على أي حكم آخر.

إبراهيم سيف؛ خرجتَ كما دخلتَ، نظيفا منتجا، لم تلوثك السلطة ولم تجعل منك متكبرا  متعاليا على الناس، فاهنأ بحكمهم، ودع الأحكام الباقية كلها جانبا.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.