ولكى يعشش الخوف فى كل جانب من جوانب مصر، تواصل السلطوية الجديدة بعنف شديد انتهاكاتها لحقوق الإنسان والحريات. تسلب الأجهزة الأمنية حرية أكثر من ١٢٠ من الشباب وأعضاء الأحزاب السياسية لم يفعلوا غير الاحتجاج السلمى على موافقة البرلمان على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين السعودية ومصر. وتلقى القبض على المهندس كمال خليل بسبب مشاركته فى الاحتجاجات السلمية، وتزج به إلى غياهب الاتهامات الفضفاضة والمسيسة. وتعيد دون هوادة جرائم زوار الفجر إلى بيوت المصريين، لتبعثر متعلقات البعض، وتهدد آخرين بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتقتاد إلى أماكن الاحتجاز مجموعة ثالثة فعلتها هى التعبير الحر عن الرأى على شبكات التواصل الاجتماعى.

والهدف هو نشر الخوف بين الناس من السلطوية الجديدة وقبضتها الأمنية. الهدف هو إجبار المواطن على التفكير مئات المرات قبل الجهر بآراء أو مواقف تعارض القرارات والسياسات الرسمية وتنشد تغييرها. الهدف هو رفع كلفة الاحتجاجات السلمية بجعلها ترتب دوما سلب الحرية، وتورط فى عمليات تقاضٍ توظف بها قوانين كالتظاهر والتجمهر والإرهاب والطوارئ أعدت (أو عدلت) لكى تضمن الإدانة، الهدف هو إحكام إغلاق الفضاء العام، وتهجير أصوات الحرية بعيدا عنه، وفرض الصوت الواحد والرأى الواحد على مصر الكبيرة شعبا وتاريخا وجغرافيا.

وغير بعيد عن هذه الانتهاكات للحقوق والحريات، يتكرر من جهة إصدار احكام الإعدام، ولا يتغير إلى اليوم من جهة أخرى تجاهل السلطات للمطالبة المشروعة بإيقاف تنفيذ تلك الأحكام. غير بعيد عن هذه الانتهاكات، تتراكم (وفقا لبيانات مراكز حقوقية مصرية وعالمية) جرائم القتل خارج القانون والاختفاء القسرى والتعذيب على نحو غير مسبوق، وتحدث فى جسد الوطن جروحا لن تلتئم سريعا وندوبا لن تتوارى بسهولة. غير بعيد عن هذه الانتهاكات، تستمر الحملة الشرسة للأجهزة الأمنية على المواقع الإخبارية الإلكترونية مستغلة الصلاحيات الواسعة التى تضمنها للأمن حالة الطوارئ ومحدودية الرقابة القضائية، فتحجب عشرات المواقع التى لا يربط بينها سوى مقاومة الصوت الواحد والرأى الواحد القادمين من على.

ولأن حكام السلطوية الجديدة تمرسوا هم وأعوانهم فى فنون إنكار الحقيقة، فإنهم يأمرون الأجهزة الأمنية فى المساء أن تسلب حرية شباب وأعضاء أحزاب احتجوا سلميا على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين السعودية ومصر، ثم يخرجون على الناس فى الصباح بكثير حديث عن حق رفض القرارات السياسية الرسمية المكفول للجميع وعن التعبير الحر عن الرأى المضمون للمصريين دون تمييز. يأمرون الأجهزة الأمنية فى المساء بتلفيق التحريات ضد المحتجين السلميين لكى يتبع سلب حريتهم توريطهم فى عمليات تقاضٍ سريعة مرتكزاتها الاتهامات الفضفاضة وقوانين الاستبداد الحاضرة لضمان الإدانة، ثم يخرجون على الناس فى الصباح بمعسول حديث عن دولة القانون التى يؤسسونها وسيادة القانون التى يحترمونها والتجرد من الهوى والأهواء الذى يلتزمون به. أما التناقض البين بين أفعال المساء وأحاديث الصباح، وما يرتبه من انهيار للمصداقية الأخلاقية والسياسية، فلا يعنى حكام السلطوية الجديدة ولا أعوانهم إلا فى حدود تعقب من يواجهونهم به وإسكات أصواتهم بذات استراتيجيات نشر الخوف.

والسؤال الآن هو هل يظن حكام السلطوية الجديدة أنهم باتوا اليوم فى مأمن من احتجاجات الناس ومن انتفاضاتهم الغاضبة طلبا للحقوق والحريات ورفعا للظلم والمظالم؟ هل يرون فى جمهورية الخوف ما يضمن لهم إخضاع المواطن، ويمكنهم من ضبط المجتمع، والسيطرة الكاملة على جميع مؤسسات الدولة؟ هل يعتقدون أن جمهورية الخوف وانتهاكات الحقوق والحريات التى تشكل مرتكزاتها ستجعل أمر الحكم يستتب لهم وتفرض على أصوات الحرية والمعارضين من أثقال القمع والتعقب ما لا يقدرون على حمله؟ هل يتوقعون أن مشاهد تعيسة وصريحة الطبيعة الاستبدادية كموافقة البرلمان على اتفاقية تعيين الحدود البحرية التى أهدر بها حق البرلمانيين المعارضين فى التعبير الحر عن الرأى وحق الناس فى المعرفة أو كاقتياد الشباب من منازلهم إلى أماكن الاحتجاز الشرطية دون جرم اقترفوه أو كتغول الأجهزة الأمنية على خصوصية المواطن وزوار الفجر الذين عادت تطلقهم على منازل المصريين؛ هل يتوقعون أنها لن تصنع بين الناس وبجانب الخوف كراهية شديدة للسلطات والأجهزة المتورطة فى الظلم والمظالم؟

على الأرجح، ومن واقع استقراء شواهد أفعالهم خلال السنوات الماضية فضلا عن تحليل أحاديثهم، يظن حكام السلطوية الجديدة أن جمهورية الخوف هى سبيل إخضاعهم للمواطن إلى أن تتحسن الأوضاع المعيشية أو ييأس الناس من طلب الحرية، وسبيل ضبطهم للمجتمع إلى أن يقضى تماما على المراكز الحقوقية المستقلة والأحزاب السياسية المعارضة وتراقب بالكامل شبكات التواصل الاجتماعى، وسبيل سيطرتهم على مؤسسات الدولة إلى أن يتحقق الاستتباع الشامل للقضاء والقليل المستقل من أجهزة رقابة المؤسسات التنفيذية. حكام السلطوية الجديدة يظنون ذلك على الأرجح، غير أنهم واهمون. فجمهورية الخوف فى بر مصر إلى زوال مؤكد، هى الماضى الذى لن يقدر له أن يجثم على أنفاس الحاضر والمستقبل طويلا.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.